خطاب السيد الرئيس أمام أعضاء برلمان جمهورية جنوب إفريقيا-كيب تاون (جنوب إفريقيا)
خطاب السيد الرئيس أمام أعضاء برلمان جمهورية جنوب إفريقيا-كيب تاون (جنوب إفريقيا)
31-3-2006
معالي السيدة رئيسة الجمعية الوطنية
السيد رئيس مجلس المحافظات
السيد الرئيس
سيداتي وسادتي
أشكركم على دعوتكم الكريمة للتحدث اليوم أمام ممثلي شعب جنوب إفريقيا الصديق، هذا البلد العظيم الذي يمثل نموذجًا لكل شعوب العالم في الكفاح من أجل المساواة بين جميع مواطنيه، البلد الذي قضى على نظام التفرقة العنصرية، والذي يواصل دعمه لقضايا الحرية في كل مكان، البلد الذي تربطه بنا نحن أبناء الشعب الفلسطيني أقوى وأوثق العلاقات، ونتطلع إليه كنموذج نستمد منه العزم رغم كل الصعوبات، لنواصل مسيرتنا حتى يتحقق السلام العادل في منطقتنا، ونحصل على حقنا في تقرير مصيرنا بحرية، وتقوم دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
أنقل إليكم اليوم، أيها الأصدقاء والصديقات أعضاء البرلمان، تحيات شعبنا الفلسطيني، تحيات أعضاء مجلسنا الوطني، ومجلسنا التشريعي المنتخب حديثًا، وأؤكد لكم مجددًا اعتزازنا بعمق ومتانة العلاقات النضالية والتاريخية بين شعبينا، التي أرسى دعائمها الرئيس والصديق العزيز، المناضل الإفريقي والعالمي نيلسون مانديلا، والرئيس الشهيد ياسر عرفات، التي تتواصل بكل حميمية مع الأخ والصديق الرئيس ثابومبيكي وحكومته، حيث نحرص على الاستماع لنصائحه، ونواصل تنسيق مواقفنا بشأن مختلف القضايا الثنائية والعالمية.
إن مواقف وسياسات جنوب إفريقيا بشأن قضايا حقوق الإنسان، ومناهضتها لكل الأساليب التي تخالف الحقوق الأساسية للشعوب، ودور جنوب إفريقيا في دعم وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وحلِّ النزاعات في القارة الإفريقية، كل هذا وغيره، يمثل دورًا رياديًا لجنوب إفريقيا وقيادتها، كما أن إنجازاتكم العظيمة والواضحة برفع الظلم عن الملايين من أبناء شعبكم منذ التغيير التاريخي، الذي حصل بالقضاء على الأبارتهايد هو مثال يحتذى، حيث أدى إلى تحقيق استقرار اقتصادي وسياسي في ظل نظام ديموقراطي، يتمتع فيه كل مواطن بحريته، دون أي تمييز على أساس الدين أو اللون أو العرق.
السيدات والسادة
تعلمون، أيها الأصدقاء، أن شعبنا الفلسطيني قدم ولا يزال يقدم تضحيات جسيمة من أجل حريته، وهو يعيش الآن مرحلة صعبة وخطيرة جدًا، حيث يتعرض لكل أشكال التعذيب والتنكيل والخنق والحصار والاستيطان من قبل إسرائيل، قوة الاحتلال، التي تسعى من وراء كل ممارساتها العدوانية اللاشرعية ضد شعبنا إلى تكريس احتلالها واستيطانها لأرضنا ومقدساتنا وتدمير عملية السلام، وتقويض كل الفرص والجهود والمبادرات الدولية والإقليمية الرامية لإحيائها، وإنهاء سلطتنا الوطنية، وإن ما جرى في مدينة أريحا والجريمة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية هناك، من اختطاف لكل من كانوا في سجن أريحا لهو خير دليل على نوايا إسرائيل وضربها عرض الحائط بكل الاتفاقات الدولية الموقعة، ونستنكر العملية التي وقعت في الضفة الغربية مساء أمس، وأدت إلى مقتل مستوطنين.
إن مشاركتكم الرأي والمشورة، أيها الأصدقاء الأعزاء، في هذه الظروف المعقدة في منطقتنا، هو شيء أساسي وهام جدًا، ونحن على يقين تام، بأننا سنصل خلال لقائنا مع فخامة الرئيس والصديق العزيز ثابو مبيكي، وأعضاء حكومته الموقرة، إلى نقاط وقواسم مشتركة، نستطيع معها الدفع في اتجاه إحياء عملية السلام في منطقتنا، ومن جانبنا، فنحن معنيون بالتعرف على تجربتكم الرائدة بشكل يساعدنا في دفع العملية السياسية في الشرق الأوسط إلى الأمام، ونرحب بأي جهد يمكن أن تقوم به حكومتكم الموقرة، ونؤكد لكم بأننا ورغم كل ما نعانيه، سنظل كما كنا دعاة سلام حقيقي، نتعامل بمسؤولية كاملة مع كل الجهود والمبادرات الدولية والإقليمية لإحياء مسيرة السلام وحمايتها، رغم تعطيل المسار التفاوضي من قبل إسرائيل، واستبداله بسياسة القبضة الحديدية، والسياسات أحادية الجانب التي نرفضها بقوة، ونطالب بوقفها فورًا كونها تسعى لرسم وتحديد خريطة الحل النهائي من جانب واحد.
لقد وافقنا على خارطة الطريق التي أقرتها اللجنة الرباعية المشكلة من الأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت قرارًا من مجلس الأمن الدولي رقم (1515)، ولكن حكومة إسرائيل وضعت أربعة عشر تحفظًا على هذه الخطة، واعتمدت على قوتها ونفوذها لتواصل سياساتها التوسعية واضطهادها لشعبنا، وحاولت أن تروج في العالم مفهوم أنه لا وجود لشريك فلسطيني للتفاوض معه، وأقول وأكرر أمامكم، نحن على استعداد لبدء المفاوضات فورًا، ولتنفيذ قرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات التي وقعناها، وأن العقبة الحقيقة هي التعنت الإسرائيلي من جهة، وإحجام المجتمع الدولي عن التدخل بفاعلية حتى الآن من جهة أخرى.
لا يمكن القبول باستخدام التغيير الذي حدث عندنا نتيجة الانتخابات التشريعية الثانية، وفوز حركة حماس بأغلبية فيها كذريعة، لمزيد من العدوان ضد شعبنا، ومعاقبته على خياره الديموقراطي، ومن هنا فإننا ندعوكم، وندعو كل محبي الحرية والسلام في العالم، لبذل كل جهد ممكن مع القوى الدولية المؤثرة، لحمل إسرائيل على وقف عدوانها، وتنفيذ الاتفاقات المبرمة، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، على نحو يؤدي إلى إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة في كامل الأراضي التي جرى احتلالها من قبل إسرائيل في حزيران عام 1967، وهي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، ليتسنى لنا الوصول إلى السلام المنشود، الذي وحده يضمن الأمن والاستقرار لكافة شعوب المنطقة بما فيها إسرائيل، ويكفل لشعبنا التمتع بالعيش بحرية وكرامة وسيادة واستقلال على ترابه الوطني الفلسطيني.
معالي السيدة رئيسة الجمعية الوطنية
أصحاب السعادة
تعلمنا تجربتكم بأن السلام ممكن عندما تتحقق العدالة والمساواة، وبأن القوة مهما عظمت واستبدت لا تستطيع أن تقضي على إرادة شعب، وعلى حقه في الحياة الحرة الكريمة في أرضه، ولذلك فبمقدار رغبتنا في السلام مـع جيراننا الإسرائيليين، ومد اليد لهم، فإننا متمسكون بحقوقنا في وطننا، حتى نصل إلى اليوم الذي تكون لنا فيه دولتنا الحرة والمستقلة والديموقراطية، التي تعيش بسلام مع كل جيرانها بما فيها إسرائيل، وتسهم في استقرار وازدهار منطقة الشرق الأوسط، تحقيقًا لرؤية الرئيس جورج بوش.
إننا بحاجة في ظل أوضاعنا الصعبة إلى دعمكم، وإلى دعم المجتمع الدولي، فحجم المعاناة لا يوصف سواء على المستوى الاقتصادي أو على مستوى حركة الأفراد، حيث يُفرض ما يشبه المعازل على الفلسطينيين الذين يعيشون الآن في جزر تحاصرها المستوطنات أو قوات الجيش الإسرائيلي، وتُخصص شوارع للمستوطنين يمنع من استعمالها الفلسطيني، وأعتقد أن من زار فلسطين منكم، وشاهد حجم المعاناة، والتمييز والظلم والاضطهاد، قد تذكر أسوأ أيام التمييز العنصري التي كانت هنا في الماضي.
هنيئًا لكم بكل ما حققتموه، أيها الأشقاء، في جنوب إفريقيا، وعلى طريقكم نحن سائرون من أجل الحرية والسيادة والاستقلال، وسنبقى معًا حتى يبزغ فجر الحرية والسيادة على كل ركن من أركان عالمنا، وسندافع عن حرية غيرنا كما ندافع عن حريتنا.
عاشت جمهورية جنوب إفريقيا، وعاشت الصداقة بين شعبي جنوب إفريقيا وفلسطين.