كلمة السيد الرئيس أثناء تسلمه شهادة الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة النجاح نابلس
كلمة السيد الرئيس أثناء تسلمه شهادة الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة النجاح نابلس
6-13- 2006
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى صحبه والتابعين.
السيد رئيس مجلس الأمناء
السيد رئيس الجامعة
السيد ناصر الدين الشاعر نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم العالي
السادة المحترمون رجال الدين ورمز وحدتنا الوطنية
السادة ممثلي الدول الأجنبية والعربية والقناصل في فلسطين الذين يتحملون الصعوبات من أجل من فلسطين
أيها الطلاب خريجينا وعلى طريق التخرج بإذن الله
أيها الحضور الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحتفل البلاد الفلسطينية وتحتفل مدينة نابلس وتحتفل جامعة النجاح اليوم بحدثين هامين: تخريج عدد من أبنائها وبناتها في مختلف العلوم العلمية والإنسانية، وتحتفل أيضًا ببناء حرم جديد يضاف إلى أبنيتها، يضاف إلى معالمها، يضاف إلى مفاخرها، يضاف إلى هذا الصرح التعليمي الرائع الذي بدأ مع بداية القرن الماضي.
وبالتالي نحن نهنئكم ونهنئ قبل ذلك أنفسنا بهذا الانجاز العظيم ونتمنى على الله-سبحانه وتعالى-أن تستمر عملية العلم والتعليم والتنوير؛ لأنه لا طريق أمامنا بعد نكباتنا الكبيرة إلا طريق العلم والتعليم ونفتخر أيضًا لأن نقول بأن جامعة النجاح أسست في عام 1918 قبل الجامعة العبرية، وهذا إن دل على شيء "أظن التنافس العلمي مسموح به نحن لا نريد أن نتنافس لمسابقات السلاح مثلًا نريد أن ننافس العالم وكل العالم وجيراننا بالعلم والتعليم".
هكذا بدأت جامعة النجاح أو مدرسة النجاح في عام 1918 واستمرت مدرسةً ثم كلية ثم معهدًا ثم جامعةً شامخةً، تجلس بين جامعات العالم كلها باحترام وتقدير، لها ولعلميتها ولأكاديميتها ولنجاحها المستمر، على الرغم من كل ما نعانيه، وعلى الرغم من كل ما نواجهه وما وجهناه من صعوبات وعراقيل واحتلال، حتى نأتي من رام الله إلى هنا مررنا على أربعة أو خمسة محاسيم "يسمونها محاسيم" مع الأسف الشديد على الرغم من كل ذلك فالجامعة صامدة والجامعة قوية والجامعة تخرج أبناءها في المواعيد المحددة، والجامعة لديها هذه الصروح التي تفاخر بها العالم أجمع، وأريد أن أتذكر شيئًا قد لا يتذكره الجيل الجديد وهو أن عشرات بل مئات من أبناء المغرب العربي تخرجوا من مدرسة النجاح، وكثيرون منهم وصلوا إلى الوزارات والبرلمانات والجامعات، قد لا تعرفونهم ولكننا كنا نصادفهم في رحلاتنا من ليبيا إلى المغرب ليقول لنا الكثير منهم: نحن يشرفنا أننا تخرجنا في مدرسة النجاح.
إذن كانت النجاح منذ العشرينات والثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات، حتى الاحتلال البغيض عام 67، قبلة طالبي العلم من كل أنحاء العالم العربي شرقًا وغربًا، وهذا يسجل مفخرة لجامعة النجاح التي هي رحلة كفاح، ولكنها رحلات كفاح سيتمر هذا الكفاح-بإذن الله-حتى نحقق النصر بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، بحل عادل، يتضمن حل قضية اللاجئين حسب القرار (194) الذي يقول بالمناسبة التعويض على من لا يرغب، هذا هو القرار ونحن نطالب بهذا القرار ونطالب بهذا الحل نطالب أيضًا، ونؤكد أيضًا ونصر أيضًا على أن الاستيطان منذ بدأ عام 67 إلى يومنا هذا غير شرعي ويجب أن يزول من أرضنا.
وهنا لا أقول الاستيطان منذ عام 1948، وإنما نقول منذ عام 1967.
إخواني منذ عام 48 عندما جرد شعبنا من أرضه وماله ووطنه، دفع نحو العلم والتعليم لأنه السلاح الوحيد الذي يواجه به كل ظروف الحياة القاسية الصعبة، ولذلك فإن أعلى نسبة من التعليم ومن المتعلمين ومن العلماء، هي في هذا الشعب الذي يكافح بأظافره ويكافح بدمه وعرقه، من أجل أن يرفع مستواه العلمي ومستواه الاجتماعي ومستواه الاقتصادي، هذا هو مغزى هذا الحضور، فهو إن دل على شيء فإنما يدل على إصرار شعبنا لكي يستمر في مسيرة العلم والتعليم والحضارة ليواكب شعوب العالم.
لا أضيف شيئًا إذا قلت إننا نعاني حصارًا، اقتصاديًا سياسيًا اجتماعيًا ماليًا منذ سنوات، لكن برزت معالمه أكثر فأكثر في الأشهر الأخيرة، وهذا يعني عندما نتحدث عن حصار هذه الأيام لا ننسى أن الشهيد ياسر عرفات تعرض إلى حصار أربع سنوات، ومواقعه التي نسميها المقاطعات في كل بلد، ومنها نابلس، شاهدة على هذا الحصار كانوا يلاحقونه من غرفة إلى غرفة، كان ممنوعًا عليه أن يتنفس، ممنوعًا عليه أن يرى الشمس، ممنوعًا عليه أن يخرج من مكان إلى أخر سنوات أربع، ومع ذلك صمد وصبر واستشهد في مكانه ولم يقبل أن يتراجع عن مواقفه، إن الرئيس الشهيد الراحل ياسر عرفات "أبو عمار" هو رجل السلام الأول في الشعب الفلسطيني، وهو أعظم رجل رغم أنهم يسمونه بالأجنبية "براجماتي" في كل العالم وفي أوساط الشعب الفلسطيني بالذات، لقد كان لديه رؤية واضحة وبعيدة، وكان رجلًا صلبًا إذا أخذ قرارًا نفذه ومع ذلك حاصروه، يا ترى هل يريدون السلام؟ سؤال أسأله دائمًا لنفسي وللناس، لكن أيًا كان ردهم نحن نريد السلام، أيًا كان موقفهم نحن نريد السلام، وأيًا كانت طائراتهم نحن نريد السلام، وأيًا ذهبت صواريخهم نحن نريد السلام لنغيظ أعداء السلام ولنغيظ دعاة الحرب الذين يطغون في مجتمعات كثيرة.
إذن نحن نعيش حوارًا اقتصاديًا سياسيًا ماليًا اجتماعيًا، لا أموال تأتي ولا حركة إلى الخارج، كل هذه اللاءات فرضت علينا، وبالتالي ماذا علينا أن نفعل؟ هل نركن إلى الأمر الواقع؟ هل نستكين؟ كلا، تداعى أبناء شعبكم وأهلكم ونوابكم وممثلوكم إلى حوار وقلنا هذه بداية طيبة لا بد أن نتفاهم وأن نتحاور وأن نحاول أن نخرج من هذه الحفرة من هذه "الجورة"، ومن هذا المأزق؛ لأن شعبنا كله يعيش المأساة، فالحصار ليس على حكومة وليس على مسؤولين وليس على نواب وليس على رئيس فحسب، إن الحصار على الشعب وعلى أبناء الشعب، والمعاناة تصل لكل فرد من أفراد هذا الشعب وبالتالي علينا أن نفكر بمصير هذا الشعب بجدية، ولم نتمكن في الأيام الأولى أن نصل إلى نتيجة معتمدين في ذلك على وثيقة قدمها لنا أشرف من عندنا وهم الأسرى.
وقد قلت أكثر من مرة إن هؤلاء الناس لا مصلحة آنية لهم، لا مطلبًا ذاتيًا، لهم معظمهم محكوم بعدد كبير من المؤبدات والله يعلم متى يخرجون، وعندما يفكرون بصفاء وبنقاء وبحرقة على أهلهم وذويهم، فعندما فكروا في هذا قلنا لنتحاور في هذا المطلب أو في هذه الوثيقة والوثيقة شاملة لأفكار مختلفة قد لا ترضي طرفًا بحد ذاته بعينه، وإنما محصلتها تكون محصلة لكل الناس وهي ليست حوارًا بيننا كفلسطينيين، وإنما هي حوار بين الفلسطينيين والعالم المحيط بنا وغير المحيط بنا، هي ليست من أجل أن يتغلب رأي من هنا على رأي من هناك، وإنما من أجل أن نتغلب نحن جميعًا على الصعاب التي نعيشها، وعلى الصعاب التي تواجهنا حتى نتمكن من فك العزلة عن شعبنا من إيصال لقمة العيش له، هذا هو صلب الموضوع.
طبعًا لم نتمكن من الاتفاق فقلت لإخوتنا إذا لم تتمكنوا خلال فترة من الزمن فلا بد أن نعود للشعب ليقول كلمته، لأننا في هذه الحالة كقادة فشلنا في رفع الحصار عن شعبنا فلنذهب للشعب، ولكن ليفهم أن هذا الاستفتاء ليس سيفًا مسلطًا على أحد، وليس استفتاءً على ثوابتنا إطلاقًا.
لا أحد يستطيع أن يذهب ليقول للشعب هل تريد دولة أم لا تريد؟ هل تريد اللاجئين أن يعودوا أم لا تريد؟ هل تريد للاستيطان أن يخرج؟ هذه أسئلة لا تسأل، هذه بديهيات وطنية لا أحد يسأل عنها لأن الكل مجمع عليها، الواقع أنه في بداية الحوار لم نتمكن من النجاح وانتقلنا إلى مكان أخر من جزء من الوطن، الجزء الجنوبي واجتمع الجميع وقرر الجميع أنهم سينهون حوارهم خلال أسبوع، وهذا يجعلنا نستبشر خيرًا بأن الكل يشعر بالمسؤولية، وأنا والله لم أقل أسبوعًا أو أسبوعين، أنا قلت أمامكم فرص، ولكن كلما مر يوم زادت الضائقة واشتد الخناق على رقابنا والسكاكين ليست على رقابنا فحسب، بل إنها تحز شراييننا لذلك كلما أسرعنا في إنقاذ شعبنا كلما أسرعنا في الوصول إلى أهدافه ومراميه، ولذلك اتفق الجميع اتفاقًا طيبًا، وأقول اتفاقًا طيبًا أنهم خلال أسبوع من أمس سينهون ويجمعون على رأي واحد موحد، نقدمه للعالم المحيط وغير المحيط بنا، ونقول لهم: كفى فكوا حصارنا وأبعدوا عن طريقنا حتى نتنفس وحتى نشرب الماء وحتى نعيش، وأرجو الله-سبحانه وتعالى-ألا تطول الأيام وألا يطول الانتظار وأن يرتفع الجميع إلى مستوى مسؤولياته التي أوكلها إليه الشعب.
لقد انتخبتموني ووضعتم ثقتكم بي، وانتخبتم المجلس التشريعي الحالي، ووضعتم ثقتكم به، ولنكن جميعًا على قدر الثقة والمسؤولية.
أريد أن أتوجه إلى أرواح شهدائنا الأبرار آلاف الشهداء والجرحى الذين ببطولاتهم أوصلونا إلى بلدنا، الذين باستشهادهم وضعونا بهذا المكان وجاؤوا بنا إلى هذا المكان لنحتفل في نابلس في جامعة النجاح، بنجاحات هذه الجامعة، التحية لهم والتحية والتقدير لأسرانا الأبطال، لعشرة آلاف أسير يقبعون خلف الجدران يعانون يوميًا من إذلال السجان، ويعانون يوميًا من قهر الجنود، ومع ذلك قلوبهم معكم وعقولهم معكم ويفكرون معكم، وتقدموا عنا بأفكارهم وتقدموا عنا بمواقفهم؛ لأنهم تمتعوا بشفافية أكثر منا وبرؤية أبعد منا، وتحية إلى جميع الأخوة، ومرة أخرى أهنئ الطلاب وأهنئ الجامعة بهذا الإنجاز.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.