خطاب السيد الرئيس أمام مؤتمر الاشتراكية الدولية أثينا
خطاب السيد الرئيس أمام مؤتمر الاشتراكية الدولية أثينا
1-7-2008
الصديق العزيز الرئيس جورج باباندريو،
أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،
الضيوف الكرام،
أيتها السيدات وأيها السادة،
اسمحوا لي بداية أن أتوجه بالشكر إلى الاشتراكية الدولية لدعوتها لنا للقاء مرة أخرى، كعائلة سياسية واحدة، حيث تحتضن اللقاء مدينة أثينا، التي ارتبط اسمها بالديمقراطية، تراثنا والتزامنا المشترك، وأود من خلال رئيس الاشتراكية الدولية أن أتقدم بالشكر من اليونان، شعبًا وحكومة، على ما قدمته وتقدمه من دعم صادق لشعبنا الفلسطيني.
وأود اغتنام هذه الفرصة بمناسبة عقد المؤتمر الثالث والعشرين للاشتراكية الدولية، الذي يلتقي فيه هذا الحشد الكبير لإلقاء الضوء على تحديات الوضع الراهن، حتى نحاول معًا الوصول إلى تفاهم بشأن الخطوات الواجب اتباعها من أجل أن تتقدم قضية السلام، ولكي لا تضيع الفرصة المتاحة أمامنا اليوم كما ضاعت فرص عديدة في الماضي.
وعندما أقول فرصة، فذلك يعني أن هنالك عملية سياسية بدأت في أنابوليس في الولايات المتحدة قبل أكثر من سبعة شهور، وحظيت على أوسع تأييد دولي وغير مسبوق، وكان يراد منها إعطاء الأمل للوصول إلى اتفاق سلام ينهي الاحتلال العسكري والاستيطاني، ويقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على خط الرابع من حزيران عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية، ويوفر حلًا عادلًا ومتفقًا عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق الشرعية الدولية.
إن عملية التفاوض الجارية بيننا وبين جيراننا الإسرائيليين، بمشاركة وزيرة خارجية الولايات المتحدة، وباطلاع وثيق من اللجنة الرباعية الدولية، والمستمرة منذ إطلاقها في أنابوليس، لا تزال العقبات أمامها كبيرة ولا تزال الهوة واسعة في المواقف، ولا يمكن التغلب عليها إذا لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية مواقفًا وإجراءات حازمة، تؤكد رغبتها الجدية في حماية هذه الفرصة التي يصعب تكرارها لتحقيق السلام .
إن الرأي العام في بلادنا، ولا أقصد في فلسطين وحدها، بل في المنطقة بأسرها، يتساءل وبحق عن معنى السلام الذي نسعى للوصول إلى إنجازه وديمومته، وعن جدوى العملية السياسية الجارية، في الوقت الذي تتواصل فيه على الأرض إجراءات وانتهاكات، بما في ذلك الاغتيالات، كما كان يحدث طوال عهود ومراحل الاحتلال وبدون أي تغيير.
إن مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، وإقامة بنية تحتية احتلالية جديدة تعزل التجمعات السكانية الفلسطينية، وتفرض ما يشبه نظام الكانتونات والمعازل، هي سياسة ونهج مستمران في التطبيق كل يوم وبنشاط محموم، وأما القدس فهي تطوق بالجدار العازل وبمزيد من المشاريع الاستيطانية حولها وفي داخلها، ولا يحق لمواطنينا الفلسطينيين-مسيحيين ومسلمين-زيارة أهلهم في القدس أو الوصول إلى الأماكن المقدسة، أو التواصل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مع مدينتهم المقدسة.
إن القدس محرومة من أية مؤسسات ذات طابع وطني واجتماعي بعد إغلاق أهم مؤسساتها الوطنية، والنشاط الثقافي والاجتماعي مقيد إلى أبعد الحدود.
إضافة إلى أن الجدار العازل يدمر حياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بمن فيهم قرى وبلدات عديدة صارت محرومة من التواصل الحر مع بقية أرجاء المناطق الفلسطينية، وفي رقعة صغيرة مثل الضفة الغربية يمكنكم أن تتصوروا الأثر، الذي يخلفه وجود أكثر من 650 حاجزًا عسكريًا على مداخل القرى والمدن والبلدات المختلفة، بما يعيق المرور والنشاط الاقتصادي والاجتماعي وكل أشكال التواصل الإنساني.
ويمكنكم كذلك تصور ما يعنيه وجود أكثر من أحد عشر ألف سجين فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية بالنسبة لشعبنا، أو أي شعب آخر يوازي شعبنا في العدد وفي حجم رقعة الأرض التي يعيش عليها، ومع ذلك فإن عمليات الإفراج عن السجناء تتعطل، بمن فيهم نواب ومسؤولون في مؤسسات سلطتنا الوطنية، بالرغم من وجود أكثر من اتفاق وتفاهم في السابق للإفراج عن أعداد كبيرة منهم، وخاصة النساء والأطفال والمرضى، وكل الذين قضوا أكثر من عشرين عامًا في سجون الاحتلال.
هنالك ظلم فادح لا يعقل أن يستمر، ونحن نسعى لإقامة عالم يفتح أبوابه ونوافذه على بعضه البعض دون قيود، ويرسخ قيم العدالة والتسامح والمساواة والحرية لجميع الشعوب والأفراد.
إن عملية السلام لا يمكن أن تنجح إذا لم نستطع كسب الرأي العام في إسرائيل وفلسطين والمنطقة بأسرها؛ لحمايتها ولضمان استمرارها وللدفاع عن النتائج التي نتوصل إليها، ولا يمكن كسب الرأي العام أبدًا بالأقوال وحدها، وإنما بالأفعال التي تثبت مصداقية الأقوال والنوايا.
ورغم كل هذا الوضع المأساوي الذي نعيشه، فقد قررنا إعطاء محادثات السلام فرصة حتى تستمر، وحتى يمكن للعالم الذي يتوق إلى إقامة سلام عادل ودائم أن يقوم بدوره في مساعدتنا لإنهاء هذا الوضع، ولإنجاز هدف قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، ولكن هذه الفرصة لا يمكن أن تكون مفتوحة إلى ما لا نهاية، خاصة وأن المجموعة العربية قد أكدت ومن خلال مبادرة السلام العربية على الاستعداد لإنجاز سلام شامل ودائم بين دول المنطقة كلها، إذا تم إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية عام 67، وتوقف الاستيطان الإسرائيلي بشكل فوري، وإذا قامت دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران وتوفر حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين، والمبادرة العربية التي اعتمدت في قمة بيروت العربية، ثم في اجتماع وزراء الخارجية للدول الإسلامية في طهران، تعني من جملة ما تعنيه، أن سبعًا وخمسين دولة عربية وإسلامية ستطبع علاقاتها مع إسرائيل.
إن على إسرائيل تقديم الجواب، وأما نحن من جانبنا فقد قلنا جوابنا بشكل واضح ودعمنا ذلك بأفعال وإجراءات ملموسة، لقد أكدت سلطتنا الوطنية وبدون تردد استعدادها لتحقيق سلام تعاقدي، وفق خطة خارطة الطريق ومبادرة السلام العربية، ورؤية الدولتين التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي بوش.
وقد عملنا كل ما في وسعنا ومنذ أكثر من ثلاث سنوات لتوفير أجواء ملائمة لعملية السلام، حيث دعونا وبذلنا أقصى الجهد لتحقيق التهدئة ووقف دورة العنف، وها نحن اليوم نشهد بعض الخطوات التي تحققت في هذا الاتجاه لوقف نزيف الدم في قطاع غزة ولتوفير فرص جدية؛ من أجل رفع الحصار والطوق الذي فرض على شعبنا داخل القطاع خلال مدة تزيد عن عام كامل.
ومن جانب آخر، فقد عملنا مع حكومتنا على إعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية، بل وعلى توفير الأمن لشعبنا وفرض النظام وحكم القانون في أجزاء واسعة ومدن عديدة من الضفة الغربية، وهو تحول هام للغاية ترك أثرًا كبيرًا على حياة الشعب، وعلى توفير مناخ ملائم للنشاط الاقتصادي، ولدورة الحياة بمختلف جوانبها، بالرغم من القيود الاحتلالية المستمرة.
وجاء مؤتمر بيت لحم الاقتصادي الذي عقد قبل أسابيع عدة، وبمشاركة زهاء أربعة آلاف مشارك من رجال الأعمال في فلسطين والبلدان العربية والصديقة، حتى يؤكد ثقة مجتمعنا وعالمنا المحيط بنا، القريب والبعيد، في صواب نهجنا السياسي والاقتصادي، وفي إبداء الاستعداد لدعم هذا النهج وتشجيع النمو الاقتصادي وعملية البناء في فلسطين، باعتبار أن هذا البناء يشكل ركيزة من ركائز السلام العادل في منطقتنا ويدعم المفاوضات السياسية الجارية حتى الآن.
ولكن هذا كله لا يخفي عنا الحقيقة المؤلمة التي تشير إلى أن أمامنا طريقًا طويلًا، يحتاج السير فيه للوصول للنجاح، إلى دعم دولي متزايد وواسع وخاصة من جانب الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى جهود اللجنة الرباعية الدولية والمجتمع الإنساني عامة.
إن مجتمعنا وبسبب سياسة الاحتلال والحصار، يعاني من نسبة بطالة تفوق الخمسين في المئة، ولولا جهود سلطتنا ودعمها للفئات الأكثر فقرًا، بالترافق مع جهود الاتحاد الأوروبي، والدول العربية الشقيقة، والمجموعة الدولية ومؤسساتها، والوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، لكنّا نواجه مأساة إنسانية هائلة تهدد النسيج الاجتماعي والأمني والسياسي بأفدح المخاطر.
إننا نأمل الوصول قبل نهاية هذا العام إلى اتفاق حقيقي يؤسس لإنهاء الاحتلال وللوصول إلى عهد جديد من السلام بين فلسطين وإسرائيل، ومع سائر دول وشعوب المنطقة، ولست في حاجة إلى التذكير بأن السلام والأمن هو حاجة لنا مثلما هو حاجة لإسرائيل، وأن الأمن لا تجلبه القوة العسكرية وحدها بل تحققه المصالحة التاريخية والحدود المفتوحة والتسويات العادلة للنزاعات وفق قواعد القانون الدولي والإنساني.
وسنظل نعمل حتى تبقى هذه العملية السياسية حية على أسس فعلية وجادة وليس أسسًا واهية ومخادعة، وحتى نفوت الفرصة بالتالي على أعداء السلام في منطقتنا وعلى القوى الساعية، إلى نشر بذور الكراهية والعداء بين الأمم والثقافات والأديان في الشرق الأوسط والعالم.
وأؤكد من هذا المنبر كذلك على دعمنا الكامل لمسيرة السلام بين سوريا وإسرائيل لإنهاء احتلال الجولان العربي السوري، وأننا نعتبر كل تقدم على المسار بمثابة دعم لمسارنا ولعملية السلام بيننا وبين إسرائيل، كما أؤكد على أهمية إيجاد حل ينهي احتلال مزارع شبعا من خلال دور الأمم المتحدة.
السيدات والسادة،
لقد دعوت قبل شهر من الآن إلى حوار فلسطيني وطني شامل لتنفيذ المبادرة العربية بشأن إنهاء الوضع الشاذ في قطاع غزة، والذي نتج عن الانقلاب العسكري الذي وقع قبل أكثر من عام، وأؤكد من هذا المنبر أننا سنبذل كل جهدنا من أجل وضع حد للانقلاب والانقسام الذي عزل قطاع غزة عن جسم الوطن الفلسطيني وعن العالم، ونحن في ذات الوقت كنا ولا نزال نشدد على أن هذا الوضع الشاذ، لا يجب أن يسمح أو يبرر معاقبة شعبنا بأسره في غزة، عبر الحصار والتجويع وسائر أشكال العقوبات الجماعية.
وأود أن أؤكد أيضًا أن سبل حل الخلاف الداخلي لا تكون عبر أسلوب تقاسم الحصص والنفوذ، فهذا أسلوب نرفضه، ولا يشكل سوى مدخلٍ لمزيد من تمزيق وحدة الوطن والمجتمع، إن أهم السبل التي تتفق مع مصالح شعبنا ومع قواعد الديموقراطية في عالم اليوم، هي العودة إلى الشعب عبر الانتخابات التشريعية والرئاسية ووفق ما أكد عليه قانوننا الأساسي، وهذا الأمر يشكل القاعدة الرئيسة التي نعتمدها ونسير وفقها للخروج من الأزمة الداخلية الفلسطينية، وحتى نمنع استعمال القوة العسكرية في المستقبل من أجل انتزاع مكاسب سياسية .
السيد الرئيس، أيها الأصدقاء،
الاشتراكية الدولية هي بيتنا وهي عيوننا التي ننظر بواسطتها إلى عالم اليوم، ونحن على ثقة بأن جهودنا وجهودكم التي حققت في الماضي إنجازات هائلة في مجال التقدم الإنساني سوف تثمر قريبًا، لنصل لشرق أوسط يخلو من العنف والاحتلال والإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، شرق أوسط لشعوبه، وللقوى الحية والديموقراطية التي تحمل أمل الشعوب في مستقبل أفضل.
شكرًا لكم