خطاب السيد الرئيس أمام البرلمان الفنزويلي- فنزويلا
خطاب السيد الرئيس أمام البرلمان الفنزويلي- فنزويلا
27/11/2009
بسم الله الرحمن الرحيم
السيدة سيليا فلوريس رئيسة الجمعية الوطنية،
السادة أعضاء هيئة الرئاسة،
السادة الأعضاء،
الحضور الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله،
يطيب لي أن أقف اليوم أمام ممثلي شعب فنزويلا على منصة الجمعية الوطنية، التي التأمت خصيصًا للاحتفال بفلسطين، للتعبير عن التضامن الكبير الذي تبديه قيادة جمهورية فنزويلا البوليفارية، وعلى رأسها القائد الرئيس هوغو شافيز، وشعب بلد المحرر البطل سيمون بوليفار فنزويلا، للقضية الفلسطينية، وصولًا لتحقيق استقلالنا وإقامة دولتنا الفلسطينية الحرة وعاصمتها القدس الشرقية.
حرصنا على القيام بهذه الجولة في دول أمريكا الجنوبية، لإيماننا بأهمية توثيق العلاقات مع هذه الدول، التي تدرك شعوبها-من تجاربها الخاصة-مرارة وقساوة الاحتلال والتمييز والتهميش والإهانة لإنسانية الإنسان.
وتكون هذه الزيارة التي نختتم بها جولتنا مناسبة لمناقشة أمور عديدة وبالعمق مع فخامة الرئيس شافيز، انطلاقًا من حرصنا المشترك على تحقيق الأمن والسلم العالميين، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط.
السيدة الرئيسة،السيدات والسادة،
تصادف بعد يومين الذكرى الثانية والستون لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (181)، الذي نص على تقسيم فلسطين، فمنذ عشرين عامًا قررت الأمم المتحدة إحياء هذه الذكرى كيوم عالمي، للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
رسالتان تحملهما اليوم هذه المناسبة، الأولى: أن قرار التقسيم عام 1947 نص على إقامة دولتين: دولة إسرائيل، ودولة فلسطين، والرسالة الثانية: أن الشعب الفلسطيني ما زال يعيش المعاناة محرومًا من حقه في إقامة دولته.
لا يوجد شعب زائد في الشرق الأوسط، بل توجد دولة ناقصة، هي الدولة الفلسطينية.
لم يتعرض شعب للظلم في التاريخ الحديث كالشعب الفلسطيني، فالحرب العالمية الأولى نتج عنها صدور وعد بلفور عام 1917، الذي أعطى تعهدًا للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
أما الحرب العالمية الثانية فنتج عنها قرار التقسيم، وفي عام 1948 حلت النكبة وتشرد شعبنا في أماكن مختلفة، فقسم بقي في إسرائيل، وقسم بقي فيما تبقى من فلسطين أي الضفة الغربية وقطاع غزة، والأكثرية تحولت إلى لاجئين إما في وطنهم أو في الدول العربية المجاورة أو في غيرها من بلدان العالم.
لم يبال العالم للأسف بمصير الشعب الفلسطيني بعد عام 1948، فإسرائيل اعتبرت القضية منتهية، فكبار السن سيموتون وأما الصغار فسينسون، وأما المجتمع الدولي فتعامل مع القضية الفلسطينية كحالة إنسانية، مجرد لاجئين تساعدهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، التابعة للأمم المتحدة والمعروفة باسم (الأنروا).
لم يكن أمام الشعب الفلسطيني إزاء صمت العالم وعجزه من خيار، سوى المبادرة إلى القيام بثورة مسلحة انطلقت بها حركة فتح، وتبعته منظمات فلسطينية أخرى توحدت ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، التي خاضت أصعب نضال وأعقده، وهو إبراز هويتنا الوطنية، وبأننا شعب له الحق في تقرير مصيره.
السيدات والسادة،
لقد أدركنا في منظمة التحرير الفلسطينية صعوبة الوضع، وتعقيدات الصراع وأبعاده، فدولة إسرائيل أصبحت حقيقة ولا مجال لما كان يقال آنذاك، من أن اليهود الذين جاءوا عليهم أن يعودوا إلى بلادهم الأصلية، فكان من المستحيل في الوقت نفسه أن يزول الشعب الفلسطيني وتبتلعه الصحراء، لذلك رفعنا عام 1968 شعار إقامة دولة ديموقراطية علمانية في فلسطين، يعيش فيها اليهود والمسيحيون والمسلمون، متساوين في الحقوق والواجبات، لكن هذه الفكرة رفضت من قبل المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، وإن كانت حظيت على تأييد أقلية يهودية إسرائيلية.
السيدة الرئيسة،السيدات والسادة،
لا أريد أن أسرد أمامكم تاريخ القضية الفلسطينية، أو تاريخ المنطقة، وإنما سأتعرض وباختصار لبعض المحطات الهامة، فبعد حرب أكتوبر عام 1973 وأزمة البترول الشهيرة، تحرك المجتمع الدولي والقوى الكبرى لإيجاد حل للصراع، فصدر قرار مجلس الأمن رقم (338) الذي استند إلى قرار سابق لمجلس الأمن، صدر بعد حرب 1967 والمعروف بقرار (242)، وفي كلا القرارين دعوة لإحلال السلام ومطالبة واضحة بعدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.لكن القرارين اكتفيا بالإشارة للموضوع الفلسطيني في إطار بند حل قضية اللاجئين، إلا أن النضال الفلسطيني كان قد حصل على اعتراف وتعاطف دولي كبيرين، وبفضل تأييد حركة عدم الانحياز والدول الاشتراكية آنذاك، وعدم اعتراض دول عديدة في أوروبا الغربية، تمت دعوة قائد الشعب الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات عام 1974، وألقى خطابه الشهير في الأمم المتحدة قائلًا: أتيتكم حاملًا غصن الزيتون بيد، وبندقية الثائر بيد أخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.
تبلورت لدينا فكرة حل الدولتين منذ عام 1974، عندما أقر مجلسنا الوطني برنامجًا سمي برنامج النقاط العشر، وقد رحبت به دول عديدة وأقامت على ضوئه علاقات رسمية مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما فتح الباب أمام البدء باتصالات، بيننا وبين بعض القوى اليهودية في إسرائيل وخارجها على قاعدة حل الدولتين، أما الحكومات الإسرائيلية فردت على ذلك بإصدار قرارات تعاقب بموجبها كل من يتصل بمنظمة التحرير الفلسطينية بالسجن والغرامة.
محطة أخرى هامة في مسيرتنا النضالية حصلت في عام 1988، أثناء انتفاضة أطفال الحجارة في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد قرر مجلسنا الوطني في الجزائر القبول بقراري مجلس الأمن (242) و(338) بشكل رسمي، والاعتراف عمليًا بإسرائيل على 78 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، وليست المساحة التي كان قرار التقسيم قد نص عليها وهي 54 بالمئة، وعلى هذا الأساس أصدرنا وثيقة إعلان الاستقلال وقيام دولتنا الفلسطينية التي اعترفت بها دول عديدة، وفتحت نافذة البدء في حوار بيننا وبين الولايات المتحدة، التي كانت حتى ذلك الوقت ترفض مجرد القبول بعبارة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
وقد أعلنت الولايات المتحدة بعد حرب عام 1967، على لسان الرئيس ليندون جونسون ردًا على قرار إسرائيل بضم القدس والبدء ببناء المستوطنات، بأن أمريكا ملزمة بالدفاع عن أمن إسرائيل ووجودها لكن لن تدافع عن توسعها.
إننا ندرك أهمية الدور الأمريكي، وقد تعاطينا بإيجابية مع كل جهد أمريكي اقترب ولو قليلًا من دور الوسيط النزيه والمحايد، بدءًا من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ثم رعاية الولايات المتحدة للمفاوضات بيننا وبين الإسرائيليين، بعد أن توصلنا عبر قناة أوسلو إلى اتفاق إعلان المبادئ والتوقيع عليه يوم 13 أيلول/سبتمبر1993 في البيت الأبيض.
السيدة الرئيسة،حضرات النواب المحترمين،
كان اتفاق إعلان المبادئ يقضي بإنهاء المفاوضات عام 1999، والوصول إلى حل نهائي يقوم على أساس الدولتين، واستطعنا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين، إنجاز أمور هامة خلال أول سنتين، لكن اغتياله ومجيء نتانياهو أوقف العملية.
إذ تم عزل القدس الشرقية عن محيطها وعومل قطاع غزة وكأنه كيان منفصل، وبقي أسرانا في السجون، وتوسع الاستيطان، وبدأنا نسمع عبارات مستهجنة مثل: استيطان شرعي، ونمو طبيعي للاستيطان.
وكانت النتيجة جمود عملية السلام، وتنامي الإحساس بعدم جدية الجانب الإسرائيلي في تحقيق السلام.
وبعد سقوط حكومة نتانياهو ومجيء حزب العمل برئاسة أيهود باراك عام 1999، جرت في كامب ديفيد وفي الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس كلينتون المفاوضات الشهيرة التي لم تثمر عن اتفاق، أعقبها مباشرة قيام أريئيل شارون بدخول ساحة المسجد الأقصى، وانفجار الوضع وقيام الانتفاضة الثانية، التي كانت لها نتائج مدمرة، فقدنا خلالها رئيسنا ياسر عرفات الذي ظل محاصرًا أربع سنوات.
في ظل تلك الظروف الصعبة توليت مسؤولية قيادة شعبي، حيث انتخبت رئيسًا للسلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وكان البرنامج الذي طرحته على الشعب الفلسطيني يتلخص بإقامة نظام ديموقراطي وتعددي، وإنهاء ظاهرة فوضى السلاح، وتكريس الأسس الديموقراطية على المستويات المختلفة الرئاسية والتشريعية والبلدية والنقابية، وتطبيق معايير النزاهة والشفافية المعترف بها دوليًا.
ولا بد أن أنوه إلى قيام الدول العربية بطرح مبادرة السلام العربية عام 2002، وتلك المبادرة التي تم تبنيها في خارطة الطريق، التي قدمتها اللجنة الرباعية الدولية، والتي اعتمدها مجلس الأمن في قراره (1515).
إلا أن برنامجي تعرض إلى أمرين خطيرين:
الأول: حالة الانقسام، بسبب انقلاب حماس في قطاع غزة، والثاني: استمرار إسرائيل في التوسع الاستيطاني، وبناء جدار الفصل العنصري.
في نهاية العام 2007 وبعد مؤتمر أنابوليس عدنا إلى المفاوضات مع حكومة أولمرت ليفني، وبمساهمة هامة من الرئيس بوش وكوندوليزا رايس، استطعنا أن نصل إلى تفاهمات حقيقية ثبتنا فيها حدود الرابع من حزيران عام 1967 كأساس لحل الدولتين.
غير أن مجيء حكومة نتنياهو الجديدة عام 2009 أوقف كل ذلك؛ إذ أعلنت هذه الحكومة عدم التزامها بالمرجعيات التي نصت عليها خارطة الطريق، وتنكرت للتفاهمات وهي تسعى لإرجاعنا إلى نقطة الصفر.
أريد أن أكرر أمامكم بأنه ليس لدينا شروط مسبقة لاستئناف المفاوضات، بل بالتزام الجانبين بأسس عملية السلام وفق خارطة الطريق، وتحديدًا وقف النشاطات الاستيطانية، بما في ذلك ما يسمى بالنمو الطبيعي وبما يشمل القدس.
لا يمكن أن نقبل-بمفهوم حكومة إسرائيل الحالية-المفاوضات، على أساس أن إسرائيل تفعل ما تشاء على الأرض وبإمكاننا أن نقول ما نشاء على الطاولة.
أما ما جاء في إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل يومين فإنه لم يحمل في طياته أي جديد، لأن الاستيطان سوف يستمر في الضفة الغربية والقدس التي تم استثناؤها من القرار، ولم يلتزم رئيس الوزراء باستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في ديسمبر 2008، كان أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يختار ما بين السلام والاستيطان، فاختار للأسف الاستيطان.
أمام هذا الرفض الإسرائيلي فإننا نتشاور ونتدارس مع أشقائنا العرب ومع مجموعة الدول اللاتينية والأفريقية والأوروبية والآسيوية، وفي المستقبل مع الإدارة الأمريكية، حول إمكانية الذهاب إلى مجلس الأمن بهدف ترسيم حدود دولة فلسطين على خطوط الرابع من حزيران 1967، بعاصمتها القدس الشرقية.
إذ إن هدفنا الذي سنستمر بالسعي إليه هو دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، تعيش جنبًا إلى جنب مع دولة إسرائيل بأمن وسلام.
بعد 61 عامًا من النكبة آن الأوان للشعب الفلسطيني أن يعيش بأمن وسلام، في دولته المستقلة ذات السيادة التي ستكون ركنًا أساسيًا من أركان الأمن والسلام والاستقرار، في منطقتنا وفي العالم بأسره.
إننا واثقون أيها الأصدقاء أن فنزويلا قائدًا وحكومة وشعبًا، ستستمر في دعمها وتأييدها لقضية شعبنا العادلة، حتى تقوم دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
أحييكم جميعًاوعاشت الصداقة الفنزويلية الفلسطينية
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.