خطاب السيد الرئيس في آخر التطورات السياسية-رام الله
خطاب السيد الرئيس في آخر التطورات السياسية-رام الله
5/11/2009
بسم الله الرحمن الرحيم
أتوجه بكلمتي اليوم أولًا إلى شعبنا الفلسطيني الصامد رغم كل أشكال المعاناة تحت نَير الاحتلال أو في مخيمات اللجوء والمنافي، لمراجعة هادئة وتقييم موضوعي للمرحلة التي نمر بها، فنحن على مفترق طرق، لا تنفع معه المزاودات ولا الأحكام الجاهزة، ولا تبسيط الأمور.
كما أتوجه إلى امتنا العربية وإلى شعب وحكومة إسرائيل وإلى المجتمع الدولي.
إخوتي وأخواتي، أبناء شعبنا العظيم،
على مدى مسيرتنا النضالية الطويلة والشاقة، أدركنا تعقيدات قضيتنا، وأبعادها الإقليمية والدولية، وأدركنا أن النكبة التي حلت بشعبنا عام 1948، كان يُراد لها أن تمحو اسم فلسطين وشعب فلسطين، فكانت ثورتنا المسلحة عام 1965، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية، الرد الذي أثبتنا من خلاله وجودنا، وانتزاع شرعية الاعتراف بحقنا، الذي قمنا بصياغته عبر مؤسساتنا الديموقراطية، بما يتلاءم مع أهداف وقرارات محيطنا الإقليمي، وبما يَقبله ويعترف به المجتمع الدولي.
قدمنا تضحيات غالية حتى تم الاعتراف بوجودنا وبحقنا في إقامة دولتنا، وقبلنا بما أقرته الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ثم الاتفاقيات التي وقعناها مع الجانب الإسرائيلي بقيادة رئيسنا الراحل ياسر عرفات، منذ اتفاقية أوسلو عام 1993، وإلى خارطة الطريق التي تضمنت مبادرة السلام العربية، وكلها تنطلق من مبدأ الأرض مقابل السلام، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي وقع عام 1967 للأرض الفلسطينية، في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وحل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين بالاستناد إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194).
تعهدنا نحن والإسرائيليون، وبرعاية ومشاركة المجتمع الدولي للوصول إلى حل الدولتين عبر المفاوضات، ولكن شهرًا بعد شهر وسنة بعد أُخرى كان التسويف والمماطلة، وتزايد النشاط الإسرائيلي الاستيطاني يُقوض مصداقية المفاوضات، ووصلَ الأمر مع الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى درجة الإعلان، وممارسة ما يتناقض مع المبادئ الأساسية للسلام، التي تضمنتها قرارات مجلس الأمن وما نصت عليه خارطة الطريق.
هنا أود التذكير، بأننا طلبنا جنبًا إلى جنب مع المجتمع الدولي من الحكومة التي شكلتها حركة حماس عام 2006 بأن تلتزم بالاتفاقيات الموقعة سابقًا، وبخارطة الطريق وبقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وبالمبادرة العربية فكيف أستطيع، بل كيف يقبل المجتمع الدولي بأن يطلب أقل من ذلك من قبل الحكومة الإسرائيلية الحالية؟
أيتها الأخوات، أيها الإخوة،
منذ تم انتخابي بعد استشهاد قائدنا الرمز الأخ أبو عمار قبل خمس سنوات، التزمت بما أعلنته بكل صراحة في برنامجي الانتخابي، سواء على صعيد أمننا الداخلي، أو الشفافية والمحاسبة، أو إرساء سيادة القانون، أو تحسين وضعنا الاقتصادي الذي تحقق في الضفة الغربية، مع تخصيص الجزء الأكبر من موازنتنا لأهلنا في قطاع غزة، رغم الانقلاب الذي قامت به حركة حماس.
وكَرست مبدأ الانتخابات على كل الأصعدة، التي شملت المجلس التشريعي والبلديات والنقابات، وكذلك عقد مؤتمر فتح، رغم كل محاولات التعطيل والمماطلة، ثم انعقاد المجلس الوطني واستكمال أعضاء اللجنة التنفيذية.
كان أخطر ما شهدته ساحتنا الداخلية خلال هذه الأعوام الخمسة، الانقلاب الدموي الذي قامت به حركة حماس في قطاع غزة، والذي واجهناه منذ اليوم الأول، رغم الجراح والآلام بتحريم الدم الفلسطيني وبالدعوة الصادقة إلى استعادة الوحدة عبر الحوار، وبذلت الشقيقة مصر جهودًا مشكورة طيلة المرحلة الماضية، للوصول إلى اتفاق، كانت حركة حماس تُفشله في كل مرة تحت ذرائع وحجج واهية، كان آخرها تقرير جولدستون الذي ثَبت للجميع صحة موقفنا منه منذ البداية وحتى المرحلة الحالية، التي وصل إليها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن عدم توقيع قيادة حماس على الوثيقة المصرية التي اطلعوا ووافقوا على مضمونها مسبقًا، ثم الادعاء بأنه جرى تغيير فيها، إنما هو إمعان في النهج الذي لم تستفد منه سوى الأوساط الإسرائيلية، التي تكرر مقولة عدم وجود الشريك الفلسطيني، وهو نهج يدّعي المقاومة ليبقي حالة الحصار والدمار والمعاناة التي يعيشها أبناء شعبنا في قطاع غزة الحبيب.
ألم يحن الوقت لقيادة حماس لإعادة النظر في سياساتها وممارساتها المدمرة للمشروع الوطني؟ وأن تتوقف عن الإصغاء لأصحاب المشاريع الإقليمية، وتفكر بمصلحة الشعب الذي لن تحل مشاكله بواسطة أموال تأتي من هنا وهناك، أو عبر تجارة الأنفاق التي أثرى البعض منها، ولكنها أودت بحياة العشرات من شبابنا أبناء الأسر الفقيرة.
أخواتي وإخوتي، أبنائي وبناتي،
نحن شعب صغير وإمكانياتنا محدودة، لا نريد أن نُحرج أحدًا ولا نزايد على أحد، رغم أن كثيرين يزايدون علينا، سعينا في الماضي وما زلنا نسعى من أجل تعريف العالم بعدالة قضيتنا، في مواجهة إعلام قوي ومسيطر، لطالما حاول أن يحولنا من ضحايا إلى جلادين، ومن معتدى عليهم إلى معتدين، وتعلمنا من تجربتنا المريرة سهولة اتهام الفلسطيني، وسهولة اعتقاله وطرده وإقصائه.
هذه المعاناة الطويلة هي سبب رغبتنا الشديدة بأن نعيش كبقية شعوب الأرض في دولتنا الحرة والمستقلة، وأن نبحث عن أصدقاء في كل مكان، لا يكونون بالضرورة أعداء لإسرائيل، بل إلى أشخاص وأحزاب ودول تقف إلى جانب الحق والعدالة النسبية في هذا العالم، وتكون وسيطًا نزيهًا لحل هذا الصراع بيننا وبين إسرائيل.
لقد سعينا إلى إقامة أفضل العلاقات مع مختلف دول العالم متفهمين في نفس الوقت مصالح هذه الدول والعوامل المؤثرة في سياساتها، وشمل ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا يمكن إنكار مركزية دورها في الوصول إلى تحقيق السلام، فأعربنا عن شكرنا لاحتضانها توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، في عهد الرئيس كلينتون وجهوده لدفع عملية السلام، كما ثَمنّا الإعلان غير المسبوق للرئيس جورج بوش بشأن رؤياه حول حل الدولتين، وأعلنا ترحيبنا وتفاؤلنا بما أعلنه الرئيس أوباما بشأن ضرورة الإيقاف التام للاستيطان بما فيه النمو الطبيعي، وبحل للصراع خلال برنامج زمني محدود.
إن المواقف المعلنة للولايات المتحدة الأمريكية بشأن الاستيطان وتهويد القدس وضمها، مواقف معروفة وهي محط تقدير من جانبنا، إلا أننا فوجئنا بمحاباتها للموقف الإسرائيلي، ولكن المشكلة التي تحتاج إلى حل هي أن إسرائيل، وخاصة حكومتها الحالية ترفض كل ذلك، وتطالب بإجراء مفاوضات بدون الاستناد إلى أي مرجعية، مواصِلة استيطانها في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وبخاصة القدس الشرقية المحتلة التي تتعرض إلى تغيير معالمها العربية بشكل غير مسبوق، يشمل تدمير منازل المواطنين الفلسطينيين والاستيلاء عليها وتقييد وجود سكانها مسيحيين ومسلمين، وصولًا إلى المس بمؤسساتها الدينية، وبخاصة حول وتحت المسجد الأقصى، مما يهدد بإعطاء الصراع طابع حرب دينية، لها أبعادها الخطيرة على المستوى العالمي وليس الإقليمي فقط.
إن خطورة الوضع والمأزق الذي نمر به، يدفعانني إلى مخاطبة الحكومة الإسرائيلية والرأي العام الإسرائيلي بكلمات قليلة وواضحة: السلام أهم من أي مكسب سياسي لأي حزب، والسلام أهم من أي ائتلاف حكومي إن كانت نتيجته دفع المنطقة نحو الهاوية أو المجهول.
لقد كانت وجهة نظري ورؤيتي منذ سنوات طويلة بأن السلام ممكن، وعَملت صادقًا من أجل ذلك، رغم كل ما تحملته على المستوى الشخصي من أذى وتجريح، ومُحصلة تجربتي أن الوصول إلى حل الدولتين (فلسطين وإسرائيل) تعيشان جنبًا إلى جنب بأمن وسلام ما زال ممكنًا، رغم ما نواجهه من أخطار ازدادت حدتها مؤخرًا، أي: إن حل الدولتين يواجه مخاطر كثيرة لا ندري أين توصلها، على أن يتم الالتزام بالمبادئ والمرجعيات والأسس التالية:
1. قرارات الأمم المتحدة بشأن الصراع، وخارطة الطريق ومبادرة السلام العربية، ورؤيا حل الدولتين على أساس قراري مجلس الأمن (242) و(338) و(1515)، مع الاستفادة من كل تقدم حصل في المفاوضات في كامب ديفيد، وطابا، وأنابوليس.
2. الحدود تستند إلى الوضع الذي كان سائدًا ما قبل الرابع من حزيران 1967، وإمكانية إجراء تبادل للأراضي بالقيمة والمثل دون المساس بالحقوق المائية أو التواصل الجغرافي، والربط ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
3. القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين مع ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة.
4. حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين، كما ورد في مبادرة السلام العربية التي أصبحت جزءًا من خارطة الطريق.
5. لا شرعية لبقاء المستوطنات فوق أراضي الدولة الفلسطينية.
6. ترتيبات أمنية يقوم بها طرف ثالث على الحدود ما بين دولتي فلسطين وإسرائيل.
7. حل قضية المياه حسب القانون الدولي، وحق الدولة الفلسطينية في السيطرة على مصادرها المائية، وعلى أجوائنا وكل ما نملك فوق الأرض وتحت الأرض، والسعي لتعاون إقليمي في مجال المياه.
–8. إغلاق ملف أسرى الحرية، وإطلاق سراحهم جميعًا.
أيتها الأخوات والإخوة، يا أبناء شعبنا الفلسطيني الأصيل
أيها الأشقاء، أيها الأصدقاء،
إن صعوبة الأوضاع التي نمر بها ليست مبررًا لعدم القيام بما يمليه علينا الواجب، وما ينص عليه قانوننا الأساسي، ولذلك أصدرت مرسوم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها المحدد، يوم 24 كانون الثاني (يناير) من العام القادم، التي ستشمل حُكمًا الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وأرجو الله أن تتم وقد أنجزنا وحدتنا الوطنية وأنهينا الانقسام.
إخوتي أخواتي، يا أبناء شعبي،
لقد أبلغت الإخوة في اللجنتين: التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمركزية لحركة فتح، بعدم رغبتي بترشيح نفسي لانتخابات الرئاسة القادمة، وهذا القرار ليس من باب المساومة أو المناورة أو المزايدة إطلاقًا، وإنني إذ أقدر للإخوة أعضاء القيادتين ما عبروا عنه من مواقف، فإنني آمل منهم تفهم رغبتي هذه علمًا بأن هنالك خطوات أخرى سأتخذها في حينه.
إن الإخوة أعضاء لجنة الانتخابات المركزية بدأوا العمل من أجل إنجاز مهمتهم في الإعداد للانتخابات بكل الشفافية، وبإشراف دولي كما حصل سابقًا، متمنيًا لهم كل النجاح والتوفيق.
وختامًا أتوجه بالتحية إلى أسر وأبناء شهدائنا الأبرار، وإلى جرحانا، وإلى أسرانا البواسل، وإلى شعبنا في الوطن والشتات، مؤكدًا لهم جميعًا بأنني ناضلت طيلة سنوات عمري، منذ كنت طفلًا ولد في صفد، وإلى يومنا هذا من أجل عزة هذا الشعب الذي أفخر بالانتماء إليه، والذي يستحق أن يحيا بحرية فوق تراب وطنه، فكفانا هجرة وكفانا معاناة تحت الاحتلال.
آن الأوان لهذا العالم أن يضع حدًا لأطول مأساة في تاريخنا المعاصر.
آن الأوان بولادة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، النصر آتٍ-بإذن الله-طال الزمن أو قصر.
أُجدد التحية لكم جميعًا
عِشتم وعاشت فلسطين.