خطاب السيد الرئيس في ذكرى انطلاقة الثورة-رام الله
خطاب السيد الرئيس في ذكرى انطلاقة الثورة-رام الله
31/12/2009
أيتها الأخوات، أيها الإخوة،
يا أبناء شعبنا المناضل والصامد والوفي،
أيها الفلسطينيون الأحبة في كل مكان،
نحتفل اليوم بذكرى انطلاق ثورتنا التي فَجرتها طلائعُ حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، مُعلنة بداية عهد جديد في تاريخ شعبنا، وتاريخ منطقتنا.
خمسة وأربعون عامًا من النضال المتواصل، اسُتعمِلت خلاله أساليبٌ متعددةٌ للمقاومة، في ثورة هي الأطول في تاريخ الشعوب في هذا العصر، ثورة لا يدرك ما واجهته من مصاعب في مرحلة الإعداد، ثم الولادة، إلا من انخرط في صفوفها في تلك السنوات التي أعقبت نكبة عام 1948، والتي شَهِدت ضَياع الوطن وتشريد الشعب ومحاربة ومنع الفلسطينيين من تنظيم أنفسهم في أي إطار، وتحريم رفع هذا العلم الخفّاق، علم فلسطين، كرمز من رموز هويتنا الوطنية. نُحيي هذه الذكرى لنؤكد على تمسكنا بثوابتنا الوطنية، وعلى أن هذه الثورة قد انطلقت لتبقى وتنتصر.
أثبتت انطلاقة ثورتنا بقيادة (فتح) عام 1965، أن هذا الشعب العظيم لا تُثنيه جراحاته وآلامه ومعاناته من النهوض كطائر الفينيق، فقدم عشرات آلاف الشهداء البررة أرواحهم، في سبيل تحقيق الهدف الذي لا بديل عنه، وهو الحرية وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها-قلب فلسطين دُرة التاج-مدينة القدس الخالدة، وحل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين كما ورد في المبادرة العربية وحسب القرار (194).
أيتها الأخوات، أيها الإخوة،
لا يمكن إدراك حجم الإنجازات التي حققتها ثورتنا العملاقة، رغم كل الصعوبات والتحديات التي ما زلنا نواجهها، إلا باستذكار ومعرفة الوضع الذي كان سائدًا قبل الانطلاقة.
فقد كانت قضية فلسطين تختصر دوليًا بكونها قضية لاجئين، أما إسرائيل فاعتبرتها قضيةً منتهيةً لأن كبار السن يموتون، وحديثي الولادة بعد النكبة ينسون، وعلى الصعيد العربي-للأسف-كانت القضية مجالًا للمزايدات بين الأنظمة في الصراع بينها، وكنا-نحن الفلسطينيين-مشتتين جغرافيًا ومختلفين سياسيًا.
وجاءت حركة فتح لتصنع مع بقية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية تاريخنا الحديث، فحوّلَت القضية من قضية إنسانية إلى قضية وطنية، ومن قضية حدود إلى قضية وجود، وأصبح اللاجئون من الفلسطينيين، بل كل الفلسطينيين، مناضلين من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
فَتَحتَ راية منظمة التحرير الفلسطينية، التي وحدت شعبنا في كل أماكن تواجده، وضمت إلى صفوفها كل أطيافه السياسية، فرضنا قضيتنا على جدول أعمال كل المؤسسات الدولية والإقليمية، حيث عادت فلسطين لتحتل موقعها في جامعة الدول العربية، وأصبحت عضوًا في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي حركة عدم الانحياز، وتحظى بصفة المراقب الدائم في الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، ولا ننسى أيضًا أنها عضو مراقب في القمة الأفريقية.
هذه الإنجازات التي تحققت، يُدركها أكثر من غيره، من عاش في لهيب هذه الثورة، وناضل جنبًا إلى جنب مع القادة الشهداء الذين تَخلوا عن كل الامتيازات، وعلى رأسهم القائد الرمز ياسر عرفات، متذكرين شهيدنا الأول عبد الفتاح عيسى الحمود عضو اللجنة المركزية، وأبو يوسف النجار، وكمال عدوان، والقائمة تطول إلى الشهيد صخر (أبو نزار) وغيرهم وغيرهم من عشرات الآلاف الذين روت دماؤهم الطاهرة تراب وساحات المواجهة، سواء في الأرض المحتلة من أقصاها إلى أقصاها، أو في المنافي القريبة والبعيدة، وآخر شهدائنا ستة قتلوا بدمٍ باردٍ من قِبل القوات الإسرائيلية في نابلس وقطاع غزة.
وهنا لا بد من وقفة عند هذا الحدث الكريه الحقير التي قامت به القوات الإسرائيلية، لنقول لمن سنوجه كلامنا إليه بأننا أمام وقفة، وبأننا سنقدم جردة حساب لسنوات ماضية، وبأننا في النهاية سنقول كلمتنا.
ويُدرك جيلنا أهمية الوحدة الوطنية التي أنجزناها على أنقاض الانقسام والتشرذم، الوحدة التي يجب الحفاظ عليها والتمسك بها، وإفشال كل مخططات المتآمرين عليها.
علينا أن نبني على ما تم إنجازه وتطويره، فثورتنا منذ انطلقت، حددت هويتها كحركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني المنتمي إلى أُمته العربية والإسلامية، فقضيتنا هي قضية هذه الأمة العظيمة، التي قدمت قوافل الشهداء من أجل فلسطين، وقد حَرصنا منذ البداية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وأن نُبقي قضيتنا فوق أية خلافات، وألا نسمح بزجها في أية صراعاتٍ إقليميةٍ أو غير إقليمية، ونحن بحاجة اليوم، وأكثر من الماضي للتمسك بهذا النهج، والاستفادة من عِبَرِ الماضي، كل عِبَرِ الماضي. وبهذه المناسبة فقد قلنا لكل أشقائنا وأصدقائنا ومن حولنا وبالذات لأشقائنا في لبنان مؤخرًا: إننا ضيوف على الشعب اللبناني كما أننا ضيوف على غيره من الدول العربية، وإننا لن نتدخل في شؤونه الداخلية وإننا تحت القانون ولسنا فوق القانون، ونقول -ليس للبنان فقط وإنما لكل مكان ولكل دولة، عربية كانت أو غير عربية-هذا القول دون تردد، لأننا نريد أن نبقى ضيوفًا أعزاء إلى أن يأتي الوقت لعودتنا لوطننا الفلسطيني.
أيتها الأخوات، أيها الإخوة
يُحاول البعض منا أن يرسم صورة قاتمة للوضع بأسره، ورغم إدراكي أكثر من غيري لكل المصاعب، إلا أن ذلك يجب ألا يَحول دون إدراكنا واعترافنا بالإنجازات التي نحققها، رغم كل ما يضعه الاحتلال من عراقيل أمامنا.
فعلى الصعيد السياسي، هناك تفهم دولي غير مسبوق لمواقفنا، ولا توجد اليوم دولة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، تدافع عن مواقف الحكومة الإسرائيلية، وأصبحت المطالبة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، سياسة رسمية تُطالب بإنجازها كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وحتى نقول كل الحقيقة فإن ما صرح به الرئيس أوباما كلام كان في منتهى الأهمية، وعلينا أن نتمسك به ونطالبه دائمًا بأن يتمسك به، عندما قال: إن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة مصلحة حيوية أمريكية، إذن عليهم أن ينفذوا هذا الكلام وألا يكون فقط كلامًا في الهواء، هذا كلام جيد جاء من أمريكا ومن أعلى رأس في أمريكا، ونقول: تمسكوا بهذا الموقف وأوفوا بعهدكم.
وحققنا على صعيد وضعنا الداخلي في الضفة الغربية، رغم مأساة الانقلاب ومعاناة أهلنا في قطاع غزة، حققنا الأمن لمواطنينا، ونموًا اقتصاديًا في مجالات مختلفة، صناعية وزراعية وسياحية، وغيرها، وتذكرون أننا منذ بدأنا هذه المرحلة رفعنا شعارًا وهو قوله سبحانه وتعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وهذا هو الشعار الذي نسعى وسعينا ونعمل من أجل تحقيقه دائمًا وأبدًا هو الأمن للمواطنين، ولقمة العيش والحياة الكريمة، ودائمًا نقول: اللهم آمنا في أوطاننا، والحمد لله أننا نتمتع-لولا بعض التدخلات ولولا بعض التداخلات ولولا بعض الاجتياحات ولولا...-نحن نعيش في أمن وأمان ولكن للحديث بقية.
واستطعنا أن نعقد مؤتمر حركة (فتح)، حيث تم انتخاب قيادة جديدة عبر الممارسة الديموقراطية، وعقد مجلسنا الوطني دورة اجتماعات استثنائية، استكملنا خلالها عضوية اللجنة التنفيذية ولم يعد هناك من يتحدث عن عدم شرعية اللجنة التنفيذية، إذ إننا اتبعنا النظام والقانون وطبقنا هذا النظام والقانون، باستكمال اللجنة التنفيذية وأصبحت اللجنة التنفيذية كاملة العضوية، كما جرت انتخابات لعدة منظمات شعبية وعلى رأسها اتحاد المرأة، ونحن سائرون على طريق استكمال الانتخابات لبقية المنظمات، وكذلك الإعداد لإجراء الانتخابات البلدية؛ لأننا بدأنا عهودنا الديموقراطية ونريد أن نستمر في الديموقراطية رغم كل أولئك الذين لا يريدون الديموقراطية إلا مرة واحدة، مع التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
إننا أصدرنا مرسومًا للانتخابات في 24/10 من أجل عقد هذه الانتخابات حسب الدستور، حسب القانون الأساسي في 24/1/2010، وقبل ذلك كانت هناك الوثيقة المصرية للمصالحة، وعندما قامت لجنة الانتخابات المركزية المستقلة...، بالمناسبة نحن من القلة في العالم الذين لا تجري وزارة الداخلية الانتخابات، وإنما تجريها لجنة مستقلة كاملة الاستقلال، وهذا يشهد به العالم أجمع، لكن جوبهت هذه اللجنة برفض من حركة (حماس)، قائلين: سنمنع ذلك بقوة السلاح، ثم جاءت الوثيقة المصرية التي كانت عبارة عن جمع لكل الآراء المتناقضة لأن الذي يصالح لا يستطيع أن يرضي الطرف هذا والطرف هذا بكامل طلباته، وقالوا: هذا ما رسونا عليه، وما وصلنا إليه وبالتالي نرجو أن نذهب إلى المصالحة الوطنية بعد أن تعبنا، عامان كاملان ونصف ومصر تسعى من أجل المصالحة الوطنية، ونحن رغم أنه كانت لدينا بعض الملاحظات لكن من أجل المصلحة الوطنية، وحرصًا على جهود مصر التي تعبت معنا كثيرًا، قلنا: نحن مستعدون للقبول بهذه الوثيقة، ووقعنا عليها في الوقت المحدد (15 تشرين أول/أكتوبر) خلال هذا العام، وفوجئنا أن (حماس) قالت: لدينا ملاحظات، وبدأت هذه الملاحظات أو الهينات الهينات بتقرير غولدستون، ثم رجعوا عنها ووضعوا مجموعة من الملاحظات وبدأوا يتكلمون عنها، ثم قالت لهم مصر: تعالوا وقعوا وسنأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتكم بعد التوقيع، لكنهم رفضوا وأصروا ثم أرسلوا لنا بشكل رسمي: نحن مستعدون للتوقيع على الوثيقة لكن ليس في مصر، طبعًا نحن لا أخلاقنا ولا ضميرنا ولا مصلحتنا الوطنية والقومية ولا وفاؤنا يقبل هذا، ورفضنا، إذن القضية لم تكن قضية ملاحظات أو قضية استدراكات، وإنما هي في مكان التوقيع، التوقيع يتم في المكان الذي تمت فيه كل هذه المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، التوقيع سيكون في مصر، والمتابعة ستكون في مصر، وقلنا نحن لا نريد هذا الاقتراح ومصممون على أن يكون التوقيع بمصر.
رغم أنهم يتحدثون عن انتخابات، إلا أنهم اقترحوا علينا بصفة رسمية وقالوا: أنتم في المجلس السابق بقيتم 11 عامًا، نحن نريد تمديد 10 سنوات للمجلس والرئيس، قلنا: كلا، وبذلك المصالحة إلى الآن تراوح مكانها ونحن فعلًا جادون ونريد المصالحة، وجادون في الانتخابات ولن نمدد، نريد انتخابات رئاسية وتشريعية، وسنعمل بكل جهد لتطبيقها وعلى الشعب الفلسطيني أن يختار.
إن هذه الإنجازات التي حققناها ونُحققها، وتحظى بتقدير المؤسسات الدولية، تواجه من قبل الحكومة الإسرائيلية والجهات الأكثر تطرفًا فيها، بتصعيد الأعمال العدوانية، والاستفزاز المبرمج، الذي يظهر واضحًا في التصدي للمظاهرات والمسيرات والاعتصامات السلمية، في القدس ونعلين وبلعين والمعصرة، وفي أعمال قطعان المستوطنين ممن وصل بهم الأمر إلى حد إحراق المسجد في ياسوف.
نحن مع حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة المشروعة، ما يجري في نعلين وبلعين نحن معه، ونؤيده ونحن مع أهلنا في القدس عندما يهدم بيت أو تصادر أرض أو يطرد إنسان أو تلغى هوية، نحن معهم أن يقفوا في وجه هذه الإجراءات الظالمة، هذا حقنا ونحن نمارس حقنا في إطار القانون الدولي.
لقد أَعلنت سابقًا، وأؤكد أمامكم مجددًا اليوم: لن نقع في الفخ الذي ينصبونه لنا، إنهم يسعون عبر استفزازاتهم المكررة والمتكررة إلى جرنا لردود فعل تأخذ طابع العنف، كي يتخلصوا من العُزلة والضغط الدولي فسيستغلون قوة نفوذهم الإعلامي، لتأخذ الضحية صورة الجلاد.
وليس لديهم مانع أن يظهرونا بهذا المظهر حتى يقولوا للعالم: انظروا إلى الفلسطينيين ماذا يفعلون، نحن في إطار القانون نعمل، وفي إطار النظام نعمل، نريد أرضنا نريد بلدنا، نريد دولتنا المستقلة في حدود 67.
فلنثق، أخواتي وإخواني، بأنفسنا، ولا ننجر إلى جوقة المزاودين أصحاب الشعارات، أو يتملكنا اليأس، فنُقْدِم على أعمال غير محسوبة.
نحن قلنا أكثر مرة: نحن ضد الصواريخ العبثية، فاعتبروا أننا متخاذلون لا نريد المقاومة، ولا نريد ...، خرجوا علينا باتفاقات مع التنظيمات بل بدؤوا يمنعون ويضربون كل من يحاول أن يقوم بعمل مقاوم، لدرجة شهد لهم رئيس الأركان الإسرائيلي إشكنازي شهادة شعرية وقال: نحن قمعنا (حماس) وهي تقمع باقي الناس، واليوم إسرائيل تقول: لم تشهد العشرة أعوام الماضية أهدأ مما حصل في غزة.
المقاومة والممانعة شعارات غير صحيحة، إن هذا يصنف مقاومة ممانعة وهذا يصنف تخاذلًا واستسلامًا، نحن في إحدى القمم العربية قال بعض الأخوة: إن هذه المبادرة العربية لن تبقى إلى الأبد، فقلنا لهم: هنالك ثلاثة خيارات.
الأول: الحرب إذا كنتم جاهزين، الحل الآخر: اللاسلم واللاحرب ونحن نرفضه، الحل الثالث: طريق السلام ونحن مع طريق السلام ومع المبادرة العربية، لذلك لا نريد أن نرفع صوتنا عاليا وبالتالي لا نحصد شيئًا، نحن نريد طريق السلام.
وبالمناسبة ما هو الفرق الآن بين مواقفنا السياسية ومواقف حماس؟ هم يقولون الدولة ذات الحدود المؤقتة التي قدموها تعني من جملة ما تعني أن تخرج 60% أو 50% من الضفة الغربية وأن تكون هناك تهدئة أو هدنة لـ10 أو 15 عامًا، القدس واللاجئون لاحقًا، هذا هو مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة الذي طرحه مؤخرًا موفاز وقال: نحن نطرحه على حماس إذا نجحت في الانتخابات.المشروع الثاني هو حدود 67، ويتكلمون فيه فعلًا، لكن نقبل حدود 67 إنما تكلموا معنا، إذا تكلم الغرب والشرق معهم يقبلون هذا، بالخلاصة لا يوجد خلاف بيننا على العقيدة، لا، السياسة لا، المقاومة لا، إذن على ماذا مختلفون؟ إذن لماذا لا تذهبون وتوقعوا على الوثيقة؟ يقولون: لا نستطيع أن نوقعها، لكن لماذا؟ من الذي يأمر؟
أيها الإخوة، يا أبناء شعبنا الوفي،
أُجدد اليوم، وفي ذكرى الانطلاقة، دعوتي إلى الإسراع في إنهاء حالة الانقسام، فعلى حركة (حماس) وقيادتها أن تتوقف عن المتاجرة بمعاناة أهلنا في القطاع، واستخدامهم كرهينة، عليهم أن يقرؤوا ما صَرح به وزير خارجية إيران حول المساعدة التي قدمت للشعب الفلسطيني.
وأقول لهم: إن تصعيد الخلاف مع مصر الشقيقة بسبب الأنفاق لا يخدم سوى إسرائيل ومخططاتها، فإسرائيل تريد أن تتخلص من أي التزام تجاه القطاع، ومعظم القادة الإسرائيليين، يعملون لكي يكون للقطاع كيانه الخاص، وهو ما يتوافق مع نوايا أصحاب مشروع إقامة الإمارة المتأسلمة في غزة، وهذا يصب في مصلحة المشروع الإسرائيلي، مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة التي تقترحها عدة أطراف إسرائيلية من داخل الحكومة وخارجها، وتقوم على أساس كيان في غزة مرتبط سياسيًا لا جغرافيًا بجزر وكانتونات فلسطينية في الضفة الغربية، تقع خلف جدار الفصل العنصري.
مرة أخرى، أقول لقيادة حركة (حماس)، وبالذات للوطنيين والمتنورين من كوادرها وقياداتها-هناك كثيرون يعلمون وكثيرون يفهمون الحقيقة، وهناك كثيرون يعلمون ماذا يجب أن يُفعل، لأنهم وطنيون ومتنورون-أقول لهؤلاء: قَوّموا بمسؤولية نتائج الانقلاب وما جره من مآس، وقَوّموا ردود الفعل على تصريحاتكم وأفعالكم، وقوموا كم تكسب إسرائيل من الانقسام وكم يخسر الشعب الفلسطيني؛ لأن أقل كلمة تقولها إسرائيل وقت اللزوم عندما يزنقون: "مع من نتكلم؟ هنالك غزة والضفة"، هذه حجة مخبأة في أي وقت يزنقون في حل يقولون: مع من نتكلم؟ علينا أن ننتبه لوحدة الشعب الفلسطيني، لمصلحتنا جميعًا لمصلحة كل الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية والعالم، إذا حلت قضيتنا تحل كل بؤر الصراع في العالم.
إن التوقيع على الوثيقة المصرية، والذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية هو الطريق الأمثل، إن لم يكن الطريق الوحيد، حتى يقول الشعب الفلسطيني كلمته، ويحدد خياراته الوطنية.
أتوجه في هذا اليوم الذي يصادف مرور عام كامل على العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، لأؤكد لأهلنا في كل ركن من أركان القطاع الحبيب بأن معاناتهم هي معاناتنا جميعًا، وبأننا سنواصل تقديم مختلف أشكال الدعم المتاحة، وأشكال الدعم المتاحة كما هو معروف نحن نقدم لأهلنا-لا منة إنما واجب لـ 77 ألف موظف-58% من موازنة السلطة الوطنية لقطاع غزة، وأقول كل المساعدة والتسهيلات من أجل مرور المواد الغذائية والصحية وغيرها، التي نقدمها نحن أو يقدمها العالم، تمر ونوصلها لأهلنا في غزة وإن كانوا في البداية يصادرونها ويبيعونها، ولا أدري إن ما زالوا يصادرونها ويبيعونها، لكن أقول كل المواد الضرورية الإنسانية الغذائية الطبية تصل من عندنا إلى هناك، لذلك لا نريد المتاجرة بالشعارات.
وستبقى ذكرى الألف وخمسمئة شهيد والأكثر من خمسة آلاف جريح، ونحو مئة ألف ما زالوا مشردين نتيجة للعدوان، دافعًا لنا من أجل متابعة تنفيذ ما ورد في تقرير غولدستون الذي نسيه المزاودون، لكننا سنعمل بكل الجدية والمسؤولية، حتى يتم تقديم مرتكبي جرائم الحرب للعدالة الدولية.
بعد أن خرج تقرير غولدستون من مجلس حقوق الإنسان لم يعد أحد يسأل، الآن هناك لجنة فلسطينية عربية، وهناك سفيران من عندنا سفيرنا في جنيف والآخر في الأمم المتحدة، يجلسان مع وزير الخارجية لمتابعة تقرير غولدستون، نحن متابعون للتقرير.
ولكن في نفس الوقت نتذكر عندما حصل العدوان على قطاع غزة عقد مؤتمر للمانحين اسمه مؤتمر شرم الشيخ، يوجد 4.5 أو أكثر مليار دولار، لكن مازالت في خزائن الدول، نحن اقترحنا إعادة البناء من خلال المؤسسات الدولية، رفضوا إما من طريقنا أو لا، هنالك 100 ألف غير مهمين، هنالك 4.5 مليار دولار عند الدول لمساعدة غزة، ولو صرفت بعض هذه الأموال لأعيدت الحياة لقطاع غزة، كيف لا طريق إلا بإعادة اللحمة؟ وبسرعة بإجراء الانتخابات ويختار الشعب من يريد، وكل العالم يعرف أن عندنا قدرًا من الشفافية غير موجود في الدول الإسكندينافية.
يا أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان،
نواجه اليوم، بعد رفض الحكومة الإسرائيلية الاتفاقيات الموقعة، وعدم التزامها بتطبيق خارطة الطريق، والعودة إلى المفاوضات من النقطة التي وصلنا إليها مع الحكومة السابقة، نواجه تحديًا مصيريًا، يتعلق بالقدس ومستقبلها، ونعتبر أن كل الجهود يجب أن تنصب من أجل إفشال مشاريع الحكومة الإسرائيلية التي تتحدى العالم بأسره بإجراءاتها وأعمالها، التي تشمل إقامة جدار الفصل العنصري، والاستيطان في المدينة وإغلاقها أمام المواطنين الفلسطينيين بما في ذلك منعهم من الدخول للصلاة في المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة، واستصدار قرارات هدمٍ لمئات منازل الفلسطينيين أو سحب هوياتهم المقدسية، والتفنن في استصدار قرارات حكومية أو من قبل بلدية الاحتلال؛ إذا أرادت الحكومة التهرب من شيء يقولون البلدية، وإذا أرادت البلدية التهرب من شيء يقولون الحكومة، هل يمكن لقرار أن يمشي من دون أن يكون رئيس الحكومة موافقًا عليه؟ بفرض ضرائب باهظة على مواطنينا، وحرمانهم من الحصول على تراخيص بناء في أراضيهم، حتى الكنائس لديها أراضٍ تريد أن تبني لرعاياها، إسرائيل تمنع المسلم والمسيحي لأنها تريد أن تغير معالم المدينة، القائمة تطول بشأن ما تتخذه إسرائيل من إجراءات تهدف في النهاية إلى تغيير معالم المدينة، وتصفية الوجود الفلسطيني الإسلامي والمسيحي فيها.
إن القدس، التي احتفلنا هذا العام بكونها عاصمة للثقافة العربية، لا يمكن إلا أن تبقى كما كانت دائمًا، عاصمة فلسطين وقلبها، فلا فلسطين بدون القدس، ولا سلام بدون القدس، وواهم كل من يعتقد بأن هناك فلسطينيًا واحدًا يمكن أن يساوم على القدس، أو يتنازل عنها، إنني أحيي صمود أهلنا، وتمسكهم في البقاء حتى في خيمة تنصب أمام بيوتهم التي احتلها المستوطنون العنصريون، إنها القدس درة التاج. وأدعو أشقاءنا في العالمين العربي والإسلامي إلى ترجمة مواقفهم المعلنة بشأن التمسك بالقدس والحفاظ على طابعها العربي والإسلامي، بتقديم الدعم الذي يمكّن أهلها من الصمود ومواصلة البقاء والثبات، في مواجهة أعتى موجة تطرف وعنصرية تنتشر اليوم في صفوف عدة أحزاب إسرائيلية.
وأقول لدول العالم كافة، وبخاصة للدول الكبرى، التي تتحمل مسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين، بأن مواقفها التي لا تعترف بضم إسرائيل للقدس، يجب أن تتحول إلى إجراءات عملية، إذ لا يجوز أن تستمر هذه الازدواجية في التعاطي مع إسرائيل، يكفينا قرارات ومواقف، لكن نريد ترجمة عملية لهذه المواقف ونريد ترجمة عملية لإعلانات العرب والمسلمين بأن القدس أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، بأن القدس لنا كيف نحميها؟
إننا نسمع تصريحات من هنا وهناك تتراوح ما بين إدانة الاستيطان، أو اعتباره عقبة في طريق السلام، ولكننا لا نلمس أي فعل أو إجراء لمواجهة تمادي إسرائيل في الاستيطان بل والإعلان عن أنها سائرة فيه.
إنني أقول لشعب إسرائيل، ولأحزابه ولحكومته: إن السلام بيننا يجب أن يقوم على أساس انسحابكم من أراضينا التي احتلت عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، إن السلام الذي يضمن إقامة دولتنا المستقلة إلى جانبكم إلى جانب دولتكم، هو الذي يوفر الأمن، والاستقرار والرفاهية والتعايش، واقرؤوا جيدًا ما جاء في مبادرة السلام العربية. إن مبادرة السلام العربية أثمن ما قدم منذ عام 1948 إلى يومنا هذا، التي اعتمدت من كل الأقطار العربية والإسلامية وعليها الأعلام جميعها العربية والإسلامية، كلهم قالوا تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية والإسلامية جميعها نطبع علاقاتنا، لا أدري بدلًا من أن تعيش في جزيرة من السلام تعيش في محيط هادئ من السلام، هل هم لا يفهمون مصلحتهم؟ لا أدري.
إن يدنا ستبقى ممدودة للوصول إلى سلام عادل ينهي الاحتلال الإسرائيلي الذي وقع عام 1967، ولكننا لن نتنازل عن ثوابتنا الوطنية، والنقاط الثماني التي أكدت عليها، ولاقت إجماعًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا هي الأساس الذي نبني عليه سياستنا، في منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1988 وحتى يومنا هذا.
ولذلك علينا أن نوقف الحديث عن مسلسل التنازلات، عندما يقال أوقفوا: مسلسل التنازلات، أي: مسلسل التنازلات الذي يتفاوض يتفاوض، لكن الذي يوقع على ماذا يوقع؟ نحن منذ عام 1988 قلنا: هذا وهذا، ماذا تبدل منذ 1988 حتى 2010؟ 22 عامًا لا نجهد أنفسنا ونعذب أروحنا ونقول دائمًا وأبدا: أوقفوا مسلسل التنازلات، لا يوجد مسلسل تنازلات، هذا هو موقفنا ولم يتغير، ومن يقول تغير يراجعني.
أيتها الأخوات والإخوة، لقد عَبرنا عن ترحيبنا بالبيان الأخير الذي أصدرته دول الاتحاد الأوروبي، حيث أشار بوضوح إلى رفض وعدم شرعية ما تقوم به إسرائيل في القدس الشرقية المحتلة، رغم أن البيان لم يؤخذ بالضبط كما قدمته السويد لكن ثبت فيه وباقي الضفة الغربية، ونتطلع بأمل للاجتماع القادم للرباعية الدولية في موسكو للخروج بموقف واضح بشأن حدود دولتنا وعاصمتها القدس، وسنُبقي الباب مفتوحًا من أجل الذهاب في الوقت المناسب إلى مجلس الأمن، في حال استمرار إسرائيل على مواقفها الحالية الرافضة للمفاوضات.
وهذا الذي اتهمنا به أنه عمل أحادي، نحن قلنا في اجتماع جامعة الدول العربية ولجنة المتابعة العربية: إننا نريد الذهاب لمجلس الأمن لنقول: أين حدود دولتنا؟ وقالوا: إن هذا عمل أحادي، نحن ذهبنا لنسأل أولًا بموافقة الدول العربية وأوروبا وروسيا والصين واليابان وكندا والولايات المتحدة، ونحن نعلم إذا لا يريدونه يقولون كلمة من أربعة أحرف ويقولون لنا مع السلامة، نحن نفهم هذا، وبالتالي هذا ليس عملًا أحاديًا، هذا عمل من مجلس الأمن الدولي، أكبر منبر دولي عالمي نشكو إليه بعد الله أمرنا. يا أبناء شعبنا الفلسطيني الصامد على أرض وطنه وفي الشتات،
اليوم في ذكرى الانطلاقة أتوجه بالتحية لكل مواطنة، ولكل مواطن فلسطيني في شتى بقاع الأرض، وأخص بتحياتي وتحياتكم جميعًا أسيراتنا وأسرانا البواسل وجرحانا وأبناء وزوجات وأمهات الشهداء، وأعاهدكم بأننا سنبقى متمسكين بثوابتنا الوطنية، وبأن دم شهدائنا لن يذهب هدرًا، وبأن تبقى راية التحرر والاستقلال خفاقة حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها قدسنا الحبيبة، مسرى نبينا عليه السلام، قدسنا حاضنة تاريخنا وثقافتنا، رمز التعايش والتسامح، درة التاج، يتعانق فيها الأقصى مع كنيسة القيامة ليتردد منها صوت واحد، صوت الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي جاء في عزيز كتابه:
بسم الله الرحمن الرحيم
"ءَامنَ الرسولُ بِما أُنزِلَ إليهِ مَن رَّبهِ والمُؤمَنُونَ كُلٌ ءَامنَ بِاللهِ وملائِكتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرقُ بينَ أحدٍ من رُسُلهِ وقالوا سَمِعنَا وأَطَعنا غُفرانَكَ رَبَّنا وإليكَ المَصير"
صدق الله العظيم.
عاشت فلسطين، عاشت منظمة التحرير الفلسطينية، عاشت (فتح)، المجد للشهداء والحرية للأسرى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.