الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

خطاب الرئيس محمود عباس أمام البرلمان البلجيكي-بروكسل

خطاب الرئيس محمود عباس أمام البرلمان البلجيكي-بروكسل

23/2/2010

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد رئيس مجلس الشيوخ،

السيدات والسادة النواب،

الحضور الكريم،

أشكركم على دعوتكم الكريمة لي للحديث من هذا المنبر، أمام ممثلي شعب مملكة بلجيكا الصديقة.

واسمحوا لي أن أُعبر باسم شعبنا الفلسطيني ومن خلالكم عن فائق تقديرنا لما تقدمه بلادكم من مساعدات مالية واقتصادية، سواء على المستوى الثنائي أم من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لتلبية احتياجات مواطنينا، ولتمكيننا من إقامة قاعدة اقتصادية لبناء دولتنا المستقلة، وقد تعزز جهد بلادكم هذا من خلال اتفاقية التعاون، التي وقعت في رام الله بتاريخ الرابع من آذار عام 2008، ما بين وزارة التعاون والتطوير البلجيكية ووزارة التخطيط والتنمية الإدارية الفلسطينية، وقدمتم من خلالها مبلغ خمسينمليون يورو لثلاث  سنوات، استثمرت في العديد من المشاريع في مجالات مختلفة شملت البِنى التحتية والتعليم والصحة، وعندما تتجولون في مدننا وقرانا ستجدون الآلاف من أطفالنا يتوجهون-وسيتوجه غيرهم-إلى ثماني عشرة مدرسة بنيت وتبنى بالتمويل السخي من بلادكم الصديقة.إن كل ذلك يتم في ظل منظومة متقدمة من الرقابة والشفافية والمحاسبة، التي حققتها حكومتنا ووزاراتنا وتشهد لها المؤسسات المالية الدولية والجهات المختصة في الاتحاد الأوروبي، ولا أنسى أن أول اتفاقية وقعت بيننا عام 2005 من قبل السيد دوديكير رئيس المجلس الحالي، الذي كان في حينه وزيرًا للتعاون والتنمية، حيث التقينا مع سيادته في رام الله.

 الأصدقاء الكرام

إننا رغم كل الصعوبات، سائرون على طريق بناء اقتصادنا الوطني وتوفير فرص العمل لأبناء شعبنا، وتوفير الأمن وتحقيق سيادة القانون وإنهاء كل مظاهر الفوضى، ومكافحة التطرف، وإحلال ونشر ثقافة السلام والتسامح بدلًا من ثقافة العنف، والأمل مكان اليأس، متطلعين إلى تحقيق السلام العادل والدائم، القائم على أسس ثابتة، مقوماتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا، وإقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، التي تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل.

إن هذا الحل سوف يحقق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة برمتها وسيُؤدي إلى اعتراف سبع وخمسين دولة إسلامية بدولة إسرائيل، وهذا تحديدًا ما ورد في مبادرة السلام العربية التي أطلقتها القمم العربية وأقرتها القمم الإسلامية.

إن ما يعيق تحقيق هذا الهدف النبيل الذي يجمع عليه العالم بأسره، هو استمرار إسرائيل في استيطانها، فهذا الاستيطان هو الذي حال دون إحراز تقدم  في المسيرة السلمية منذ أن وقعنا على اتفاقية أوسلو عام 1993، بل وهدد بتقويضها، وكان ولا يزال أخطر أشكال الاستيطان ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة من هدم لمنازل المواطنين الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين، ومصادرة أراضيهم، وإخلائهم من بيوتهم وسحب هوياتهم وفرض الضرائب الباهظة عليهم، لإجبارهم عبر مختلف الأساليب غير المشروعة على مغادرة  مدينتهم، وهذا شكل من أشكال التطهير العرقي.

لقد قبلنا والتزمنا منذ البداية بحل الصراع عبر المفاوضات، وعلى أسس ومرجعيات أجمع عليها المجتمع الدولي، لذلك المشكلة لا تكمن في العودة إلى المفاوضات، لكن في عدم التزام الحكومة الإسرائيلية بالأسس والمرجعيات التي أجمع عليها المجتمع الدولي، وكان ذلك واضحًا في نص البيان الذي صدر عن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي يوم الثامن من ديسمبر من العام الماضي، حيث عبروا فيه عن القلق والاستنكار لما تقوم به إسرائيل من إجراءات تشمل البناء في المستوطنات وإقامة جدار الفصل العنصري والحصار غير الإنساني لقطاع غزة، مع تأكيد واضح وصريح على أنه حان الوقت لتسوية سلميةتقود إلى قيام الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي التي احتلت عام 1967، مع إمكانية تبادل للأراضي بالقيمة والمثل، بنسبة معينة تكون نتيجة اتفاق بين الطرفين.

 الأصدقاء الأعزاء،

إننا لا نتكلم بلغتين، بل موقفنا واحد ونعبر عنه بكل اللغات، نريد إنهاء الاحتلال الذي وقع عام 1967 عبر المفاوضات، فهل لنا أن نسمع من الحكومة الإسرائيلية بلغة واضحة إن كانت تعتبر الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أرضًا فلسطينية يجب الانسحاب منها، بدلًا من الاستمرار في المراوغة وكسب الوقت والابتزاز، من أجل خلق واقع يستحيل معه إقامة الدولة الفلسطينية المترابطة جغرافيًا والقابلة للحياة؟

من جانبنا نقول: نعم وموافقون على كل مرجعيات عملية السلام التي تحظى بإجماع دولي، بدءًا من قرارات مجلس الأمن الدولي إلى خارطة الطريق، ومبادرة السلام العربية، وبيان ديسمبر الأوروبي، وكذلك استعدادنا لتنفيذ الاتفاقيات التي وقعناها أو التفاهمات التي توصلنا إليها مع حكومات إسرائيلية سابقة.

على هذه الأسس يجب أن ننطلق، خاصة أننا وصلنا إلى مرحلة حرجة جدًا تستدعي عملًا دوليًا منسقًا ومكثفًا، فالاستيطان يجب أن يتوقف لأنه مقتل لعملية السلام ومناقض لالتزامات إسرائيل بموجب المرحلة الأولى من خارطة الطريق والاتفاقات الموقعة.

إنني من هذا المنبر أدعو جميع الأصدقاء وكل الحريصين على فرص تحقيق السلام في الاتحاد الأوروبي،  إلى عدم القيام بأية مشاريع في المستوطنات أو الاستثمار فيها، فكل مبادرة تدعو إلى مقاطعة إنتاج المستوطنات، هي عملٌ يصبُ في مصلحةِ السلام.

سيادة الرئيس،

حضرات النواب المحترمين،،

لقد توقفت المفاوضات بيننا وبين الجانب الإسرائيلي بسبب مواقف وقرارات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية الحالية، تخالف المرجعيات الدولية، وتتنكر لما كنا قد توصلنا إليه مع الحكومة الإسرائيلية السابقة أي حكومة أولمرت-ليفني.

فبعد مؤتمر أنابوليس الذي شاركت بلادكم فيه دخلنا بمفاوضات جادة تحت رعاية أمريكية، استطعنا خلالها الخوض في كل التفاصيل، وكان من أهمها الاتفاق على مبدأ أن حدود الدولة الفلسطينية ومساحتها هي حدود ما قبل الرابع من حزيران عام 1967، وقد أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، على هذا الموقف في لقاء مع الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي يوم 30 تموز 2008.

كان هناك تفاؤل بأن الأمور يمكن أن تسير إلى الأمام وبسرعة كبيرة خاصة بعد المواقف التي أعلن عنها الرئيس باراك أوباما قبل انتخابه، وبعد انتخابه مباشرة من أنه سيعطي الأولوية لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ لما لقضية فلسطين من تأثير واهتمام في العالمين العربي والإسلامي ولأن معاناة الشعب الفلسطيني آن لها أن تنتهي، وطالب بضرورة الوقف التام للاستيطان من أجل العودة إلى المفاوضات.

تغيرت الصورة مع التغيير الذي حصل في إسرائيل، فقد تبنت الحكومة الجديدة  بأحزابها المختلفة سياسة مغايرة تمامًا للحكومة السابقة، وكان رد رئيس وزرائها على خطاب الرئيس أوباما الذي ألقاه في جامعة القاهرة، الإعلان عن ثلاثة أمور تقضي على عملية السلام وهي:

اعتبار كل ما تقوم به إسرائيل في القدس الشرقية المحتلة من استيطان وقيود وتهجير، هو حقها السيادي لأن القدس موحدة وعاصمة أبدية لدولة إسرائيل.تنفيذ مشاريع استيطانية تشمل بناء أكثر من ثلاث آلاف وحدة استيطانية بالإضافة إلى منشآت عامة في معظم المستوطنات القائمة في الضفة الغربية.مطالبتنا بالاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وهو ما لم تطلبه إسرائيل من أية دولة من دول العالم تقيم معها علاقات دبلوماسية

إن توقف المفاوضات لم يكن نتيجة رفضنا لها بشكل مطلق، وإنما بسبب رفض الحكومة الإسرائيلية لما كان قد اتفق عليه سابقًا، وهي تطالب بالعودة إلى المفاوضات مع استمرارها في الاستيطان وتفسير ذلك هو أننا نستطيع كفلسطينيين أن نقول ما نريد على طاولة المفاوضات، أما إسرائيل فتفعل ما تريد على أرض الواقع.

لم تجد الولايات المتحدة الأمريكية-التي لا نشك بحسن نوايا رئيسها باراك أوباما وإدارته-من خيار بعد الزيارات المتعددة التي قام بها السيناتور ميتشل، وبعد اللقاء الثلاثي الذي جرى أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضمني إلى جانب رئيسالوزراء الإسرائيلي مع الرئيس الأمريكي، سوى مواصلة الجهود من أجل تحريك العملية السياسية، فطلب الرئيس أوباما من نتنياهو أن يقوم ببعض الإجراءات تحت مسمى حسن النوايا تجاه الجانب الفلسطيني وهي:

إزالة بعض الحواجز في الضفة الغربية، وإيقاف الاجتياحات غير المبررة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في مُدننا، وإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم حوالي الثمانية آلاف أسير ومعتقل سياسي، كثير منهم معتقلون بدون صدور أحكام عليهم، والمطلب الرابع تحويل مناطق من ج إلى ب، ومن ب إلى أ، لإعطاء السلطة الوطنية الفلسطينية المزيد من الصلاحيات عليها، والمطلب الخامس إدخال مواد البناء إلى قطاع غزة، وكان الرد الإسرائيلي إعلان لنتانياهو بالأمس أن الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم وأسوار القدس القديمة تراث يهودي إسرائيلي، وهذا استفزاز خطير ويهدد بحرب دينية.

لم تلق هذه المطالب استجابة من الجانب الإسرائيلي، ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية ومبعوثها إلى عملية السلام، استمرت في السعي لإبقاء باب الفرص مفتوحًا، وكانت آخر المقترحات التي قدمت هي إجراء ما سمي بالمحادثات عن قرب (Proximity Talks)، فكان ردنا على ذلك توجيه ثلاثة أسئلة للولايات المتحدة حول:

1.  الأرضية السياسية، أو مرجعية المفاوضات.

2. المدة الزمنية أو الإطار الزمني للمفاوضات.

3.  الموقف الأمريكي بعد نهاية المدة، في حال لم يحصل اتفاق.

كما طالبنا المبعوث الأمريكي بأن تجدد الإدارة الحالية موقف الإدارة السابقة فيما يتعلق بتحديد حدود عام 1967، وأن تتبنى ومعها بقية أطراف الرباعية الدولية البيان الذي صدر عن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في 8 ديسمبر2009.

إننا ننتظر أن تتضح الأمور وحتى يحين ذلك، فإننا حريصون على التشاور وعلى التنسيق في مواقفنا مع الدول العربية، وكذلك مع دول الاتحاد الأوروبي وبقية دول العالم المعنية بإحلال السلام في منطقتنا.

لقد طالبنا ونطالب بدور سياسي فاعل للاتحاد الأوروبي، يكمل الدور الأمريكي الذي نقدر جميعًا أهميته ومركزيته، ونعتبر أن كل تأخير وتسويف سيقوض فرص السلام ويدخل المنطقة في دوامات جديدة من العنف.

سيادة الرئيس، حضرات النواب،

قبل أن أنهي كلمتي أريد التعرض إلى وضعنا الداخلي الفلسطيني، فالحياة في قطاع غزة مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة نتيجة الحصار الإسرائيلي والدمار الذي أحدثه العدوان العام الماضي، كما أن الانقلاب الذي قامت به حركة (حماس) أضعف الموقف السياسي الفلسطيني، وهو يعطي ذريعة لكل من يريد أن يشكك بشرعية التمثيل الفلسطيني، لقد بذلنا أقصى ما يمكننا من جهد لإنهاء حالة الانقسام، فوقعنا على وثيقة المصالحة التي أعدتها-مشكورة-جمهورية مصر العربية، بعد أشهر من الحوار بين المنظمات الفلسطينية، غير أن حركة (حماس) وبسبب ضغوط ومصالح مع جهات إقليمية لم توقع بعد على هذه الوثيقة.

إن إنهاء الانقسام والمصالحة هو الخطوة الأولى من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فنحن نؤمن بأن صناديق الاقتراع هي الحكم، وكان يفترض أن تجري الانتخابات يوم الرابع والعشرين من كانون الثاني الماضي، الأمر الذي عطلته (حماس)، وقد تضمنت وثيقة المصالحة المصرية اقتراحًا بإجراء الانتخابات يوم الثامن والعشرين من شهر حزيران القادم وقد قبلنا بذلك.

ستبقى استعادة وحدتنا هذه أحد أهدافنا الرئيسة، وسنبقى حريصين على الممارسة الديموقراطية ولذلك فنحن نقوم الآن بالإعداد من أجل إجراء الانتخابات المحلية، يوم السابع عشر من شهر تموز القادم.

السيد الرئيس،

حضرات السادة النواب،

أيها الحضور الكريم،

يتطلع شعبنا إليكم، كما يتطلع إلى كل الأحرار في هذا العالم متسائلًا:

إلى متى تستمر معاناته؟ ألا تكفي معاناته نتيجة النكبة منذ عام 1948؟ ألم يحن الوقت لإنهاء الاحتلال الاستيطاني المستمر منذ عام 1967؟

إن إيمان شعبنا بالسلام لا يتزعزع، ويحلم بالعيش كبقية شعوب العالم، صبر ويصبر منتظرًا أن تتحقق  العدالة، وأن ينتصر منطق الحق على منطق القوة، إننا نريد سلامًا لأولادنا ولأولاد جيراننا الإسرائيليين، وإننا نحلم بمستقبل تحل فيه المحبة مكان الكراهية، والتعاون والتعايش مكان الخصومة، والجسور مكان الجدران.

إننا شعب يستحق الحياة والعيش بحرية وكرامة في دولة فلسطين المستقلة، وإن شعبنا يعول كثيرًا على دعمكم الدائم لتحقيق هذا الهدف.

أشكركم على حسن إصغائكم. والسلام عليكم.