الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

خطاب الرئيس محمود عباس، في مهرجان إحياء الذكرى السادسة لاستشهاد الرئيس ياسر عرفات-رام الله

خطاب الرئيس محمود عباس، في مهرجان إحياء الذكرى السادسة لاستشهاد الرئيس ياسر عرفات-رام الله

11-11-2010

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى في محكم تنزيله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا)

صدق الله العظيم

الإخوة والأخوات،

قبل أن أبدأ كلمتي نظرت إلى الشعار المرفوع خلفي، الذي يلخص ويصور كل الحقيقة، الموقف ثابت والدولة بلا استيطان، القدس عاصمة والعودة إلى الوطن، اختصر المسافات بكلمات قليلة معبرة لا نريد استيطانًا فهو غير شرعي من البداية، القدس لنا والعودة إلى الوطن للاجئين.

 

نحيي جماهير شعبنا، اليوم مناسبة ستظل محفورة في ذاكرتها وقلبها، ذكرى رحيل واستشهاد رجل ورمز، مقاتل وقائد، فارس تحول اسمه إلى واحد من أسماء فلسطين، إنه الرئيس الخالد فينا الأخ أبو عمار.

نحيي ذكراه لنؤكد أنه سيظل حيًا فينا؛ لأنه كان دومًا منارًا وملهمًا لا يكل ولا يمل، وشعلة وقّادةً لا تخبو أو تنطفئ، دافعًا للأمل في أحلك الظروف ومفجرًا للطاقات في أصعب الأوقات.

كان رفيق البداية والصاحب في كل المنعطفات، هجر الحياة والمصالح الشخصية، وسكنت فلسطين قلبه وعقله، حاملًا كل طموحات وأهداف شعبه النبيلة والعادلة.

نحيي هذه الذكرى الماثلة فينا في هذا اليوم لنقول له كلمته التي كان يرددها دائمًا: (العهد هو العهد والقسم هو القسم، يرونها بعيدة ونراها قريبة وإنا لصادقون)، نعم، نراها قريبة، نعم يا أبا عمار، سيظل عهد الشهداء والأسرى والمعتقلين في قلوبنا مقدسًا، والقسم الذي أقسمناه منذ البداية وحتى الرحيل، مدويًا ومجلجلًا بألا تلين لنا قناة، ولن تنكسر عزيمتنا مهما كانت الصعاب، حتى يكون لهذا الشعب المكان الذي يليق به تحت الشمس، حرًا سيد نفسه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة لاجئيه إلى وطنهم وتحرير كل أسرانا البواسل.

في كل حديث لنا وكل مفاوضاتنا، وعندما نتحدث عن الحدود والأمن واللاجئين، نعتبر أن تحرير الأسرى أول أولوياتنا، ولن نكل ونمل حتى يخرج آخر سجين لأرض الحرية.

لقد كنت يا أبا عمارمهما ظلموك أو تطاولوا عليك لينالوا منك-مفجر الثورة الرشيدة وباعث الكيانية الوطنية، وكنت أيضًا صانع سلام الشجعان، وكان محاربًا شجاعًا شرسًا فجر الثورة عام 65، وكان صانع سلام الشجعان، هذه العقلية علينا أن نعرف مزاياها، وهو من حمل غصن الزيتون والبندقية وقال: "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي" لكنهم لم يفهموا وحاربوا السلام.

كنت تحلم بالسلام الشامل والعادل في هذه الأرض المقدسة، مسرى النبي محمد-صلى الله عليه وسلم-ومهد سيدنا المسيح عليه السلام، وقدمت لأجل هذه الغاية النبيلة أعز وأغلى ما تملك، حياتك وروحك الطاهرة.

فيا أخي أبا عمار، لك من رفاق البدايات كل الحب ولك من كل الأجيال التي تربت على يديك وحافظت على عهدك وقسمك، من أشبال شعبنا وزهراته وأسراه ومعتقليه كل الوفاء لسيرتك ومسيرتك، لعطائك ودمك، لك منا جميعًا كل التقدير والاحترام لتراثك النضالي ومواقفك الثابتة.

هناك كثير من يتحدث عن الثوابت والتمسك بها، وكثيرًا يكون كلامهم مجرد شعرات لا يعرفون ما يقولون، أنا أريد أن أقول: إنه بالعام 88 قدمنا موقفًا سياسيًا واضحًا وثابتًان وأقول لمن يتحدثون عن مسلسل التنازلات: أتحداهم أن يجدوا تنازلًا واحدًا لأي ثابت من الثوابت منذ العام 1988.

ومن هنا من قلعة صمودك نبعث لروحك من جانب ضريحك التحية، سائلين المولى-عز وجل-أن يجمعك وكل رفاق شهداء المسيرة مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

ومن قلعة صمودك ومن جانب ضريحك الطاهر أيضًا، أتوجه إلى أكثر من أحببت وأحببنا وهم أسرانا البواسل، أبطالنا من إخوتنا وأخواتنا على اختلاف انتماءاتهم التنظيمية، لنقول لهم: اصبروا، فجر الحرية قريب، ولن نوقع أي اتفاق نهائي دون ضمان حريتكم جميعًا وبدون استثناءات، وسوف نستمر في بذل كل جهدٍ ممكن لإطلاق سراحكم، وهذه رسالتي لكم.

أيتها الأخوات، وأيها الإخوة،

ونحن نستعرض تاريخ ياسر عرفات ونستذكره بكل العرفان والوفاء، لا بد أن نؤكد أننا نواصل دربه في تعميق جذورنا في هذه الأرض المقدسة، بإقامة مؤسسات دولتنا المستقلة وإرسائها على الأصعدة كافة، وفي كل المناحي، على أسس قوية وبشفافية شهد لها الجميع، وبالأخص المؤسسات الدولية ذات الاختصاص، العالم كله: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أوروبا وأمريكا تتحدثان عن الشفافية وتؤكدان أننا الأفضل، والذي يؤكد أننا جادون وجديرون بهذا المسار وإنجازاته، إضافة إلى أنني أتابع مع الحكومة بكل الاهتمام وبالتفصيل التراكمات الإيجابية والنتائج الملموسة التي نحققها في هذا المجال، للوصول إلى هذا الهدف، وهنا لا بد أن أشيد أيضًا بأداء أجهزتنا الأمنية التي تطبق وتُنفِذُ سيادة القانون، وتواجه العبث والفساد وتهيئ المناخ المناسب لاستكمال بناء لبنات دولتنا العتيدة، الذي يلاقي تأييد شعبنا ويشارك في صنعه بكل الثقة والأمل، لنكون على استعداد لتجسيد هذا الحلم وهو إقامة الدولة المستقلة، واقعًا عمليًا وحقيقةً راسخةً فوق أرضنا.

لقد أقر العالم كله بأننا نفذنا التزاماتنا، ونرسي قواعد مشروعنا الوطني بالرغم من قسوة الاحتلال وحصاره وعربدة مستوطنيه ضد وجودنا، وضد مقدساتنا ومؤسساتنا بخاصة في القدس وضد مساجدنا وكنائسنا، وضد شجرة زيتوننا، وضد أمن مواطنينا، ويواصلون بناء الجدار، نفذنا ما علينا من التزامات ولم ينفذ الجانب الإسرائيلي التزامًا واحدًا.

بالأمس قالوا إنه عندما نريد أن نذهب إلى مجلس الأمن هذا تصرف أحادي الجانب، وهكذا تفعل إسرائيل ونحن نفكر بالذهاب إلى مجلس الأمن، اعتبروا أن هذا عملًا أحاديًا، هم كل يوم يقومون بعمل أحادي من قتل وهدم وتشريد واقتلاع أشجارنا، ولا يقال عمل أحادي الجانب، لا يزال بالعالم ظلم ويجب أن نرفع صوتنا، رئيس الوزراء الإسرائيلي قال: "على الفلسطينيينالوقوف عن الأعمال الأحادية وتنفيذ التزاماتهم" ونحن نتحدى الجميع بأننا لم نلتزم بالتزاماتنا من 93 ونؤكد نحن أقوياء بحقنا وقضيتنا.

نفذنا التزاماتنا برغم الإمكانات المحدودة، وألم الانقسام الذي تفرضه علينا أدوات الأجندات الإقليمية وأصحاب المشاريع المشبوهة والمجتزأة، الذين يهددون وحدة الشعب ووحدة تمثيله وتطلعاته وتقاليده، وينتهكون كل الحرمات ويمارسون كل المحرمات للإبقاء على انقلابهم في غزة الحبيبة.

لم تفت في عضدنا كل المثبطات للنيل من معنوياتنا، ولن تنال من عزائمنا كل الوسائل التي يتبعها الآخرون لتدمير تمثيلنا وثوابتنا ونهجنا في التعددية، وإرساء دعائم الديموقراطية.

نحن لن نتوان ولن نيأس في إعادة اللحمة، مهما اصطدمت محاولاتنا بالصد والتشكيك بما يسمونه-زورًا وبهتانًا-بالفيتو المفروض علينا، (الفيتو الأمريكي)، كلنا نعرف أن (حماس) ارتكبت انقلابًا آثمًا في غزة ولم نرد عليه عسكريًا، توجهنا للحوار ثم للجامعة العربية، مصر أعدت وثيقة وقبلنا بها ووقعنا عليها ومع ذلك يقولون: السلطة تخضع لفيتو أمريكي نحن وقعنا بغض النظر توافق أمريكا أو لا.

نائب الرئيس الأمريكي قال: لا تذهبوا لقمة دمشق، ونحن قلنا: القمة إخواننا ومصيرنا، وقالوا: قد تتحملون ثمنًا  غاليًا، ونحن قبلنا، وحماس ترفض التوقيع، ويقولون نخضع للفيتو.

ذهبنا إلى دمشق للحوار ونحن جاهزون ومستعدون وساعون للحوار؛ لأن الوحدة الوطنية أثمن من الأجندات الشخصية والإقليمية، وأثمن من الفيتو الإيراني أيضًا.

علينا أن نفكر ونتحاور فلسطينيًا وتكون أهدافنا وبواعثنا فلسطينية، أما إذا خضعنا للأجندات لنكون ورقة في جيب هذا وذاك، فنحن لا نقبل إلا أن نكون أحرارًا في قرارنا وموقفنا، نقول: ذهبنا ومستعدون وننتظر المساعي التي يبذلها إخواننا للوصول للوحدة، الانقلاب وصمة عار في جبيننا.

"نحن مع المقاومة والممانعة وهؤلاء مستسلمون"، هذا شعار ينفع للاستهلاك والفضائيات، كثيرون يصدقون دول الممانعة والمقاومة، وأين هي هذه الدول؟ ومن هي؟

قلنا: الصواريخ عبثية، قالوا: استسلام، أين الخلاف السياسي؟ أين نحن مختلفون سياسيًا؟ على الأرض لا يوجد خلاف والوضع السياسي متفقون، عليه نحن لسنا مختلفين، هناك من يريدنا مختلفين لأغراض إقليمية، وعلينا أن نقول لإخوتنا أن يعودوا لرشدهم ويغلبوا المصلحة الوطنية، ففلسطين أغلى من الشعارات والأموال ومن يريد أن يساعدنا، ونحن بحاجة لمساعدة، بدون شروط نقبل وعندما يكون الارتهان للسياسة بالأموال فهذا مرفوض.

وقعنا على الورقة المصرية، وهم يعرفون قبل غيرهم أن كلامهم مكابرة وافتراء؛ لأن قرارهم هم أنفسهم ليس بيدهم وأنهم هم المرتهنون لمن يريد استخدامنا، ورقة في يده للمساومة أو الضغط خدمة لمصالح إقليمية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية.

وأؤكد لكم أننا سنظل نبادر من أجل صالح القضية ووحدة الشعب لإنهاء هذا الانقلاب، فيدنا ممدودة ونسأل الله العلي القدير أن ينير البصائر فيتخلوا عن مصالحهم الضيقة، ويضعوا نصب أعينهم فقط المصالح العليا لهذا الشعب المكافح وليس غير ذلك، ونسأل الله أن يهديهم سواء السبيل الذي يدعوهم إليه الجميع، فالوضع لم يعد يحتمل المزيد من مبررات المماطلة والمناكفة والهروب من التوقيع على الورقة المصرية، والشعب كل الشعب بدأ يجهر بالصوت: كفى فلقد بلغ السيل الزبى.

أما شعبنا الحبيب في غزة فلم يعد يطيق القهر والقمع وفتاوى التكفير، ولن يقبل بهذا العبث وهذه المغامرة الحمقاء غير المسبوقة بمصيره وبمستقبل قضيته الوطنية المقدسة، تحت ذرائع واهية تتساقط الواحدة تلو الأخرى، كالخلاف السياسي حول الدولة على حدود عام 1967، وحجج سخيفة وممجوجة كحماية نهج المقاومة والممانعة التي يتشدقون بها، والتي لم تعد قائمة بل لم تكن أصلًا.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،تفرض قضيتنا نفسها على العالم هذه الأيام كقضية لها أولوية، يتوقف على حلها بشكل عادل حل العديد من قضايا المنطقة، العالم بدأ يتغير أوروبا وأمريكا بدأتا تتغيران، وهما ما تزالان في مرحلة الشعارات ويعترفون أنه إذا حلت المشكلة هنا تحل باقي المشاكل، وهذا ما توصلوا إليه بعد طول انتظار، مواقفنا أدت بالعالم للاعتراف بقضيتنا وعليهم التعامل معها، بل لقد وصلت القناعة لدى الجميع بأن حلها يشكل مصلحة وطنية وقومية للولايات المتحدة والدول الأوروبية وغيرها، وذلك بالرغم من المشاكل العديدة التي تعم العالم والتي لا يقلل أحد من مخاطرها.

ومن هنا تبذل الولايات المتحدة والرئيس أوباما شخصيًا جهودًا مشكورة، وتتحرك دول الرباعية في كل المجالات، ويتم الاتصال بنا من قبل العديد من الدول ذات الثقل والتأثير السياسي على المستوى الدولي، وذلك في محاولة لدفع عملية السلام، ربما تستغربون، لا نريد أن نقول لماذا يقف كله معنا ويقف موقفنا؟ والكل يتحدث عن وقف الاستيطان، الموقف أصبح شبه موحد، وقيل لي: إن نتنياهو وجه بمعارضه في اجتماع اللوبي الصهيوني والأيباك، اليهود يريدون السلام وبدؤوا يصحون أن سياسة إسرائيل العوجاء لا تنفع لها، والسلام هو الأساس، ويأتي بكل ما نريد لمستقبل أبنائنا.

لقد تعاونا صادقين مع كل هذه الجهود وقدمنا تصوراتنا لكل قضايا الحل النهائي، من الحدود والقدس واللاجئين والأمن والمياه والمستوطنات والأسرى والمعتقلين، وبما يتفق وقرارات الشرعية الدولية، وأحيانًا "ينغاظون"؛ لأننا نؤمن بالشرعية وهم لا يردوننا أن نؤمن بها ومبادرة السلام العربية، ولا أفهم لماذا لم توافق إسرائيل على مبادرة السلام العربية، ولماذا يرفضونها، ولا نجد عندهم جوابًا شافيًا ومنطقيًا، ونحن لم نسحب المبادرة عن الطاولة ونقول إذا أردتم الحرب حاربوا معنا، لكن لا تكون الحرب علينا، والعرب مؤمنون بالمبادرة ويدعمونها نحن نؤمن بالمقاومة ونمارسها، وهي حقنا ولا بد أن تستمر ما دام هناك استيطان.

تعاونا مع هذه الجهود عبر المفاوضات غير المباشرة، وتجاوبنا مع الدعوة لانتقالها إلى مفاوضات مباشرة، لكن الحكومة الإسرائيلية تضع العقبة تلو الأخرى في وجه انطلاق العملية السياسة، وتوصد الأبواب أمام الوصول إلى ما أجمع عليه العالم بضرورة حل الدولتين، أي: بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 67 إلى جانب دولة إسرائيل .

مرة يصرون على استمرار الاستيطان، وأخرى يطالبون بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، فجأة صرنا نسمع دولة يهودية ذات طابع ديموقراطي، كيف يكون ذلك؟ نحن نرفض هذه التسمية جملة وتفصيلًا وهذا موقفنا الثابت، ونحن نعرف ماذا يسعون لتحقيقه ولن نترك لهم الفرصة لتحقيق ما يسعون له من وراء هذا الشعار.

أتوجه لفلسطيني الداخل بالقول، أنتم إخواننا وهمنا همكم، لكم خصوصيتكم ونحترمها، أنتم رفعتم شعارًا مهمًا "السلام والمساواة"، هناك تفرقه عنصرية ضد العرب والفلسطينيين في إسرائيل.

مرة يصرون على استمرار الاستيطان، وأخرى يطالبون بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وثالثة بأن القدس عاصمة موحدة لدولتهم، ورابعًا باحتلال الأغوار والتلال المطلة عليه كمتطلب أمني، وخامسة بإنكار حق اللاجئين، والأغرب من ذلك أن يخرج علينا رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ أيام، ويحذرنا من قيامنا باتخاذ أي خطوة أسماها أحادية الجانب كالذهاب للأمم المتحدة وغيرها.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

 

لقد أوضحنا موقفنا بشكل لا يقبل التأويل، فلا مفاوضات مع الاستيطان، كما أن إعلان المبادئ في عام 93 كان بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل، وأن القدس العربية بما فيها الأماكن المقدسة جزء من الأراضي المحتلة عام 67، الكل يعرف أن القدس احتلت في 67 وأي حل لا يشمل القدس ليس حلًا وأنها عاصمة دولتنا، وأن حل قضية اللاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية، قدمت حلًا عادلًا ومتفقًا عليه، وأين الخطأ بذلك؟ هم لا يريدون قضية اللاجئين على الطاولة ونحن لن نقبل، وأثبتنا للجميع حرصنا وصدقنا في الوصول إلى حل شامل، ولم يستطع أحد أن يلومنا على مواقفنا أو يحملنا مسؤولية التعطيل.

وهنا أتوجه للشعب الإسرائيلي ولرعاة السلام وقادته في إسرائيل، لأقول لهم بكل صراحة: إن صنع السلام أهم من الاستيطان وإن السلام الشامل والعادل أغلى من كل شيء، أغلى من الائتلاف الحكومي ولبيرمان وأغلى من الرؤى والمصالح الضيقة، فأولادنا وأولادكم لا بد أن يذوقوا طعم التعايش والاستقرار والأمن على قدم المساواة، وباحترام متبادل قبل أن تضيع الفرصة، لن أقول قبل أن نغير رأينا ولن نغيره ولكن قبل أن تضيع الفرصة.

هذا ما نطالب به والعالم كله ينشده وهو ما عبر عنه الرئيس أوباما في خطابه الأخير، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما قال إنه يأمل بأن تحتل دولة جديدة مكانها في الأمم المتحدة السنة القادمة، لم يبق غيرنا بالعالم كله ونأمل أن لا يبقى هذا شعارًا، وهذا تعهد ودين في رقبتك لتكون فلسطين دولة وعضوًا كامل العضوية في الأمم المتحدة.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

لقد حرصنا أن نضع الأشقاء العرب في صورة جميع التطورات على مسارنا؛ انطلاقًا من قناعاتنا بأن القضية الفلسطينية هي محور الصراع في المنطقة، وترجمة لما نؤمن به وهو البعد القومي لهذه القضية المركزية، إضافة إلى أن هناك الكثير من قضايا الوضع النهائي تهم العديد من الدول الشقيقة، كقضية الحدود واللاجئين والمياه وغيرها.

أما القدس هي قضية كل العرب والمسلمين والمسيحيين، وواجبنا أن نتصل بالعرب وذهبنا للجنة المتابعة العربية لنتشارك الرأي والهم، القرار الوطني الفلسطيني سيبقى في المنظمة-صاحبة القرار الأخير-ولكن عندما يقال نحن لسنا أصحاب اختصاص، هذا كلام مؤلم جدًا نحن بدأنا حوارًا ويجب أن ينجح.

اتصلنا بالأشقاء العرب منفردين ومجتمعين، من خلال القمة العربية والاجتماعات المستمرة للجنة المتابعة العربية.

لم نذهب لنأخذ غطاءً كما يزعم البعض، فلنا قرارنا وأشقاؤنا متفقون على الأسس والمبادئ التي لا بد أن تقوم عليها عملية السلام، من خلال مبادرة السلام العربية والشرعية الدولية.

وإذا كانت هناك مواقف غير مفهومة من البعض إلا أن الجميع يشدون أزرنا ويحترمون خياراتنا، ويقفون إلى جانبنا في حال تعثر المفاوضات، وينقلون لكل الأطراف المعنية بعملية السلام الموقف، الذي يؤكد حرصنا وحرص الدول العربية على إحلال سلام شامل وعادل في المنطقة.

لا نقف كثيرًا أمام تلك المواقف الغامضة من البعض، ولسنا على استعداد للدخول في معارك وهمية أو مناكفات مقيتة، يريد بعض الكتبة الكذبة والأقلام المأجورة أن ننجر لها، لا نعرف أهدافها وبواطنها ولكنها في كل الأحوال أهداف غير بريئة وبواطن عبثية.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

اسمحوا لي أن أتوجه أخيرًا لشعبنا الفلسطيني في الشتات وبخاصة شعبنا في لبنان.

أطمئنكم بأننا ملتزمون بالحقوق، ولماذا لا نتمسك؟ متمسكون بقضية اللاجئين، لم ننس ولن ننسى، هذا هو عهدنا لكم كما كان دائمًا، وكما كان عهدكم بنا وبمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، رابين اعترف بالمنظمة الممثل الشرعي والوحيد، ويتفاوضون معها على هذا الأساس والسلطة لا علاقة لها بقضايا الحل النهائي . وأتوجه إليكم يا شعبنا في الشتات خاصة في لبنان، وأذكركم بالمبادئ التي تربينا عليها ونؤمن بها، بأننا ضيوف لا نتدخل بالشؤون الداخلية، ولن نسمح بأن نستغل من أية جهة كانت لتحقيق مآرب لا علاقة لها بالقضية الوطنية، خاصة المساس بسيادة الدول التي نتواجد فيها.

ونؤكد أننا من خلال الاتصالات مع الأشقاء، نطالب بتحسين أوضاع اللاجئين ورفع المعاناة عنهم إلى حين عودتهم لوطنهم، وحققنا بعض التقدم، الفلسطينيون في لبنان محرومون من عدد من المهن، ونقول للبنان نحن ضيوف لن نتدخل وليس لنا علاقة، لكن إلى حين أن تنتهي ضيافتنا يجب أن نحصل على لقمة العيش الكريمة، وشكر الحكومة اللبنانية للموافقة في البدء برفع بعض الحواجز ونشكرهم على الموقف.

الخريجون من الطلاب لا يجدون جامعات تقبل بهم، وفكرنا وقررنا ونفذنا مشروع تعليم أبناء شعبنا بلبنان في الجامعات، وأخذنا قرارًا، وبعد أسبوعين وصلت الأموال التي غطت مصاريف سنه كاملة لـ 1800 طالب، وهي منحة ليست دينًا، وتصرف لكل فلسطيني بصرف النظر عن انتمائه.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

ونحن في هذا اليوم الذي نحيي فيه ذكرى رحيل أخي الرئيس أبي عمار، نقول له ثانيةً ودائمًا: التحية لروحك يا أبا عمار، فقد كانت فلسطين هي قبلتك السياسية، والقدس هي البوصلة التي تهدينا مهما كانت عتمة الطريق.

لك مني يا أبا عمار كل الحب والوفاء، ولكل شهدائنا، وإخواننا من كل الفصائل في مسيرتنا على مدى العقود الماضية، ولجرحانا كل المحبة والدعاء بالشفاء العاجل، ولأسرانا البواسل في السجون الإسرائيلية الحرية والحياة الكريمة.

ومعًا وسويًا حتى نكمل مسيرتنا ونحقق حلمنا بإقامة دولتنا المستقلة.

قال تعالى في كتابه العزيز: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) صدق الله العظيم.

عشتم وعاش شعبنا العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.