الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

خطاب الرئيس محمود عباس في ذكرى استشهاد الرئيس الشهيد ياسر عرفات والاستقلال-رام الله

خطاب الرئيس محمود عباس في ذكرى استشهاد الرئيس الشهيد ياسر عرفات والاستقلال-رام الله

16-11-2011

بسم الله الرحمن الرحيم

أيتها الأخوات، وأيها الإخوة الأعزاء،

يا أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

نلتقي اليوم في الذكرى الثالثة والعشرين لإعلان الاستقلال الفلسطيني، ولنحيي الذكرى السابعة لرحيل شهيدنا الخالد ياسر عرفات، مفجر ثورتنا وقائد مسيرتنا ورمز قضيتنا، نستعيد ذكراه وفي القلب غصة لفراق وقع قبل أن تتكحل عينا الشهيد الخالد بمرأى القدس وقد نالت الحرية، وقد تزينت بأعلام فلسطين ترفرف على أسوارها ومساجدها وكنائسها عاصمة أبدية لدولة فلسطين مستقلة كاملة السيادة.

نسترجع مآثره وفي القلب إكبار وافتخار لسيرة ومسيرة القائد الكبير، الذي عاش واستشهد مسكونًا بحلم الهوية والحرية والاستقلال، نذر حياته لقضية شعبه فتنقل في ميادين الكفاح من ساحة إلى ساحة، زاوج بين البندقية وغصن الزيتون، ومثلما كان محاربًا لا تلين له قناة كان أيضًا مفاوضًا صلبًا، ومدافعًا عنيدًا عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة الحرة الكريمة في دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

تحت قيادته تعملقت (فتح) وحازت عن جدارة على قيادة النضال الوطني الفلسطيني، وفي ظل زعامته؛ نمت منظمة التحرير الفلسطينية، واتسعت قواعدها الشعبية، وتعاظم دورها السياسي لتصبح الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ووطنه المعنوي، وتحت رئاسته بنيت مؤسسات الدولة الفلسطينية ووضعت الأسس لاقتصاد وتنمية وازدهار وحكم رشيد.

لقد كان رحيله بمثابة الفاجعة على المستوى الوجداني، وكان يمكن في تلك الظروف الصعبة قبل سبعة أعوام أن يشكل انتكاسة خطيرة في عملنا الوطني، لولا ما تركه فينا الراحل الكبير من التزام بمؤسساتنا الوطنية وإدارتنا الديموقراطية لحياتنا السياسية، فإرث الراحل حفزنا على الاحتكام الفوري إلى النظام الأساسي، والشروع في إجراء انتخابات غاية في النزاهة والشفافية حافظت على نظامنا، وعجلت في استيعابنا لذلك الحدث المفصلي.

أيتها الأخوات، وأيها الإخوة،

لقد اعتدنا على إجلال شهدائنا وتربينا على الوفاء لذكراهم العطرة وعاهدناهم على المضي في الطريق التي خطتها أرواحهم الطاهرة، وها نحن نجدد العهد للشهيد الراحل ياسر عرفات، ولتلك القافلة الطويلة من الشهداء، أن نمضي على دربهم دون ملل أو كلل حتى الوصول إلى أهدافنا المشروعة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وعودة لاجئينا طبقًا للقرار الأممي (194).

الوفاء للشهداء أيتها الأخوات وأيها الإخوة، لا يكون بتمجيدهم فقط ولا بالعرفان بتضحياتهم من أجل شعبهم وقضيتهم، بل يكون أيضًا أساسًا بإكمال المسيرة وإنجاز ذلك الشوط المتبقي من الطريق نحو الحرية، وهو شوط صعب وشاق ومرير تزداد مرارته عندما يتحول من يفترض به أن يكون شريكنا في السلام إلى خصم للسلام، طامع شرهٍ في الأرض منكر للحق لا مبال بالمستقبل، هنا تزداد الطريق مشقة ويترتب علينا المزيد من الصبر والمزيد من الصمود ومن رباطة الجأش، خاصة عندما تتوفر لهذا الخصم كل أشكال الدعم والرعاية رغم ما يرتكبه من انتهاكات للقانون الدولي، ومن تحد وتنكر للاتفاقات الثنائية، ولكننا رغم ذلك لن نيأس ولن يتملكنا الإحباط بسبب ما يمارسه الاحتلال من جرائم، تقاعس المجتمع الدولي حتى الآن عن مواجهتها، حيث تتصرف الحكومة الإسرائيلية وكأنها فوق القانون.

لا نريد أن نسرد كل ما تقوم به إسرائيل من خرق للقوانين، ولكن أكتفي بما فعلوه قبل أسبوعين عندما احتجزوا أموالًا لنا عقابًا لنا؛ لأننا ذهبنا إلى الأمم المتحدة أو ذهبنا إلى اليونسكو، وهذا دليل من عشرات بل مئات الأدلة والأمثلة على اختراق إسرائيل للقوانين الدولية والاتفاقات الثنائية، وهذا مثل على الاتفاقات الثنائية.

لقد أثبتنا ونثبت كل يوم أننا لن نرضخ للاحتلال، ولن نتنازل عن حقوقنا وأننا أصحاب قضية عادلة نعرف كيف ندافع عنها، بأساليب ووسائل من ضمنها المقاومة الشعبية السلمية، التي يشاركنا فيها مناضلون ومتضامون أجانب ودعاة سلام إسرائيليون، وأود باسمكم جميعًا أن أحيي هؤلاء الإخوة والأخوات الأصدقاء، وأدعو إلى أوسع مشاركة في هذه المقاومة الشعبية السلمية، وبالذات من قبل القيادات والكوادر المسؤولة والميدانية كافة، هذه المظاهرات، وهذه المقاومة الشعبية السلمية التي يكفلها لنا القانون الدولي لا يكفي أن تقتصر على الصغار وعلى الضيوف وعلى الأجانب، يجب أن يشارك فيها كل أبناء الشعب قيادات وقاعدة، لنثبت للعالم أن هذا حقنا وأن هذا لنا وأن إسرائيل بقيامها بالاستيطان معتدية على حقوقنا.

إن المصداقية والحكم الرشيد يؤديان إلى التضامن والتأييد الدوليين، وقد تم البرهان على ذلك في مناسبتين هامتين مؤخرًا، الأولى عندما ألقيت خطابي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعلنت فيه أننا تقدمنا بطلب الحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، فلاقى ترحيبًا كاملًا من قبل الأغلبية الساحقة من ممثلي الدول الأعضاء والمنظمات والحركات، والقوى المدافعة عن حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، التي تقف مع فلسطين وشعب فلسطين وأطفال فلسطين، الذين يستحقون العيش في دولتهم الحرة والمستقلة.

عندما تقدمنا بهذا الطلب ظهرت بعض الأقلام وبعض الأصوات لتقول إن هذا قفزة في الهواء، إن هذا يضيع منظمة التحرير الفلسطينية ويضيع حق اللاجئين، ولا أدري من أين جاؤوا بهذه الفتوى، كيف إذا تقدمنا بطلب دولة في الأمم المتحدة نضيع منظمة التحرير؟ فمنظمة التحرير هي التي شكلت الحكومة وتشكل الدولة وهي المظلة، فكيف يمكن أن تضيع المنظمة في هذه المسيرة؟ أما قضية اللاجئين فبصراحة كانت نكتة، كيف عندما نحصل على دولة يضيع حق اللاجئين؟ هناك قضايا المرحلة النهائية وأهم هذه القضايا هي قضية اللاجئين، وبالتالي أعتقد أن هذه الأصوات سكتت عندما ذهبنا إلى هناك وتكلمنا وحُزْنا على تأييد الأغلبية الساحقة من العالم.

وكانت المناسبة الثانية قبول فلسطين في منظمة اليونسكو، بأغلبية زادت عن الثلثين رغم كل الضغوط التي مورست لمنع قبولنا عضوًا في إحدى أكبر المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، كان المفروض أن نحصل على الثلثين، وكنا نخشى من ألا نتمكن من الحصول على الثلثين بسبب الضغوط الهائلة التي كانت تلاحقنا من كل مكان، ولكن من حسن الحظ ولأن العالم بدأ يتفهمنا وبدأ يعي قضيتنا حصلنا على 83% من أصوات منظمة اليونسكو.

إن طلبنا من مجلس الأمن الحصول على العضوية الكاملة، هو حق مشروع لنا تكفله القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، ولن تثنينا عن حقنا هذا العقبات التي وضعت في طريقنا.

أيها الإخوة لا تعيروا ما يثار هنا أو هناك عن إخفاق أو تراجع أي اهتمام، لا تهتموا إذا قيل لن نتمكن من الحصول على الأصوات اللازمة، نحن نعرف أن هناك من يقف ضدنا ومن يحاول ثني الدول عن تأييدنا، لكن إذا لم نحصل اليوم سنحصل غدًا، وإذا لم نحصل غدًا سنحصل بعد غد، ولن نتراجع عن طلبنا هذا حقنا، ذهبنا إلى مجلس الأمن وسنذهب مرة ثانية وثالثة ولن نتراجع. سنواصل إجراء مشاورات معمقة مع الأشقاء العرب وعدد من أعضاء مجلس الأمن إضافة إلى المجموعات الجيوسياسية، عدم الانحياز، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الإسلامي، ودول أمريكا اللاتينية، حول الخيارات المتاحة أمامنا كافة، وسوف نقوم بعرض ما سنتوصل إليه من خلال هذه المشاورات على أعضاء القيادة الفلسطينية حال استكماله في أسرع وقت ممكن، وسيكون هذا الموضوع وكل ما يرتبط بآفاق عملنا السياسي والوطني، على جدول أعمال لقائي المقبل مع السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس).

نحن سنلتقي في الخامس والعشرين من هذا الشهر مع السيد خالد مشعل لنتبادل الرأي في قضايا كثيرة، هناك المصالحة، بنود المصالحة التي تعثرت، وهناك آفاق المستقبل، كما نتشاور اليوم في ورشات عمل مع أعضاء القيادة لنجيب على السؤال: إلى أين؟ كذلك من حقنا ومن واجبنا أن نلتقي مع قيادة حركة (حماس) التي تمثل جزءًا هامًا في الشعب الفلسطيني، أن نتشاور ونتبادل الرأي في آفاق المستقبل، لأن المستقبل يهمنا جميعًا، المستقبل ليس همًا لفتح أو الشعبية أو الديموقراطية أو العربية أو حماس وحدها، وإنما هم للجميع، كل الشعب الفلسطيني يجب أن يشارك في الإجابة على السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟

أيتها الأخوات، يا أبناء شعبنا العظيم، أيها الإخوة

عندما قررنا التوجه إلى الأمم المتحدة كنا ندرك مشاكل العالم وقضاياه، وأن هناك كثيرين ممن لا يعرفون أو غيبت عنهم معرفة أن شهادة ميلاد إسرائيل في قرار الأمم المتحدة رقم (181) لعام 1947، قد اقترنت بشهادة ميلاد الدولة الفلسطينية، وأن إسرائيل قُبلت عضويتها عام 1949 شريطة أن تقبل القرارين وتطبق القرارين (181)، أي يطبق وجود دولة فلسطينية، والقرار (194) حل مشكلة اللاجئين، ولكن مع لأسف الزمن انطوى وسارت الأيام وغيبت هاتان القضيتان، وفلتت إسرائيل من هذين الشرطين، والحق لا يكون قديمًا، أي شيء يجب أن يعود أيًا كانت القصة.

نعود اليوم لنطالب العالم بحق لنا طالما تم تناسيه أو تجاوزه، ومثلما حصلنا على عضوية المجلس الوطني الفلسطيني في الاتحاد البرلماني الدولي، وعضويتنا في اليونسكو والعضوية المشاركة في مجلس أوروبا، فإننا سنحصل على العضوية الكاملة لفلسطين، مهما تعثرت الخطوات ومهما كانت العقبات أو طال الزمن.

بعد الأمم المتحدة ذهبنا إلى أوروبا وهناك برلمان مجلس أوروبا، وهو يختلف عن الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأوروبي له برلمان، لكن برلمان المجلس الأوروبي يمثل 49 دولة من روسيا، وأوكرانيا وتركيا، لكل دول أوروبا هذا البرلمان قبلنا عضوًا مشاركًا، ونحن العرب الوحيدون إضافة إلى المغرب العربي فقط أعضاء في هذا المجلس.

إننا لم نسع بطلب العضوية في الأمم المتحدة أو اليونسكو إلى نزع الشرعية عن إسرائيل أو عزلها بصراحة، لم نسع ولن نسعى إلى عزل دولة إسرائيل أو نزع الشرعية عنها، ولكننا نسعى لعزل سياسة دولة إسرائيل وعزل هذه السياسة عن العالم، كما أننا لا نريد حتمًا الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي رغم علاقاتها المتميزة والخاصة لإسرائيل فقد قامت بتقديم دعم هام ومقدر للشعب الفلسطيني وللسلطة الفلسطينية، ونحن على وعي تام بأهمية الدور الأمريكي في أي عملية سلام جادة، وكل ما نسعى إليه أن يكون الدور الأمريكي متوازنًا، وأن تكون الوساطة نزيهة وألا تعتمد معايير مزدوجة في تطبيق القرارات الدولية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل ومشاريعها الاستيطانية، نحن نزعم وهذا حقيقي، أننا أصدقاء لأمريكا، لأنها تساعدنا، لا ننكر هذا، تقدم لنا دعمًا ماليًا مجزيًا، وهي تقوم بدور ونتمنى أن يكون الدور متوازنًا، لكن قد نختلف، وعندما نختلف نقول: لا، لا نقبل إذا كان اختلافنا يضر بالمصلحة الفلسطينية، ربما يُستغرب هذا، من نحن ومن أمريكا؟ ومع ذلك، نحن نختلف ونقول أحيانًا: لا، وسنبقى نقول: لا للخطأ، ولكن أيضًا نقول: إن أمريكا تساعدنا وتدعمنا ولا ننكر هذا، ونحن نحافظ على علاقاتنا واتصالاتنا مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، قد نتفق وقد نختلف ولكننا نسعى لتحقيق مبدأ الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وأعيد وأؤكد أننا نسعى للحفاظ على علاقاتنا مع هذه الدولة.

 

المفاوضات ذكرناها وسنذكرها، تقوم على أساسين اثنين، دولتان على حدود 67 ووقف الاستيطان، ومن دون هذين الشرطين لا توجد مفاوضات.

أيتها الأخوات، وأيها الإخوة،

رغم كل المصاعب أقول بكل ثقة وتصميم: إننا لن نيأس ولن نستدرج إلى مربعات أو ساحات أو أفعال لا تخدم قضية شعبنا، تلك التي تعطي مبررًا لغلاة المتطرفين في إسرائيل الذين من مصلحتهم دفع الأمور إلى دائرة العنف، نحن طلاب سلام، ونقاوم سلميًا، هذا هو رأيي، وهذا هو موقفي، ولن أتراجع عنه، ولكي ننجح في هذا لا بد من قرار فلسطيني واحد وصوت فلسطيني واحد، وهذا يقتضي وحدة الموقف وإنهاء صفحة الانقسام السوداء بكل آلامها، وإعادة اللحمة لوحدة الوطن والشعب، وذلك تأسيسًا على اتفاق المصالحة الذي وقعناه برعاية مشكورة من قبل الأشقاء في مصر.

فالانقسام أساء ويسيء إلى قضيتنا ونضالنا وهو يصب أولًا وأخيرًا في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي، وفي مصلحة أصحاب الأجندات الإقليمية الذين لا تهمهم قضيتنا وإنما يريدون المتاجرة بها، نعم هناك كثيرون يضعون أصبعهم في القضية الفلسطينية ليس حبًا فينا وليس من أجل مصلحة فلسطين ولكنهم من أجل مصالحهم، ننتبه إليهم، نبعدهم عنا، نريدهم أن يكونوا بعيدين عنا لا نريد من أحد أن يتدخل في شؤوننا إلا إذا كانت نواياه صادقة، ورغباته أكيدة في حل يعطي الشعب الفلسطيني حقوقه.

وفي سبيل الإسراع بإنجاز المصالحة سوف نستمر في بذل كل الجهود للإسراع في حل القضايا العالقة، وفي المقدمة منها قضية الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، وتشكيل الحكومة من شخصيات مستقلة تشرف على الانتخابات، لكن هنا أحب أن أقول؛ نحن نختلف عن كثير ممن حولنا، هناك ربما وزارة الداخلية هي التي تشرف على الانتخابات، عندنا لا، لم يحصل هذا إطلاقًا منذ عام 1996، الانتخابات تديرها لجنة مستقلة كاملة الاستقلال مع وجود آلاف المراقبين الدوليين من كارتر إلى دزموند توتو إلى كل من يريد، وأظن أن الانتخابات الأخيرة حضرها ما لا يقل عن 5 أو 6 آلاف مراقب، إذن الذي يشرف على الانتخابات لا الحكومة ولا السلطة، السلطة تهيئ الأسباب اللوجستية للانتخابات، لكن لا تشرف عليها، من يشرف عليها هي لجنة الانتخابات.

طبعًا الحكومة تعيد البناء في قطاع غزة، إضافة إلى البنود الأخرى في اتفاق المصالحة، كما أننا سنجري مشاورات واسعة مع مختلف الفصائل والقوى الفلسطينية والمستقلة لتحقيق هذا الهدف.

إنني أعلم علم اليقين أن إنجاز المصالحة هو ما يتمناه شعبنا وكل الحريصين على قضيتنا من أشقاء وأصدقاء، وأخص بالذكر الأخوات والإخوة الأسرى، الذين ما زالوا خلف الأسوار يعانون بكل الصمود والشموخ داخل السجون الإسرائيلية يطالبوننا بالوحدة، وهم الذين وضعوا الوثيقة التي سميت وثيقة الأسرى، وأصبحت بعد ذلك وثيقة معتمدة، وأقول لهم: يا أبطالنا البواسل يا من ضحيتم بحريتكم من أجل حرية شعبكم بأننا سنفعل كل ما نستطيع من أجل إنجاز المصالحة.

وبهذه المناسبة أكرر تحياتي إلى أسرانا وأسيراتنا الموجودين هنا، الذين أفرج عنهم مؤخرًا، وإلى أولئك الذين ما زالوا في السجون، وأعدهم ببذل أقصى الجهود وعلى المستويات كافة من أجل الإسراع في إطلاق سراحهم، وأؤكد للجميع أن أي اتفاق سلام في المستقبل لن يتم توقيعه ما لم يتم إخلاء كل السجون وتحرير كل الأسرى.

وتقديرًا منا لتضحيات هؤلاء الأبطال فقد قررنا إطلاق مشروع إسكان للأسرى المحررين ممن لا منازل لهم، نحن نعرف أن الإخوة دخلوا السجون وقضوا 10 سنوات و20 سنة و30 سنة ولم يؤسسوا لأنفسهم شيئًا وضاعت عليهم حياتهم، على الأقل أن نقدم لهم بيتًا، ومن ليس متزوجًا أن نزوجه أيضًا، وعلى صعيد تفاهمنا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أيهود أولمرت، بالإفراج عن عدد أكبر وبمعايير أشمل خاصة هؤلاء الذين اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو عام 93، فقد توجهنا رسميًا إلى أعضاء اللجنة الرباعية والحكومة الإسرائيلية بهذا الشأن الذي وضعناه على جدول أعمالنا، وقلنا: إنه عندما أفرج عن الأسرى مؤخرًا إن هناك اتفاقًا بيننا وبين الحكومة الإسرائيلية السابقة، وهو اتفاق وهو عهد وميثاق بالنص أنه عندما تنتهي قضية شاليط سيطلق سراح عدد أكبر من العدد الذي أطلق في هذه الصفقة، ومواصفات أشمل من المواصفات التي حصلت بهذه الصفقة، بمن في ذلك من اعتقلوا قبل عام 93، هذه نقطة.

والنقطة الأخرى أن الأمريكان قدموا لنا عرضًا وهذا منذ حوالي سنة، من أجل العودة للمفاوضات وبناء الثقة وهو أن إسرائيل ستقوم بخطوات لبناء الثقة، منها إطلاق سراح أسرى ولكن لم نرَ الخطوات ولم نرَ الأسرى والآن نحن نطالب بهذا ونعتبرها الآن أساسًا لأي عمل مستقبلي، وهي ميزان للثقة، إذا قبلوا فأهلًا وسهلًا، وإذا لم يقبلوا فمن يستطيع أن يتعهد بأنهم يمكن أن يوافقوا على الحل النهائي؟ إذا هذه القضية غير مقبولة ولا ينفذونها، فكيف يمكن أن تنفذ اتفاقات حول الحل النهائي؟

يا أبناء شعبنا الفلسطيني الصامد داخل الوطن وفي الشتات، لقد استطعنا رغم كل الصعوبات الداخلية والخارجية أن نحقق إنجازات، تشمل بناء مؤسسات دولتنا سواء التنموية أو الأمنية، وهذا يشهد به الجميع، كما تمكننا من إقامة علاقات دبلوماسية واعترف عدد كبير من دول العالم بنا، فالتزامنا بمرجعيات عملية السلام وفضح سياسات الاحتلال وعربدة مستوطنيه، وتمكننا من فرض قضيتنا على أولويات المجتمع الدولي كقضية لها أولوية، تحظى بكل الاحترام والتقدير والاحترام، ويتوقف على حلها استقرار منطقة الشرق الأوسط وازدهارها.

نحن جبنا العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، لم يعد هناك من لا يعترف بحق الشعب الفلسطيني أو ينكر وجود الشعب الفلسطيني، أو حقه في دولته المستقلة على أرضه، وهذا إنجاز تاريخي عظيم بحد ذاته، خصوصًا عندما نتذكر أنه مع انطلاق هذه الثورة التي انطلقت مع ولادة حركة (فتح) بقيادة ياسر عرفات، في الفاتح من عام 1965، كان هناك إنكار تام لوجود الشعب الفلسطيني، واستعمل حق النقض (الفيتو) مرات عديدة ضد مشاريع بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، يعني بعد أن وقعت النكبة، العالم كاد أن ينسى أن هناك شعبًا خرج لاجئًا من وطنه ولم يتذكر إلا أن له بعض الحقوق الإنسانية التي يحافظ عليها، ولكن أن يكون لهذا الشعب حق دولة تقرير مصير فهذا كله كان منسيًا وكان غير وارد، وكم قال زعماء إسرائيل: "الكبار يموتون والصغار لا يعرفون" ، وكما قالت غولدا مائير: "ستذيبهم شمس الصحراء".

الكبار لم يموتوا ولم ينسوا، والصغار يتابعون والقضية حية وكما يقولون "ما ضاع حق وراءه مطالب"، فمهما عاندوا، الآن الوضع اختلف واختلف جدًا، لماذا؟ لأنه لدينا الآن 128 دولة لدينا تمثيل دبلوماسي معها، وأعتقد أن بعض الناس لا يوجد لديهم هذا الرقم، ولدينا أكثر من 170 دولة لنا علاقات سياسية معها بطريقة أو بأخرى، مثلًا: فرنسا لدينا معها أحسن العلاقات لكن لا اعتراف بالدولة، وعدد من دول أوروبا لدينا علاقات ممتازة معها، يدعمون السلطة الوطنية، ورئيس الوزراء يوقع معهم اتفاقيات رسمية بين السلطة وبين الدولة الأخرى، التي لم يوجد حتى الآن اعتراف دبلوماسي منها، ولكن هذه الدول تقيم معنا علاقات دبلوماسية، ولو بذلنا جهودًا أكبر سنصل إلى الـ23 دولة المتبقية.

إننا ما زلنا نمد يدنا للسلام القائم على العدل، الذي يكفل لشعبنا حقه في إقامة دولته المستقلة، لا نمل من التكرار، وعاصمتها القدس الشرقية، مهما ذكرناها يجب ألا نمل، وعلى حدود الـ67، وسبيلنا لتحقيق ذلك كما أكدنا مرارًا هو المفاوضات، ولكننا بصراحة لا نريد مفاوضات إلى ما لا نهاية تدور في حلقة مفرغة، إذا كان هناك مفاوضات يجب أن تكون مفاوضات لها نتيجة، نذهب للمفاوضات ولكن لا نقبل أن نبقى ندور في حلقة مفرغة إلى ما لا نهاية.

لن نواصل المفاوضات إلى ما لا نهاية، وهم يواصلون الاستيطان، إننا طلاب سلام وسنواصل تعاملنا مع مختلف الجهود الرامية لتحقيق ذلك السلام، ولكن دون مساومة على حقوق شعبنا، والسلام يجب أن يضمن لشعبنا الحرية والسيادة والاستقلال وعودة اللاجئين وتحرير الأسرى وإقامة دولة عاصمتها القدس، وأكرر هنا رفضنا للحلول الانتقالية بما في ذلك الدولة ذات الحدود المؤقتة، ربما بعض الإخوة لم يسمعوا أنه مضى عليه وقت طويل، الدولة ذات الحدود المؤقتة تعني أن نأخذ 50-60% من أراضي الضفة، طبعًا غزة موجودة، والباقي نتركه للمفاوضات بالزمن وباقي القضايا يمكن أن نحلها بالطريق 10 سنين إلى 15 سنة، هذا المشروع رفضناه ونرفضه وسنرفضه ولن نقبل به.

هناك من يقول الدولة المؤقتة ولكن هي الدولة ذات الحدود المؤقتة، لكن علينا أن ننتبه جيدًا، إن مثل هذه الحلول ألغام لا نقبل بها ولا نرضى بها ولا نلتفت إليها، وإذا أحد قال إنه يوافق عليها، على الأقل سنقول له نحن لا نقبلها.

ومن هنا أوجه نداءً للشعب الإسرائيلي بأننا جادون ومستعدون لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم فيما بيننا، ولكن السلام والاستيطان خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيا، فالسلام أهم من الاستيطان، إن أرادوا، والسلام أغلى من الائتلافات الحكومية إن رغبوا، لأنهم دائمًا يقولون الاستيطان وإذا أوقفناه الائتلاف الحكومي يسقط، ولكن أقول إن السلام أهم من الاستيطان ومن الحكومة وأي حكومة متطرفة، خاصة هذه الحكومة الموجودة عندهم التي تتحدث عن قضايا أستغرب وأتعجب منها، مثلًا يقولون إن السلطة الفلسطينية برئيسها وأعضائها يشنون علينا إرهابًا دبلوماسيًا وقانونيًا، فسروا لي ما معنى إرهاب دبلوماسي وقانوني، أو إننا نكتفي مثلًا بالأمن والاقتصاد وأن موضوع السياسة نؤجله.

هذه سياسة الحكومة الإسرائيلية وهذا هراء لن نقبل به أبدًا، ونحن نقول للإسرائيليين: الفرصة سانحة تعالوا إلى كلمة سواء، تعالوا نعيش سويًا بدولتين: دولة لنا، ودولة لكم، ونعيش بسلام وأمان واستقرار، ولكن الاحتلال لن نقبل به والاستيطان لن نقبل به.

لقد تجاوبنا مع دعوة اللجنة الرباعية للعودة إلى المفاوضات، على أساس مرجعية قرارات الأمم المتحدة، التي تضمنتها بياناتها ومواقفها المعروفة جيدًا وآخرها يوم 23 أيلول الماضي، ونحن في اليوم الذي ألقينا فيه الخطاب خرجوا لنا بالبيان، ما في المرجعية الدولية نقبله واحترام الاتفاقيات والقرارات الدولية، مثل خطة خارطة الطريق نقبله، وعدم القيام بأية أعمال استفزازية نقبله، وبمعنى آخر المرجعية حدود 67 ووقف الاستيطان وإلى الآن يطلبون موافقة إسرائيل، وأعتقد أن إٍسرائيل لن تعطيهم هذه الموافقة.

إننا نؤمن بالبعد القومي لقضيتنا فنحن جزء من هذه الأمة العربية، وكذلك جزء من الأمة الإسلامية التي تشهد حاليًا ربيعًا، نأمل بأن يحقق للشعوب ما تتوخاه من ديموقراطية وعدالة وحرية، وإننا واثقون كل ثقة أن هذا الربيع سيكون سندًا لربيعنا الفلسطيني، والشعب رفع شعارين: الشعب يريد إنهاء الاحتلال والشعب يريد إنهاء الانقسام، وأي شيء ثالث الشعب يريده نحن معه.

الربيع العربي أيها الإخوة شمل عدة دول عربية، وهناك دول تقريبًا أكملت وصولها إلى ربيعها والبعض الآخر يحاول، موقفنا الفلسطيني لا نتدخل في الشؤون العربية الداخلية، نراقب، نحن نراقب ولا نقول كلمة هنا وكلمة هناك، ولكن نحن نقول: نحن مع الشعوب، ما تريده الشعوب نحن معها، ولكن ليس من مصلحتنا أن نقول كلمة إضافة واحدة حتى لا نؤذي أنفسنا.

إننا نتوجه بالشكر والتقدير لكل الأشقاء والأصدقاء، على ما قدموه وما زالوا يقدمونه وما يريدون أن يقدموه أيضًا، من دعم أخوي لشعبنا ومؤازرة لموقفنا، مؤكدين للجميع أن قرارنا سيظل في يد منظمة التحرير الفلسطينية، ولن تضيع المنظمة بالذهاب إلى مجلس الأمن، فهي صاحبة الولاية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا الفلسطيني، حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، وحل قضايا المرحلة النهائية وتطبيق هذا الحل، ستبقى المنظمة للحل ولتطبيق الحل، وليس مجرد أن أخذنا الحل ستذهب المنظمة التحرير، المنظمة ستبقى إلى أن تطبق كل الحلول.

وختامًا لا بد أن أتوجه بالتحية لكل أسرانا الأبطال في سجون الاحتلال، الذين يسطرون أروع مثل في الصبر والتضحية والبطولة، وأطمئن أيضًا أهلنا بالشتات بأننا سنواصل التزامنا بحقوقكم، ولن ننسى قضيتكم، وهذا عهدنا دائمًا عهد منظمة التحرير، وفي هذا المجال سنواصل بذل جهودنا من أجل قضية إخواننا اللاجئين كافة، خاصة في لبنان الشقيق، وقد قمنا باعتماد عدد من المبادرات للتخفيف من معاناتهم، مثل صندوق الطالب، أنشأنا صندوقًا للطالب الفلسطيني في لبنان الذي يحصل على الثانوية ولا يذهب للجامعة، وكثيرون لا يستطيعون الذهاب للجامعة، هذا الصندوق يكفل لهم مصاريف الذهاب للجامعة وهو منحة وليس دينًا، وأي فلسطيني يأخذ الثانوية في لبنان يذهب للحصول على المنحة دون تمييز بين قرابة أو انتماء لأي تنظيم، السنة الماضية أخذنا 800 طالب، السنة حوالي 1100 طالب، والأمور تسير بالشكل الصحيح، ونتمنى من الله أن يستمر هذا البرنامج، لأننا نعرف كم هي معاناتهم.

والطلاب الذين يتعلمون ويتخرجون ويشتغلون نتمنى منهم أن يساعدوا ويعلموا غيرهم، ولا نطالبهم بالدفع بعد التخرج لأنهم سيبحثون عن عمل ويصرفون على عائلاتهم، ويريدون الزواج والمسكن، وإذا مكنهم الله سيصرفون على غيرهم.

مشروع ثانٍ وهو التكافل الأسري، قلنا للأثرياء الفلسطينيين وهم كثر، أن يتكفلوا بأسر فقيرة يعني أن يوفر الواحد مبلغًا لأسرة يتصل بها مباشرة ويدفع لها كل شهر مبلغًا، وإذا استطاع أن يدفع لعشرة يدفع، من أجل أن يكفل هذه الأسر ويكوّن علاقات إنسانية معهم وتواصلًا اجتماعيًا، وفي نفس الوقت يعيلهم، وحتى الآن هناك 500 شخص بدؤوا يدفعون للناس، ونتمنى أن يكبر المشروع أكثر وأكثر.

مشروع ثالث في لبنان فقط، مشروع إقراض، ممكن لأي عائلة تستطيع العمل ولكن لا يوجد لديها إمكانية، أن تعطى قرضًا حتى تعمل ولحين ميسرة تسدد هذا القرض، وبدأنا بألف مشروع في مختلف المخيمات، وإن شاء الله تتحول إلى 5 آلاف، هذا بالنسبة لإخواننا في لبنان.

طبعًا الوضع الفلسطيني في لبنان يتحسن كثيرًا مع الحكومة اللبنانية، ما زالت بعض العقبات السابقة في قضية التشغيل، ولكن هذه العقبات بدأت الحكومة اللبنانية والبرلمان اللبناني يزيلها واحدة تلو الأخرى، على أمل إزالتها كلها، لأنه من لم يزر لبنان لا يعرف المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

ونحن نتابع أيضًا موضوع الإخوة الفلسطينيين الذين أخرجوا من العراق وتفرقوا، ونتابع أوضاعهم إما أن نعيدهم إلى العراق إذا تحسنت الأمور، أو نحاول أن نساعدهم على الاستقرار حيث هم موجودون بانتظار عودتهم إلى أرض الوطن، وآخر مشروع كذلك إخواننا اللاجئون من 48 في مصر، وهناك أناس لا يعرفون أن هناك لاجئين من الـ48 موجودون في مصر ووضعهم صعب، وكلفنا لجنة لعمل مشاريع لهم، هذه اللجنة خلال أسبوع ستنهي عملها وستبدأ الماكينة من أجل إعطائهم أو دعمهم في هذه المشاريع.

أيتها الأخوات أيها الإخوة،

إننا ونحن نحيي في هذا اليوم ذكرى رحيل أخي الرئيس الشهيد أبي عمار، فإننا نجدد عهدنا له بأن نجسد حلمه بالدولة إلى واقع رغم كل العقبات، فلك منا كل الحب أيها الأخ العزيز وكل الشهداء حتى لا أنسى أحدًا، شهداؤنا بالألوف وعشرات الألوف من القادة إلى الكوادر، كلهم لهم التحية منا والوفاء، ولجرحانا الدعاء بالشفاء العاجل، ولأسرانا البواسل الحرية والحياة الكريمة.