خطاب السيد الرئيس محمود عباس، خلال مشاركته في حفل إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف برام الله
خطاب السيد الرئيس محمود عباس، خلال مشاركته في حفل إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف برام الله
14/2/2011
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على رحمة الله للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني في هذه المناسبة العطرة مناسبة المولد النبوي الشريف، أن أتقدم إليكم ولجميع أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية بخالص التهنئة، سائلًا الله عز وجل أن يتم علينا نعمته بالعزة والاستقلال، وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وما ذلك على الله بعزيز.
أيها الإخوة والأخوات،
تشرق علينا شمس هذه الذكرى العظيمة لتحيي فينا الأمل والثقة بأن ليل الاحتلال إلى زوال، وبأن الله منجز لشعبنا المرابط في أرضه المباركة ما وعد من نصر وتمكين، رغم كل العناء الذي واجهناه والتضحيات التي قدمنا.
بسم الله الرحمن الرحيم "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا" صدق الله العظيم.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد خاض شعبنا الفلسطيني نضالًا مريرًا وطويلًا على مدى العقود الماضية، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا ووحيدًا، هو الحرية والاستقلال وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية طوال عقود هذا النضال الوطني المقدس، البيت الذي جمع شمل الفلسطيني وعنوان الحركة الوطنية المعاصرة، وفي هذا البيت وتحت هذا العنوان انضوت كل فصائل العمل الوطني، ومنه انطلقت جميع أشكال ومستويات الكفاح ضد الاحتلال، ولم يبخل شعبنا على ثورته فأمدها بسيول من المناضلين والمناضلات، الذين تدفقوا إلى ميادين الكفاح الوطني غير آبهين بظلم البعيد أو تجهم القريب، ولم تمنع عظمة التضحيات وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى من تواصل مسيرة الكفاح التي انطلقت شرارتها لتضيء طريق الثوار إلى القدس.
لم تكن طريقنا سهلة أو مفروشة بالورود ولم تكن الظروف التي واجهتنا مثالية أو مواتية، ولكننا واصلنا خوض غمار الكفاح والواجب، حتى بدأت تباشير الصباح تشرق على شعبنا من خلف دياجير الظلم والقهر والعدوان، ولم يجد العالم بدًا من الاعتراف بحقوقنا المشروعة، والتسليم بضرورة تحررنا من الاحتلال الإسرائيلي، فكانت اتفاقية أوسلو عام 93 ثم قيام السلطة التي أردناها عام 94، وهي السلطة التي أردناها نواة دولتنا الفلسطينية المستقلة، وعملنا جاهدين طوال السنوات الماضية على أن تكون كذلك، وأن توفر لشعبنا كل مقومات الصمود والبقاء والبناء والانتصار.
أيها الإخوة والأخوات،
ربما يقول قائل: إن هذه السلطة ليست كاملة السيادة والاحتلال لم يندحر بعد عن أرضنا، نعم هذا صحيح ونحن نعرف هذا ونعترف به، ولكن رغم ذلك نحن لا يضرنا صعوبة البدايات إذا كانت الأهداف سامية نبيلة، بل ومقدسة أيضًا، ونحن أردنا هذا السلطة نقطة انطلاق نحو تلك النهايات المأمولة، كما أردناها خيمة لأولئك الذين قال فيهم صاحب هذه الذكرى العطرة، سيدنا المصطفى محمد-صلى الله عليه وسلم-: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله كذلك، قيل من هم وأين هم يا رسول الله، قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وقد بذلنا في سبيل ذلك جهودًا كبيرة وحققنا إنجازات نفتخر بها، كما واجهتنا إخفاقات نعترف بها دون أن تجبرنا على التراجع أو التنازل عن تحقيق أهدافنا، التي انطلقنا قبل أكثر من 45 عامًا من أجل تحقيقها.
واليوم أيها الإخوة والأخوات، وبعد سبعة عشر عامًا على قيام سلطتنا الوطنية الفلسطينية، فإننا نقف أمام جملة من التحديات والاستحقاقات، التي لا بد فيها من المصارحة والمكاشفة والوضوح، حتى نكون على بصيرة من أمرنا وحتى لا تخدعنا الظنون أو الشكوك أو مؤامرات التزوير والتحريف والتضليل، (تعرفونها طبعًا) التي تستهدف وعي شعبنا وترمي إلى إرباك صفنا الوطني وتفتيت بيتنا الداخلي، حاولوا من خلال بعض القنوات أن يربكونا وأن يخلقوا لنا المتاعب وأن يزوروا جهدنا، وأن يحرفوا نشاطاتنا وأن يحرفوا مقولاتنا، ولكن كان الله معنا ورد كيدهم إلى نحرهم.
أول هذا الاستحقاقات والتحديات التي نقف أمامها اليوم، هو المأزق السياسي الذي وصلت إليه عملية السلام بفعل التعنت والرفض الإسرائيلي، فالحكومة الإسرائيلية الحالية تتنكر لكل مرجعيات التفاوض التي سبق الاتفاق عليها، وفي مقدمتها مرجعية الأرض مقابل السلام، التي تعني الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة.
هذه المرجعية موجودة منذ عام 68، ولا أريد أن أقول قبل ذلك على إسرائيل بأن تنسحب من الأرض الفلسطينية المحتلة، وقد قال العالم كله بما في ذلك أمريكا: إن الأرض المحتلة يقصدون بها قطاع غزة والضفة الغربية والقدس العربية، وحوض نهر الأردن، والبحر الميت، والأرض الحرام-كانت هناك تسمية أرض حرام لمن يتذكر ويعرف أنه كان بيننا وبين الإسرائيليين قبل الحرب-وبناء عليه لا بد أن تبدأ المفاوضات على هذا الأساس.
وفعلًا بدأنا المفاوضات مع الحكومة السابقة، لكن الحكومة الحالية تتنكر لكل هذا، قلنا لهم أيضًا: عندما تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة لن نقبل وجود أي من الإسرائيليين، كل من يحمل الجنسية الإسرائيلية لن نقبله على أرضنا، لكن لا مانع لدينا أن يكون أناس آخرون من جنسيات مختلفة يراقبون ويشاهدون، ويطلعون بواجبات محدودة محددة بالزمن والمكان، إننا لن نقبل بعد أن نعلن الدولة وجودًا إسرائيليًا مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا، هذا هو مطلبنا من أجل أن نعود للمفاوضات. كذلك لا بد أن تتوقف هذه النشاطات السرطانية التي تسمى الاستيطان، وهذا شرط عرفه العالم، وقاله أوباما في القاهرة خاطب به مليارات المسلمين بالعالم، قال لهم: لا بد من وقف النشاطات الاستيطانية بما في ذلك ما يسمونه بـ(النمو الطبيعي)، مع ذلك ما زالت الحكومة الإسرائيلية ترفض ذلك، وتسمعون في كل يوم عن دولة جديدة تعترف بالدولة الفلسطينية، مجمل الدول التي اعترفت في أمريكا اللاتينية لا تقل عن 10، وهناك دول في أوروبا بدأت ترفع مستوى تمثيلنا عندها ليصل إلى مستوى سفارة أي دولة، مع ذلك ما زالت الحكومة الإسرائيلية ترفض الاعتراف بالشرعيات الدولية والمرجعيات الدولية، عندنا أكثر من 130 دولة تعترف بنا أكثر ممن يعترفون بإسرائيل، ومع ذلك يرفضون السير في عملية السلام، أنا أقول هنا إذا لم يتوقف الاستيطان وإذا بقيت إسرائيل ترفض المرجعيات فلن نعود للمفاوضات إطلاقًا، لأن المفاوضات يجب أن تكون مبنية على أساس ولن نذهب في ظلم وإلى ظلم، نحن لن نقبل، ويجب أن تكون كل الأمور واضحة ومحددة، هناك مرجعيات يجب أن تقر بها كل الأطراف لتكون مفاوضات مجدية ونافعة وتأتي بنتائجها.
إن استمرار الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي في أرضنا المحتلة يقوض كل الأسس التي دخلنا التفاوض عليها، ويجعل من إمكانية تحقيق السلام القائم على حل الدولتين أمرًا بعيد المنال، أريد أن أقف قليلًا هنا، دولتين يعني دولة فلسطينية على حدود 67 إلى جانب دولة إسرائيلية.
المرفوض والمقبول من قبل البعض الذين لا نقرهم على ذلك، الدولة ذات الحدود المؤقتة وهي تعني أن هناك دولة على 60% من الضفة الغربية، ونؤجل باقي القضايا إلى إشعار آخر، ونزعم أن بيننا وبين إسرائيل هدنة،هذا يعني أن القضية طويت إلى الأبد، هذا المشروع المطروح الذي يطرح بين الفترة والأخرى لن نقبل به إطلاقًا مهما كان السبب.
الاحتلال غير شرعي، الاستيطان غير شرعي ولو بقي ألف عام سيبقى غير شرعي، لكن لن نقر بحدود دولة ذات حدود مؤقتة، ولذلك رفضنا الاستمرار بالمفاوضات حتى يتوقف الاستيطان والتوسع الإسرائيلي بأرضنا، فلا سلام مع الاحتلال ولا سلام مع الاستيطان، ولا سلام بدون القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، ولا سلام دون حل عادل لقضية اللاجئين حسب القرار (194) هذا القرار الذي صدر في عام 1949، نسي في أدراج الأمم المتحدة عقودًا طويلة إلى أن جاءت عام 2002 (المبادرة العربية للسلام) التي قدمها الملك عباد الله خادم الحرمين الشريفين، وكون هذا المبادرة تأتي من السعودية تكتسب أهمية عظمى وكبيرة، وقيل فيها حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين.
نحن قبلنا والأمة العربية قبلت وكل الدول الإسلامية قبلت، وقالت: إذا كانت إسرائيل توافق على هذا المبادرة لا مانع لتكون بيننا وبينها علاقات طبيعية، بعد أن تنسحب من الأراضي الفلسطينية وتقوم الدولة وتنسحب من الأراضي السورية واللبنانية، لأنها كلها أراض محتلة.
ثم هذا القرار وهذه المبادرة أصبحا جزءًا من خطة خارطة الطريق، بمعنى أنها أصبحت جزءًا من إرادة العالم، وقرارًا في مجلس الأمن يحمل الرقم (1515).
إذن عندما نطالب بحل عادل لمشكلة اللاجئين، نحن لا نطالب بشيء خارق خارج عن حدود الشرعية الدولية، ولذلك عندما يقولون نحن لا نريد أن نسمع كلمة لاجئين، هذه افتراء على الحقيقة ولن نقبل ألا يكون ملف اللاجئين على الطاولة، وبهذه المناسبة لن نقبل بما يعرضونه علينا (الدولة اليهودية)، ولن نقبل هذا التعريف، وكلنا نعرف ونفهم لماذا نحن نرفض ذلك وهم يعرفون ذلك، لكننا أمام هذا المأزق الذي تقف فيه عملية السلام، وأمام هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة بأسرها، لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي أو نقول ليس بالإمكان أبدع مما كان، ممكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة من القنوط واليأس ويقول ماذا أعمل؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، لن نقول هذا بل سنطالب بحقنا الذي فرضته لنا الشرعية الدولية، وإن نضالنا السياسي والوطني سوف يستمر ويتواصل على مختلف الصعود والمجالات كافة.
أمامنا مهمات جسام وواجبات عظام، لا بد أن نتكاتف جميعًا، فلا أحد معفى من المسؤولية الدينية والوطنية في هذه المرحلة العصيبة، وأستطيع أن ألخص إستراتيجياتنا في هذه المرحلة بالواجبات التالية: إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة وبناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن والاقتصاد، وإنهاء الانقسام، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإقامة الدولة.
نحن نعمل بكل جهدنا محليًا وعربيًا ودوليًا حتى يشغل بنا العالم، وهناك دول لم يخطر على بالنا اسمها تعترف بنا وتتعاطف معنا، إقامة الدولة هدفنا ويجب أن نعمل للوصول إليه بأقصى سرعة ممكنة، إلى أن نصل إلى هدفنا، يجب أن نبني مؤسسات الدولة، بمعنى ماذا نريد؟ وكيف تكون الدولة؟ وهي تكون بداية بالأمن والأمان، وإذا لم يكن هناك أمن لا تكون هناك دولة، تكون غابة.
ثم الاقتصاد، وبالأمس سمعت رئيس وزراء مصر الجديد يقول: نريد الأمن والأمان والاقتصاد، عندما يشعر الناس بالأمن ويشعرون بالحياة الكريمة تكون الدولة قابلة للحياة، نحن نعمل على هذا ووضعنا على أنفسنا عهدًا أن هذه الدولة بمؤسساتها جميعًا ستكون جاهزة في سبتمبر القادم، والعالم يعرف أن كل جهدنا نبذله الآن لبناء مؤسسات الدولة، لكن تبقى في قلبنا غصة الانقلاب والانقسام، ودون عودة الوحدة لا نستطيع أن ندعي أو نزعم بأن لدينا دولة.
لا نستطيع أن نعلن دولة على الضفة الغربية، ولا نقبل ذلك، لا بد أن يكون شقا الوطن متحدَين، ومن هنا دعونا وندعو إلى إعادة اللحمة.
عندما حصل الانقلاب تداعى العرب وطالبونا بإيجاد قواسم مشتركة، وكلفت الشقيقة مصر-مشكورة-بهذه المهمة ووصلت إلى الوثيقة المصرية، وعرضت على قيادات (حماس) وقبلتها، هذا الكلام في أكتوبر ما قبل الماضي، ثم أرسلت لنا وجاء بها عمر سليمان وأحمد أبو الغيظ، وقال هذه الوثيقة التي انتهينا نرجوكم ألا تعدلوا بها شيئًا لأنكم إن عدلتم سيعدل الآخرون، وسيكون مسلسلً وحلقات لا أول لها ولا آخر، وفعلًا قررنا التوقيع عليها رغم الاعتراضات القوية من أطراف قوية نافذة لها نفوذها وسطوتها على كل العالم، قالت: لا توقعوا هذه الوثيقة وإلا...
ونحن وقعنا على الوثيقة كون الوحدة أثمن بكثير من أي موقف آخر، نحن-الفلسطينيين-أدرى بقضايانا، ونحن نعرف مصلحتنا ووقعنا لنفاجأ أن حماس رفضت التوقيع لأن لديها ملاحظات، ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن يرفضون التوقيع على الوثيقة، نحن حريصون كل الحرص على الوحدة، وقلنا لنذهب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، وأعلنا قبل أيام أننا مستعدون لانتخابات تشريعية ورئاسية في أقرب وقت ممكن، من الآن إلى سبتمبر، ومع الأسف جاء الجواب: كلا نريد المصالحة، فعدنا إلى البداية وأصبحنا في حيرة من أمرنا.
في عام 84 رفعنا شعار القرار الوطني المستقل، ولا نريد لأحد أن يتدخل، قضيتنا قضية عربية وإسلامية وعالمية، وعندما نتكلم عن القدس نتكلم عن كل مسيحيي العالم، ولكن في النتيجة نحن أصحاب القرار، نحن الذين نقرر، ونستشير، ونسأل، ونطلب النصيحة، ونلتقي مع لجنة المتابعة العربية من فترة إلى أخرى، لكن في النتيجة القرار قرارنا، وإذا جاء القرار من الخارج لا أحد يعرف ما مصلحة هذا القرار، ولقد جربنا هذا كثيرًا، نقول لإخوتنا: تعالوا نحتكم إلى الشعب ونعترف أنكم حصلتم على أغلبية الثلثين من قبل الشعب.
الانتخابات كانت صحيحة وليس من عهدنا تزوير الانتخابات، والعالم يشهد أننا ندير انتخابات حرة ونزيهة، وانتخابات شريفة ونظيفة، وتعالوا نحتكم لكلمة الشعب، وإذا الشعب يريدكم سنبارك لكم بذلك، وفعلناها سابقًا.
لماذا نخاف من إرادة الشعب؟ وهل نعود له مرة بالعمر عندما نكسب؟ وهل الديموقراطية لمرة واحدة؟ لا أحد يستطيع أن يحتكر إرادة الشعب.
ندعو حركة (حماس) إلى تغليب العقل وتغليب المصالح الوطنية على الحزبية والإقليمية، فالوطن أغلى.
ما حصل في تونس ومصر من حق هذه الشعوب أن تقرر ما تريد وتختار النظام والهدف الذي تريد، ونقول لهم: حمى الله تونس ومصر، ونؤكد أن تونس ومصر قدمتا لنا الكثير من أجل قضيتنا، ونأمل أن يستمر هذا، ونتمنى لهما التوفيق، وندعو الله حماية الوطن العربي، وأن يبعد عنه الظلم والعدوان.