خطاب الرئيس محمود عباس بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني
خطاب الرئيس محمود عباس بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني
17/4/2012
الإخوة القادة الأسرى في سجون الاحتلال،أبنائي الأسرى وبناتي الأسيرات،أطفالنا الأسرى الأحبة،إخوتي وأخواتي أمهات وزوجات وآباء الأسرى،أبناء وبنات أسرانا أطفالًا وشبانًا يافعين،أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان،
أحييكم أطيب تحية، وأنتم في كل يوم تجترحون معجزة تضحية ونضال وفداء وصمود، تلقنون السجان درسًا في العزة والإباء والشمم، وتقدمون من حياتكم وأعماركم أغلى وأثمن ما يمكن أن يعطيه إنسان من أجل وطنه وشعبه، إنكم اخترتم أن تكونوا حملة مشاعل الحرية والتحرر لوطنكم وشعبكم الفلسطيني، فبوركتم وبوركت همتكم وإرادتكم الصلبة التي لا تنحني ولا تلين إلا لخالقها، ولتراب فلسطين المجبول بعرق آبائكم وأمهاتكم وأجدادكم، ودماء شهداء فلسطين الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن منذ ثلاثي شهداء الثلاثاء الحمراء، عطا الزير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي، في مطلع القرن الماضي، إلى ثلاثي الشهداء كمال ناصر، وكمال عدوان، وأبو يوسف النجار، وما قبلهما وما بينهما وما بعدهما، ولا ننسى في هذا اليوم الأخ القائد الشهيد المؤسس أبو جهاد، أحد أبرز رموزنا الوطنية خلال ثورة شعبنا الفلسطيني المعاصرة، (أول الرصاص أول الحجارة)الذي تصادف ذكرى استشهاده هذا اليوم، رحمه الله رحمة واسعة، فمن كل هؤلاء نستلهم العمل والهمة والمزيد من العطاء، إلى أن تتحقق أماني شعبنا في الحرية والسيادة والاستقلال الناجز، على ترابنا الوطني الفلسطيني، بإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
إخوتي وأخواتي
أتحدث إليكم من صميم قلبي، لأؤكد لكم أن قضيتكم في قلبي وعقلي وأعماق وجداني وضميري، وإنني لأحملها والقيادة الفلسطينية، حيثما حللت وارتحلت، وهي على رأس سلم الأولويات الفلسطينية، ولن يهدأ لنا بال إلا بنيلكم جميعًا حريتكم، بحيث لا يبقى في السجون الإسرائيلية أسير من أسرى الحرية، وسنتوجه بهذا الشأن للدولة الراعية لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، لنطالب بتطبيق بنود الاتفاقية على الأرض الفلسطينية المحتلة من كافة جوانبها، ولا سيما فيما يتعلق بالأسرى الفلسطينيين، ليعاملوا كأسرى حرب، ولكي ينالوا كافة الحقوق الإنسانية لأسرى الحرب طبقًا لروح ونص الاتفاقية، وللقانون الدولي الإنساني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكافة المواثيق والشرائع التي تقضي بعودتكم لأهلكم وأسركم وذويكم سالمين.
أحبتنا جميعًا، إننا نتابع قضيتكم عن كثب، ونعمل بكل ما أوتينا من إمكانيات لتخفيف معاناتكم وعذاباتكم، ونعلم يقينًا أن ما نقدمه لا يساوي شيئًا في مقابل حجم تضحياتكم الجسيمة التي تقدمونها من أجل وطنكم، وإيصال صوت قضيتكم العادلة التي هي قضية حق وعدل وحرية وتحرر وكرامة إنسانية من الطراز الأول، وإن صمودكم وثباتكم على الحق يفضح سياسة إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال لأرضنا، التي تمارس كل أساليب القهر والقمع والتعذيب بحقكم يا أسرانا البواسل، وتطبق حينما تعجز عن تلفيق التهم والأكاذيب لأبطالنا الأسرى، قانون الاعتقال الإداري الجائر والموروث من العهد البريطاني، وقد تمت تعرية وجه الاحتلال الإسرائيلي القبيح بفضل إضراباتكم عن الطعام، ولا سيما ما قام به الأخ خضر عدنان، الذي نسأل الله أن يعود لأهله سالمًا معافى، وكل أسرانا وأسيراتنا، الذين عاهدوا الله وأنفسهم ووطنهم على المضي قدمًا في نضالاتهم من أجل الحرية والانعتاق من قبضة السجن والسجان، وزنازينه؛ كما لا يفوتنا أن نعبر عن الإشادة بكافة أسرانا الأعزاء وخاصة عميد الحركة الأسيرة كريم يونس، وابن عمه ماهر عبد اللطيف يونس، وكلنا أمل ودعاء إلى الله-تعالى-أن يفك أسر إخوتنا وأخواتنا الأسرى جميعًا قريبًا.
إخوتي وأخواتي،
تعلمون جميعًا ما تمر به عملية السلام من جمود ووصولها إلى طريق مسدود، بفعل سياسة إسرائيل وحكوماتها المتعاقبة، التي دأبت على التهرب من استحقاقات عملية السلام، وما زالت مستمرة في التوسع الاستيطاني، بإقامة آلاف الوحدات السكنية الاستعمارية على أراضينا المحتلة، وسياسة تهويد القدس والمقدسات والتطهير العرقي المبرمج، هذا إلى جانب إقامة جدار العزل والفصل العنصري، الذي يصادر مئات آلاف الدونمات من أرضنا، بل ومن أخصب أراضينا، ويسيطر على أحواض مياهنا الجوفية، ويحرم شعبنا من كل مقومات البقاء والنمو الاقتصادي والعيش الكريم، إضافة إلى الاجتياحات اليومية لمدننا وقرانا ومخيماتنا، والاعتقالات المستمرة لمواطنينا، وإقامة الحواجز العسكرية الثابتة والطيارة، التي تحيل حياة شعبنا إلى جحيم لا يطاق، وتمزق أوصال وحدة أراضينا الجغرافية، إن إسرائيل تعلن للعالم بأنها مع حل الدولتين، ولكنها في الحقيقة والواقع لا تعمل إلا على تقويضه ونسفه، ولكننا لن نعدم الوسائل والآليات لمواجهة هذه السياسة الإسرائيلية المتغطرسة، وسنعود لندق باب الأمم المتحدة من جديد للاعتراف بدولة فلسطين على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فأرضنا ليست متنازعًا عليها بل هي حقنا، التي لا بد أن نبني عليها دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس.
إن حكومة إسرائيل تريد الأرض والأمن لها وحدها، وتضرب عرض الحائط بكل المبادرات الهادفة لإحلال السلام، بدءًا من مبادرة السلام العربية، وانتهاء بخطة خارطة الطريق، فمنذ ثمانية عشر عامًا على أوسلو، وإسرائيل تراوغ وتحاور وتناور، وتتهرب من كافة الاتفاقيات الموقعة وتضرب بها عرض الحائط.
الإخوة والأخوات،
أمام هذا الواقع المرير، ليس لنا إلا المزيد من الصمود والثبات والتمسك بحقوقنا ووحدة الصف والكلمة، ومن هنا فإنني أناشدكم، أيها الأحبة الأسرى في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، بأن تحافظوا على وحدة الحركة الأسيرة داخل السجون، لأن الانقسام والفرقة تعلمون ماذا جلبا لنا وللوطن ولقضيتنا العادلة، والمستفيد الوحيد من الانقسام الفلسطيني هو إسرائيل (القوة القائمة بالاحتلال)، وهو سجانكم في سجونكم الصغيرة، مثلما هو سجان شعبكم، الذي أحال أرض وطننا إلى سجن كبير، فالوحدة الوحدة أوصيكم، واعلموا بأنكم تسكنون في وجداننا وأرواحنا، وكلمات آبائكم وأمهاتكم لا تفارقنا حينما قالت إحدى أمهاتكم لنا: "العمر بروح والأرض محلها"، نعم نريد لكم الحرية، ونعمل من أجل أن تنالوا حريتكم لتشاركوا في بناء أسركم ووطنكم، فأنتم سر بقاء الوطن والقضية، "وما ضاع حق وراءه مطالب".
أجدد لكم التحية وأشدّ على أياديكم، أيها الرجال الرجال، يا من صح فيكم قول الله جل وعلا: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا" صدق الله العظيم.
عاشت الحركة الأسيرة حرة أبية، عشتم وعاشت تضحياتكم الجليلة، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والحرية لأسرانا البواسل، وعاشت فلسطين مهدًا للحضارة والعطاء الإنساني، والتعايش والتسامح، والحرية والكرامة الإنسانية، والديموقراطية وحرية الرأي والفكر والتعبير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.