خطاب الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك
خطاب الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك
26 أيلول 2013
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
أود أن أبدأ بتوجيه التحية إلى السيد فوك إيرميتش رئيس الدورة السابقة للجمعية العامة وأن أهنئه على نجاحه اللافت في إدارة أعمالها، كما أهنئ السيد جون أش رئيس الدورة الحالية، وأتمنى له التوفيق.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
أتشرف وأسعد بأن أتحدث اليوم وللمرة الأولى باسم دولة فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أن اتخذتم في 29 تشرين الثاني الماضي قراركم التاريخي برفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب، فكنتم ممثلين لدولكم وشعوبكم تنتصرون بذلك للعدل والحق والسلام، فتؤكدون رفضكم للاحتلال وانحيازكم المبدئي والأخلاقي إلى جانب الشعوب الساعية للحرية، وأود أن أتقدم اليوم مرة أخرى باسم فلسطين وشعبها بالشكر والتقدير العميقين لكم.
لقد احتفى أبناء الشعب الفلسطيني بهذا القرار، لأنهم شعروا-وكانوا على حق-أنهم لا يقفون وحدهم في هذا العالم، بل إن العالم يقف معهم، ولأنهم أدركوا نتيجة تصويتكم الكاسح أن العدل ما زال ممكنًا، وأن هناك فسحة متاحة للأمل.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
لقد أكدت لكم خلال العام الماضي أن مسعانا لرفع مكانة فلسطين لا يستهدف نزع الشرعية عن دولة قائمة بالفعل هي إسرائيل، بل لتكريس شرعية دولة يجب أن تقام هي فلسطين، وشددت أمامكم على أن مسعانا لا يستهدف المس بعملية السلام وأنه ليس بديلًا للمفاوضات الجدية، بل على العكس تمامًا من ذلك فهو يستهدف دعم خيار السلام، وبث الحياة في أوصال عملية كانت في حقيقة الأمر في حالة موت سريري، كما أعدنا التأكيد مرارًا وأثبتنا بالممارسة أن دولة فلسطين الملتزمة بقرارات الشرعية الدولية، ستمارس دورها ومسؤولياتها بين منظومة الأمم بصورة إيجابية وبناءة وبما يعزز السلام.
وها نحن منذ أسابيع نشهد انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بفضل جهود حثيثة ومقدرة، من السيد باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة، ومن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وأؤكد أمامكم أننا باشرنا هذه المفاوضات ونخوضها وسنواصلها من جانبنا، بنوايا صادقة مخلصة وعقول منفتحة وإرادة قوية وإصرار على النجاح، وأؤكد لكم أننا سنحترم جميع التزاماتنا لتوفير المناخ المواتي والبيئة المناسبة لاستمرار هذه المفاوضات بصورة جدية ومكثفة، ولتوفير ضمانات نجاحها من أجل التوصل إلى اتفاق سلام خلال تسعة أشهر.
السيد الرئيس،السيدات والسادة،
ونحن نخوض هذه الجولة التفاوضية الجديدة فإن علينا أن نذكر وأن نتذكر أننا لا ننطلق من فراغ، ولا نبدأ من الصفر، ولا ندور في متاهة نفتقد فيها خارطة فتضيع منا الدروب، أو نفتقر لبوصلة فيغيب عن أعيننا خط النهاية ومحطة الوصول.
إن غاية السلام الذي نسعى إلى تحقيقه محددة، وهدف المفاوضات جلي للجميع، كما أن مرجعية وأسس وركائز عملية السلام والاتفاق المنشود مثبتة منذ زمن بعيد وفي متناول اليد.
أما غاية السلام فتتمثل في رفع الظلم التاريخي غير المسبوق الذي لحق بالشعب الفلسطيني في النكبة في عام 1948، وتحقيق سلام عادل ينعم بثماره الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي، وشعوب المنطقة كافة.
وهدف المفاوضات يتحدد في التوصل إلى اتفاق سلام دائم، يقود على الفور إلى قيام دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، على كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967؛ لتعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حلًا عادلًا ومتفقًا عليه وفق القرار الأممي 194، كما دعت إليه ونصت عليه مبادرة السلام العربية.
وهنا نؤكد أننا نرفض الدخول في دوامة اتفاق مؤقت جديد يتم تأبيده، الدولة ذات الحدود المؤقتة، أو الانخراط في ترتيبات انتقالية تصبح قاعدة ثابتة بدل أن تكون استثناء طارئًا، بل إن هدفنا هو التوصل إلى اتفاق دائم وشامل ومعاهدة سلام بين دولتي فلسطين وإسرائيل، تعالج جميع القضايا وتجيب على كل الأسئلة وتغلق مختلف الملفات، ما يتيح أن نعلن رسميًا نهاية النزاع والمطالبات.
أما مرجعية المفاوضات ومحدداتها وغاياتها وأسس الاتفاق المنشود فموجودة في قراركم التاريخي الخاص برفع مكانة فلسطين، وفي القرارات الأخرى والمتكررة لهذا المحفل الرفيع، وفي قرارات مجلس الأمن الدولي وهيئات جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وحركة عدم الانحياز والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي، فهذه المحددات أصبحت في السنوات الأخيرة محط ما يقترب من الإجماع الدولي الشامل.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
في مثل هذه الأيام قبل عشرين عامًا وبالتحديد في 13 أيلول 1993 وقعت منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وحكومة إسرائيل، اتفاقية إعلان المبادئ، وكان ذلك بحضور قائدنا الراحل ياسر عرفات، واسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، والرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون في حديقة البيت الأبيض في واشنطن.
وكنا قبل ذلك، في عام 1988 وتحديدًا في 15 تشرين الثاني، قد اعتمدنا في المجلس الوطني الفلسطيني برنامجنا لتحقيق السلام، وكنا بذلك نتخذ قرارًا بالغ الصعوبة ونقر تنازلًا تاريخيًا مؤلمًا وجارحًا. ولكننا امتلكنا كممثل للشعب الفلسطيني التقدير اللازم لمسؤولياتنا تجاه شعبنا، والشجاعة اللازمة لاتخاذ قرار باعتماد حل الدولتين: فلسطين وإسرائيل، على حدود الرابع من حزيران 1967، أي إقامة دولة فلسطين على 22% فقط من أراضي فلسطين التاريخية.
وكنا بذلك نؤدي قسطنا لاستكمال معادلة تحقيق التسوية التاريخية، ونسدد ما يترتب علينا من استحقاقات، ونوفي بجميع ما حددته الأسرة الدولية كمتطلبات من الطرف الفلسطيني لتحقيق السلام.
وفي الوقت الذي أكدت فيه منظمة التحرير على السلام كخيار إستراتيجي وعلى حل يأتي عبر المفاوضات، شددت على نبذها للعنف ورفضها المبدئي والأخلاقي للإرهاب بجميع أشكاله وبخاصة إرهاب الدولة، وعلى تمسكنا بالقانون الدولي الإنساني وقرارات هيئات الأمم المتحدة.
وقد أثار توقيع اتفاق أوسلو بما مثله من اختراق تاريخي حقيقي حراكًا سياسيًا غير مسبوق، وأطلق آمالًا عريضة وولد توقعات عالية، وقد عملت منظمة التحرير بكل إخلاص من أجل تنفيذه على طريق إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل.
ولكن الصورة وبعد عشرين عامًا تبدو محبطةً وقاتمةً وقد تكسرت الأحلام الكبرى وتواضعت الأهداف، وبقدر ما كنا نشعر بأننا قريبون من تحقيق السلام في تلك الأيام ندرك اليوم كم نحن بعيدون عنه، فهدف الاتفاق لم ينجز لأن بنوده لم تنفذ، ومواعيده لم تحترم، وباستمرار حملات الاستيطان المكثف الهادف لتغيير الوقائع على الأرض الفلسطينية المحتلة، كان يتم انتهاك روح الاتفاق وضرب جوهر عملية السلام وإحداث شرخ عميق في حجرها الأساسي ألا وهو حل الدولتين.
السيدات والسادة،
إن انطلاق جولة جديدة من المفاوضات خبر جيد، ولكنه يجب ألا يكون سببًا كافيًا لإثارة شعور بالاسترخاء أو لبعث إحساس مفرط بالطمأنينة لدى المجتمع الدولي، إن ما نجريه من مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة يتطلب من الأسرة الدولية بجانب دعم المسار التفاوضي، بذل كل الجهود لإنجاحه، ويكون ذلك من وجهة نظرنا بمواصلة التأكيد من قبل المنظمات الأممية والإقليمية ودول العالم، على ما تحقق كإجماع دولي حول غاية السلام وأهداف المفاوضات ومرجعياتها وأسس الاتفاق الدائم.
ومن جانب آخر، فإن الأسرة الدولية مطالبة بأن تبقى يقظة وهي تراقب الوضع، من أجل إدانة ووقف أية أفعال على الأرض تقود لتقويض المسار التفاوضي، ونقصد هنا في المقام الأول مواصلة عمليات الاستيطان في أرضنا الفلسطينية وبخاصة في القدس، هذا الاستيطان الذي أجمعت دول العالم ومنظماته الأممية والإقليمية ومحكمة العدل الدولية على عدم شرعيته وعدم قانونيته، وكان موقف الاتحاد الأوروبي بشأن منتجات المستوطنات نموذجًا إيجابيًا بارزًا، لما يمكن عمله لتوفير بيئة مناسبة للمفاوضات ولدعم عملية السلام، وأيضًا يجب أن تتوقف الاعتداءات شبه اليومية على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، التي ينذر استمرارها بأفدح العواقب.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
يعلمنا التاريخ، وهو خير معلم وإن تنوعت طرائقه، أن سياسات الحروب والاحتلال والاستيطان والجدران قد توفر هدوءًا مؤقتًا وسيطرة عابرة، ولكنها بالتأكيد لا تحقق أمنًا حقيقيًا ولا تؤمن سلامًا مستدامًا، وقد تصطنع واقعًا ما على الأرض، ولكنها بالقطع لا تنشئ حقًا ولا تكتسب شرعية، وقد تفرض استقرارًا هشًا ولكنها لن تنجح في منع انفجار محتوم؛ لأنها في واقع الأمر تمد الوضع الملتهب بوقود إضافي للتفجر، وهي قبل كل شيء وبعد كل شيء عاجزة عن إخماد توق شعب إلى الحرية، أو استئصال ذاكرته الحية أو اغتيال روايته. لذا فالمطلوب الإنصات إلى دروس التاريخ ومغادرة عقلية القوة والاحتلال والعبور إلى الفضاء الرحب؛ للاعتراف بحقوق الآخرين والتعامل الندي المتكافئ لصنع السلام، والمطلوب التوقف عن الاتكاء على ذرائع وهواجس أمنية مضخمة بهدف تكريس الاحتلال، أو استحداث مطالب تقود إلى دفع الصراع من أرضية محدداته وطبيعته السياسية إلى هاوية النزاع الديني في منطقة مثقلة بالحساسيات، وهو أمر نرفضه بحسم.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
إنني على ثقة أن الشعب الإسرائيلي يريد السلام، وأن أغلبيته تؤيد حل الدولتين، ولقد عبرنا على الدوام عن مواقفنا الثابتة وشرحناها، وأوصلنا رسالتنا سواء على طاولة المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية، أو في اتصالات ولقاءات قمنا بتكثيفها خلال الأعوام الماضية، مع مختلف أطياف وقوى وفعاليات المجتمع الإسرائيلي.
ورسالتنا تنطلق، أيتها السيدات وأيها السادة، من أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي شريكان في مهمة صنع السلام، ولهذا نواصل مد أيادينا إلى الإسرائيليين ونقول: دعونا نعمل كي تسود ثقافة السلام، لنهدم الجدران، لنبني جسورًا بدل الأسوار، لنفتح الطرق الواسعة أمام التواصل والاتصال، دعونا ننثر بذور الجيرة الطيبة، لنقترح مستقبلًا آخر ينعم فيه أطفال فلسطين وإسرائيل بالأمن والسلم، وليتمكنوا فيه من الحلم ومن تحقيق الأحلام، لنسعى من أجل مستقبل يؤمن للمسلمين والمسيحيين واليهود الوصول بحرية إلى أماكن العبادة، وتنال فيه إسرائيل، بهذا الحل، اعتراف 57 دولة عربية وإسلامية، ومستقبلًا تتعايش فيه دولتا فلسطين وإسرائيل بسلام؛ ليحقق كل شعب رهانه على التقدم والازدهار.
السيدات والسادة،
إن صنع السلام العادل هو الخيار الإنساني والمنطقي والمجدي، ونحن نؤمن أيضًا أنه خيار ممكن.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
ونحن نتحدث عن تحقيق السلام بين فلسطين وإسرائيل كمدخل إجباري لتحقيق السلام الشامل، بين الدول العربية وإسرائيل طبقًا لقرارات الأمم المتحدة، فإننا نشير إلى الواقع الملتهب والحراك غير المسبوق في منطقتنا.
وإذ نأت فلسطين بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الشقيقة، فقد أكدت بوضوح وقوفها إلى جانب مطالب الشعوب وخياراتها وحراكها الشعبي السلمي لتحقيق هذه المطالب، وما اعتمدته وتعتمده من برامج وخارطة طريق للوصول إلى غاياتها، وإذ أدنا جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا فقد أكدنا رفض الحل العسكري وضرورة اعتماد الحل السياسي السلمي لتحقيق آمال الشعب السوري.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
لقد ولدت الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات بعد النكبة في عام 1948، ولكنهم ما زالوا رغم مرور 65 عامًا عليها ضحايا مباشرين لها.
فمنذ مطلع العام الحالي، وهذا نموذج وأمثلة، استشهد 27 مواطنًا فلسطينيًا وجرح 965 مواطنًا برصاص الاحتلال، وما زال هناك نحو خمسة آلاف من مناضلي الحرية والسلام أسرى في سجون الاحتلال، فهل هناك من هو أحق من الشعب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي-آخر احتلال في العالم، نحن آخر احتلال في العالم-وتحقيق السلام العادل والعاجل؟
وفي السنوات الماضية وخلال هذا العام دفع ويدفع اللاجئون الفلسطينيون رغم حيادهم ثمن النزاعات والاضطرابات في منطقتنا، فيجبر عشرات الآلاف منهم على هجر مخيماتهم والانطلاق في تيه جديد بحثًا عن مناف أو أماكن إقامة جديدة، فهل هناك من هو أحق من الشعب الفلسطيني بنيل العدل كبقية شعوب العالم؟
ومنذ مطلع هذا العام واصل الاحتلال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، وصدرت قرارات وحيلت عطاءات لبناء آلاف أخرى فوق أرضنا المحتلة، وصودرت وأغلقت مساحات واسعة جديدة من الأرض الفلسطينية، وتم هدم 850 بيتًا ومنشأة، ويتم منع المواطنين من زراعة أراضيهم أو استخدامها في أغلبية مساحة بلادنا، التي هي 22%، ويمنعون من استخدام مياه بلدهم لري مزروعاتهم، ويواصل الجدار والحواجز تمزيق حياة الشعب الفلسطيني وضرب اقتصاده، ويشتد الحصار والاعتداءات والإجراءات القمعية التمييزية ضد القدس المحتلة ومقدساتها ومواطنيها، ويستمر فرض الحصار الجائر منذ سنوات على أبناء شعبنا في قطاع غزة، فهل هناك من هو أجدر من شعبنا بنيل الحرية والاستقلال الآن؟
ومنذ مطلع هذا العام نفذ ما مجموعه 708 اعتداء إرهابي من قبل المستوطنين، ضد مساجدنا وكنائسنا وضد أشجار الزيتون والمزارع والحقول وبيوت المواطنين وممتلكاتهم، فهل هناك ذرة شك لدى أي أحد في أن الشعب الفلسطيني هو الأشد احتياجًا للأمن؟
وأيضًا، فهل توجد هناك مهمة مطروحة على جدول أعمال الأسرة الدولية أنبل من تحقيق السلام العادل في أرض الرسالات السماوية؟ مهد المسيح-عليه السلام-ومسرى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ،ومثوى سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلامالسيدات والسادة،
إن الشعب الفلسطيني إذ يواصل صموده فوق أرضه ويبني مؤسسات دولته ويسير على طريق تعزيز وحدته، وتحقيق المصالحة بالعودة إلى صندوق الاقتراع، ويتبنى المقاومة الشعبية السلمية لمواجهة بطش الاحتلال والاستيطان وإرهاب المستوطنين، فإنه متمسك بحزم بحقوقه، وهو لا يريد أن يبقى "خارج المكان" كما قال إدوارد سعيد، وينتظر اليوم الذي تتوقف فيه قضيته عن كونها بندًا ثابتًا على جدول أعمال هيئات الأمم المتحدة، إن شعبنا يريد أن يمتلك الحرية، عطية الله للإنسان، وأن يحظى بنعمة ممارسة الحياة العادية، ونحن كما قال محمود درويش: "نربي الأمل" وسنكون يومًا ما" نريد شعبًا حرًا سيدًا فوق أرض دولته فلسطين.
السيد الرئيس،
لقد كنت شخصيًا إحدى ضحايا النكبة، وكمئات الألوف من أبناء شعبي اقتلعنا في عام 1948 من عالمنا الجميل، وقذف بنا إلى المنافي، وكمئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين عرفت كفتى وجع الغربة، وفجيعة فقد الأحبة في المجازر والحروب، وتعقيدات بناء حياة جديدة من الصفر، وتجرعنا في مخيمات اللاجئين وفي الشتات مرارات الفقر والجوع والمرض والمهانة وتحدي تأكيد الهوية.
لقد سار شعبنا في طريق الثورة المسلحة وهو ينهض من رماد النكبة ويلملم شظايا روحه وهويته، ليطرح قضيته على العالم ويكرس الاعتراف بحقوقه، وسرنا في الطريق الصعب وقدمنا تضحيات غالية وثمينة، وكنا في كل الأوقات نؤكد سعينا الحثيث من أجل صنع السلام.
لقد وقعت باسم منظمة التحرير الفلسطينية قبل عشرين عامًا اتفاق إعلان المبادئ، وقد عملنا بإخلاص ودأب من أجل تنفيذه مثبتين للجميع احترامنا لالتزاماتنا ومصداقية مواقفنا، ولم تنجح الإخفاقات المتتالية في أن تهز إيماننا القوي بهدف السلام العادل، وسنواصل السعي بلا كلل ولا ملل من أجل تحقيقه، وأملي الخاص، الشخصي، أن أشهد اليوم الذي يحل فيه السلام العادل كي يسلم جيل النكبة إلى الأبناء والأحفاد راية دولة فلسطين المستقلة.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
الوقت ينفد، ونافذة الأمل تضيق، ودائرة الفرص تتقلص.
وها هي جولة المفاوضات تقدم ما يبدو كفرصة أخيرة لتحقيق السلام العادل، إن مجرد التفكير في العواقب الكارثية للفشل والتبعات المخيفة للإخفاق، يجب أن يدفع المجتمع الدولي إلى تكثيف العمل من أجل اغتنام هذه الفرصة.
السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
دقت ساعة الحرية للشعب الفلسطيني.
دقت ساعة استقلال فلسطين.
دقت ساعة السلام للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.
وشكرًا، والسلام عليكم.