الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

كلمة الرئيس محمود عباس، في حفل افتتاح المقر الجديد للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون

كلمة الرئيس محمود عباس، في حفل افتتاح المقر الجديد للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون

 

 رام الله-4 شباط 2015

مررنا بالأمس بحادث جلل، وهو اغتيال أحد الضباط الأردنيين معاذ الكساسبة من قبل (داعش)، التي اغتالته بطريقة قد لا تكون لها سابقة، ما حصل بالأمس حادث فظيع، ونعزي أنفسنا ونعزيهم لأننا شعب واحد، ما  يؤلمهم يؤلمنا، وما يزعجهم يزعجنا، وما يصيبهم من مكروه بالتأكيد يصيبنا، ونحن نعلن حزننا وأسانا وأسفنا على هذا الحدث، ونبعث لجلالة الملك وللشعب والحكومة الأردنية، ولأهل الشهيد البطل، ولنا نحن-الفلسطينيين-لأننا جزء لا يتجزأ، التعازي الحارة، ونقول للمجرمين القتلة السفاحين إن هذا لا يمكن أن يدوم وهذا عهد طارئ في تاريخنا لا يمكن أن يستمر ويبقى.

إن هذه الوحشية لن تستمر لأن إرادة الشعوب أقوى من كل المجرمين، والإسلام بريء منهم وليس هذا الإسلام، فالإسلام دين الرحمة والتسامح وليس دين الذبح والقتل، وهذا الحادث أليم وصعب للغاية "إنا لله وإنا إليه راجعون".

نفتتح اليوم هذا المبنى الجديد للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، كنا نحلم بهذا في الماضي، أن نسمع كلمة (هنا فلسطين)، وكنا محرومين منها، ومنكم من يتذكر في الخمسينيات، كانت كلمة فلسطين محرمة وممنوعة، ولا يمكن أن تسمع اسم فلسطين إلا في وكالة الغوث وكانوا يقولون (لاجئين).

بقى الحلم لسنوات طويلة، نتوق إليه ونتمنى الوصول له، لم نكن نسمعه طيلة الخمسينيات ومطلع الستينيات، كنا كباقي العالم والشعوب، نريد أن نسمع كما كان هنا الإذاعة اللبنانية والسورية والعراقية، الإذاعة الفلسطينية ولم نكن نسمعها، هل هذا كان محرمًا علينا؟ كانت مرحلة في غاية الصعوبة، وكأننا كنا نشعر أن هؤلاء الناس غير موجودين، حتى الصراع العربي-الإسرائيلي أصبح صراع حدود وقضايا إنسانية لم يكن أكثر من ذلك.

إن إرادة الشعب الذي أراد أن يعبر عن نفسه بأي طريقة، يريد أن يثبت اسمه على خارطة العالم ويقول نحن أصحاب حق وأصحاب قضية ووطن سليب، ونريد تحرير وطننا والعودة إليه، وبدأ الصوت يظهر، أول ما ظهر صوت فلسطين كان في القاهرة عندما قامت المنظمة، ولا تتصوروا الفرحة عندما سمعنا لأول مرة صوت فلسطين.

منذ 1964 يعود الفضل للمرحوم أحمد الشقيري، الذي قال إنه استدعي من قبل الجامعة العربية ليكون ممثلًا للجامعة العربية في فلسطين، وهذا تناهى إلى مسامعهم، وقالوا للشقيري اذهب لفلسطينيين حيثما وجدوا في الشتات والخليج وافهم لنا ماذا يريدون، وذهب مندوبًا للجامعة العربية وعاد مندوبًا لفلسطين في الجامعة، وفرض نفسه وجلس كممثل لفلسطين في الجامعة، وأنشأ منظمة التحرير والصندوق القومي وجيش التحرير الفلسطيني، وأول إذاعة فلسطينية تقول: هنا صوت فلسطين في القاهرة، واستمرت الحكاية لنرى اليوم هذا المبنى لإيصال صوت فلسطين لكل مكان خاصة في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة التي تحتاج للعناية والدقة، ونحن لا نريد أن نذهب بشعبنا للمهالك بل إلى النصر والاستقلال، وهذه مهمة على الساسة وصانعي القرار والإعلام الذكي الذي يستطيع أن يوصل الرسالة إلى كل مكان.

من المهم جدًا أن يشاهد كل فلسطيني يعيش في أستراليا وكندا وإفريقيا، تلفزيون فلسطين، ولكن الأهم أن يسمع ويرى إعلامًا حرًا مفيدًا وعقلانيًا، إعلامًا حرًا يقول ما يريد بحدود الحرية والسير بالخط الوطني دون الاعتداء على حقوق أحد.

هناك أنواع من الإعلام، منه ما هو موضوعي وآخر تحريضي، تحريضي بادعاء أنه مهني وهو يخرب ويقود إلى المهالك، وهذا ما لا نريده، نريد إعلامًا يقول ويفعل باسم المهنية ما يريد.

المطلوب هو أن يكون لدينا إعلام يتناول قضيتنا الوطنية والقومية، ويجب أن يتناول القضايا القومية بشكل موضوعي، وهدفنا الأساسي هو المصلحة القومية، بهذه الطريقة يكون لدينا إعلام سلطة رابعة بالتعاون مع السلطات الأخرى الثلاث، يفعل الصحيح، ويوصل المعلومة الصحيحة دون أن يعتدي على أحد.

 

إن ما نحتاجه هو تطوير تلفزيون فلسطين، حتى يستحوذ على انتباه الجمهور وطنيًا وإقليميًا ودوليًا، عبر التحليل والمعلومة الصحيحين.

لا بد لنا ونحن في مرحلة جديدة، مرحلة إعلامية جديدة، ليس المقصود أن المبنى سيغير كل شيء المقصود المبنى والمعنى والمضمون، بإمكانك أن تذيع من أي مكان وتعطي معلومات صحيحة، إنما المبنى يساعدك أن تصل للمستمعين وتكسب ثقتهم، الإعلام الفلسطيني مر بتجارب صعبة جدًا وعنيفة جدًا، وكان يتنقل أحيانًا بسيارة من بيت لبيت، والذين عملوا في ذلك الوقت هم أبطال، وكثير منهم ما زال حيًا وكثير منهم استشهد، وأريد أن أذكر بعض الأسماء، ماجد أبو شرار، رجل الإعلام، وكمال ناصر رجل الإعلام الأول في المنظمة، وغسان كنفاني، وهاني جوهرية الذي قتل في المعركة وهو مصور تلفزيوني، وكمال عدوان، صاحب الأفكار أو معمل الأفكار والعقل اللامع المبهر، وسليمان أبو جاموس، وجورج عسل، وميشيل النمري، ومطيع إبراهيم، وعمر مختار، وخالد العراقي، وخليل الزبن، رجل الإعلام الذي قتل، لأنه صوت إعلامي، وأعتذر أنني لم أذكر كل الأسماء، أسماء هؤلاء المحاربين، الذين حملوا البندقية، وفؤاد ياسين وهو أستاذ جميع الإعلاميين، فكل من مر على صوت فلسطين مر على يد فؤاد ياسين وتعلم منه الإعلام واللغة العربية السليمة، رحمة الله عليهم.

هؤلاء الأبطال جميعًا الذين لا يمكن أن ننساهم ويجب أن نتبع خطواتهم؛ لأننا لا نستطيع الاستهانة بالإعلام، كنا نقول كلام جرائد، ولكن لا، ولكن لا، لأن الإعلام يستطيع أن يترجم القرار السياسي، وكيف يتعامل ويجعل الجماهير تتعامل مع القرار السياسي.

البعض يقول نحن ملتزمون في المفاوضات، مفاوضات من أجل المفاوضات، نحن التزمنا بالمفاوضات السلمية، وإذا أردنا أن نقاوم فنحن نلتزم بالمقاومة السلمية وكسبنا العالم، كان هذا هو الطريق الذي أجمعنا على أن نسير فيه، ونعرف أن الطرف الآخر ليس سهلًا أن يقتنع بضرورة السلام، ولكن علينا أن نستمر في هذه السياسة؛ لأن الخيارات تكاد تكون معدومة.

وكل خطوة نخطوها كان كل شخص مسؤول عندنا أو في العالم العربي أو أمريكا أو أوروبا أو إسرائيل، يعرف أين نذهب، فنحن نريد المفاوضات، ولكن إذا لم تحصل، نريد أن نذهب للمؤسسات الدولية، وربما كان أحد الأسباب لنذهب لمجلس الأمن في عام 2011 ونُفشل، ثم نذهب في عام 2012 ونحصل على صفة دولة مراقب، وهناك فرق بين دولة مراقب أو منظمة، لأنها فتحت أمامنا أبوابًا كثيرة ومنها المنظمات الدولية، فنحن شعب مظلوم.

المفاوضات لها راع هي أمريكا، وهي قادرة على قول كلمة الحق، وعندما لم تقلها فإن هناك الأمم المتحدة لتقول هذه الكلمة، ثم كانت نهاية العام الماضي وقلنا إذا لم يحصل شيء وإذا لم نحصل على قرار من مجلس الأمن، يضع الأرضية الخاصة للمفاوضات وقضية الحدود فلا بأس، وعلى بركة الله ذهبنا لمجلس الأمن، وقالوا إذا حصلتم على 9 أصوات في المجلس سنستخدم الفيتو، ولكن في آخر لحظة لم نحصل على تلك الأصوات التسعة، حيث انسحبت إحدى الدول في آخر الطريق لأسباب فنية معنوية "بطلت"، فماذا نفعل، كانت الخطوة التي تلي ذلك هي أن نذهب لمحكمة الجنايات الدولية، لأنه طالما لم ينصفنا الراعي الأمريكي ولم نتمكن من الوصول لقرار في مجلس الأمن؛ فهناك محكمة الجنايات الدولية التي يمكن أن تنصفنا، ولكن واجهونا بسؤال: لماذا؟ فلا يجوز أن تذهبوا إليها.

قلنا: إلى أين نذهب؟ فنحن نريد حلًا، فكانت هذه جريمة من وجهة نظرهم أدت لعمل بلطجي، وهو منع الأموال التي يجمعونها باسمنا ويأخذون عليها نسبة بمقدار 3%.

من حقنا أن نذهب للمحكمة، وليس من حقهم منع الأموال، وأبلغنا أنها ستحجز للشهر الثالث على التوالي، ونحن في هذه الحالة سنتحمل، لأنه لا يمكن أن نساوم ونقول سنتراجع عن الانضمام لمحكمة الجنايات مقابل منحنا الأموال، ولدينا إجماع وطني يرفض هذه المساومة، فحقنا لا يمكن أن نتنازل عنه، وليس من حقكم منع الأموال.

 

لدينا خطوات أخرى وسنعرضها على المجلس المركزي في اجتماعه المقرر أواخر الشهر الجاري، لكن أن يبقى الحال على ما هو عليه فهذا لا يمكن، سنذهب لكل مكان يمكننا الذهاب إليه والانضمام إليه، فنحن نطالب بالحق.

ومن هنا أطالب الإعلام بأن يواكب الحدث لحظة بلحظة وتمتزج الآراء، ربما يقول أحدهم: "انتو غلطانين في كذا وكذا"، يعني فلسطينيو كندا علينا أن نسمعهم، صوت الشعب الفلسطيني في أي مكان، وهذا دوركم في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

 

مرة أخرى أعلن إدانتي الشديدة لما جرى مع أهلنا وإخوتنا في الأردن، ونشد على أيديهم، ونحن وإياهم في مركب واحد ما يصيبهم يصيبنا، ونرجو الله أن تتوقف مثل هذه الأعمال البشعة الصعبة الإجرامية التي تأتي مع الأسف الشديد باسم الدين، والدين منها براء.

ابعث بتحية لأرواح  شهدائنا البواسل كل أرواح الشهداء، وبالذات أخص أخانا أبو عمار الذي أنشأ هذه المحطة قبل أن يصل من تونس، والذي كان يشرف أيضًا على المحطات الإذاعية في كل مكان، ولجميع الشهداء، ونتمنى لأسرانا البواسل الحرية.

 

والسلام عليكم.