الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

كلمة الرئيس محمود عباس في قاعة البرلمان اليوناني، عقب التصويت بالإجماع لصالح الاعتراف بدولة فلسطين

 

كلمة الرئيس محمود عباس في قاعة البرلمان اليوناني، عقب التصويت بالإجماع لصالح الاعتراف بدولة فلسطين

 

22 كانون الأول 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

معالي السيد نيكوس فوتسيس رئيس البرلمان اليوناني،

السيدات والسادة، أعضاء البرلمان المحترمون،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا اليوم هو عرس يوناني-فلسطيني بامتياز، وهو إن دل على شيء إنما يدل على عمق العلاقات التاريخية والإنسانية التي تربط بين الشعب اليوناني والشعب الفلسطيني، قد تختلف أحزابكم فيما بينها على قضايا كثيرة، لكنها لا تختلف ولن تختلف على القضية الفلسطينية، والدليل ما حصل قبل دقائق في مجلس النواب، إذ إن جميع الأحزاب والنواب صوتوا باتجاه واحد باسم الشعب اليوناني من أجل الاعتراف بدولة فلسطين، شكرًا لكم.

بداية أتقدم بخالص الشكر وعميق التحية والتقدير لبرلمانكم الموقر على هذه الجلسة الاحتفالية الخاصة، لمناسبة التصويت التاريخي والتوصية للحكومة اليونانية للاعتراف بدولة فلسطين.

حيث اتفق البرلمان بالإجماع، وبمختلف أحزابه على دعم فلسطين، وهو بذلك استحق أن يكون تصويتًا تاريخيًا.

كما أشكر سعادة رئيس البرلمان ونواب الرئيس، وجميع الأعضاء الحاضرين معنا اليوم، على هذا الاستقبال الدافئ، والكبير، الذي لقيناه منكم، وهو تعبير عن عمق علاقات الصداقة التاريخية التي تجمع بين اليونان وفلسطين وشعبيهما، التي نحرص دوما على تنميتها وازدهارها كما تحرصون، فشكرًا جزيلًا لكم.

ونحن لا ننسى مواقفكم الثابتة والمبدئية مع فلسطين وفي كل المراحل، من أجل تمكين شعبنا من نيل حريته واستقلاله، وإنني على يقين وثقة بأن تصويتكم اليوم سيترك لدى شعبنا الفلسطيني أصداء طيبة وعظيمة، معربًا لكم في هذه المناسبة التي نبتهج فيها باستقبال العام الميلادي الجديد 2016، ونحتفي سويًا فيها بأعياد الميلاد المجيدة، راجين لكم ولشعوب العالم كافة عامًا سعيدًا وأعيادًا مجيدة.

 

السيد الرئيس،

السيدات والسادة،

لقد عقدنا لقاءات ناجحة ومثمرة بالأمس مع كل من فخامة رئيس الجمهورية بافلوبولوس-ورئيس الحكومة تسيبراس بهدف تعزيز العلاقات المشتركة بين البلدين، وقد اتفقنا على استمرار التنسيق والتشاور وأهمية إنشاء لجنة حكومية مشتركة، وتعزيز العلاقة بين رجال الأعمال في البلدين.

أحمل اليوم من شعبنا الفلسطيني، رسالة حب وتقدير، وتمنيات لليونان وشعبها، لتحقيق كل ما تصبون إليه من تنمية اقتصادية وتقدم وازدهار، ونحن على ثقة بأنكم قادرون على تخطي الصعاب وتذليل العقبات، فأنتم بلد الحضارة والفكر والفلسفة والإبداع، ولدينا وطيد الثقة بأنكم ستظلون كذلك.

 

السيد الرئيس، أعضاء البرلمان،

 آتيكم من فلسطين، أرض القداسة والسلام، التي ترتبط ببلدكم وشعبكم الصديق بعلاقات روحية وتاريخية، تميزت على الدوام بالمتانة والصدق والصراحة، لأطلعكم على الأوضاع الصعبة والخطيرة التي ما زال يمر بها شعبنا وقضيتنا منذ قرابة سبعة عقود، حيث ما زال الاحتلال الإسرائيلي مستمرًا على أرض دولة فلسطين، وما زالت إجراءات الاحتلال مستمرة في التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وإقامة جدار العزل والفصل العنصري، وامتهان للمقدسات المسيحية والإسلامية في القدس وبيت لحم وحتى داخل (إسرائيل)، وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة، وقد حذرنا مرارًا وتكرارًا من مغبة الانحراف بالصراع من طابعه السياسي والقانوني بيننا وبين الإسرائيليين إلى صراع ديني، لا نقبل به، وستكون نتائجه وخيمة على جميع المنطقة.

عندما يحاولون تحويل الصراع من سياسي قانوني إلى ديني هذا سيعطي الذريعة لكل الأطراف المتطرفة من (داعش) وغيرها لتتحدث بلغتها، وتتكلم بلهجتها وتقول بما تريد بأنها هي من تحمي الإسلام، والإسلام بريء منها ومن غيرها، لذلك لا نريد أن نعطي سلاحًا للمتطرفين، يجب أن تبقى المشكلة بيننا وبين الإسرائيليين سياسية لا يجب تحويلها لقضية دينة إطلاقًا، ومن هنا نقول: لا بد من حماية وعدم الاعتداء على الأقصى والكنيسة وبقية المساجد والكنائس في الأراضي الفلسطينية.

دعونا من هذه القضية لنتكلم حول الاحتلال حول الاستيطان والجدار العنصري الذي لا يزال يبنى إلى الآن بيننا وبين الإسرائيليين، نحن لا نريد جدارًا يفصل بيننا، نريد جسرًا يوصل بيننا، نحن جيران وسنكون في المستقبل أصدقاء، ما الذي يمنع ذلك؟ نحن لسنا ضد اليهودية إطلاقًا ولا نستطيع أن نكون ضد اليهودية، اليهودية دين محترم نحترمه جميعًا ونقدره لكن مشكلتنا مع الاحتلال الصهيوني.

 

السيدات والسادة،

 إن فلسطين ما زالت ترزح تحت أطول احتلال قمعي وإحلالي عرفته الإنسانية في الوقت المعاصر، من المؤسف أن الإسرائيليين يقولون إما نحن أو أنتم في هذه الأرض المقدسة، نحن نقول لهم هذه الأرض لنا ولكم نتعايش نحن وأنتم، وهم يقولون: إما نحن أو أنتم، وطبيعة الحال هذه لا يمكن أن يحصل ولا يمكن للعالم المتحضر أن يقبل ما نطلق عليه الاستعمار الإحلالي، أي أن يحل شعب مكان شعب آخر، هذا لا يمكن أن يحصل، احتلال لا يحترم القوانين الدولية، وجرائم مستوطنيه البشعة ضد أبناء شعبنا والمحمية بجيشها وشرطتها، تمر دون عقاب أو حساب، وإن ما تشهده بلادنا من أحداث، ناتج عن استمرار الاحتلال، وانعدام الأمل بالمستقبل.

وأود أن أشير إلى ما تعيشه منطقتنا من عنف وإرهاب ندينه بكل ما في الكلمة من معنى، ونؤكد أن تجفيف مصادر تمويله ودعمه وإرساء العدالة في فلسطين من شأنه أن يسحب الذرائع من أولئك الذين يستخدمون قضية فلسطين والقدس مطية لأهدافهم، نريد نضالًا سلميًا، مظاهرة سلمية، حديثًا سلميًا، مناقشات حول دول العالم بالطرق السلمية، نريد أن نتفاوض ونجلس على الطاولة للحديث عن رؤية الدولتين الذي تعترف به كل دول العالم، رؤية الدولتين على حدود 67 القدس الشرقية عاصمة لنا، ونحل باقي القضايا ونعيش بأمن واستقرار، ما زلنا إلى الآن نمد أيدينا للإسرائيليين.

وبهذا الصدد، فإنني أكرر ما قلته سابقًا، إنه لم يعد من المفيد تضييع الوقت، والمطالبة بمفاوضات من أجل المفاوضات هذا لا يمكن، إلى متى ننتظر؟ نحن الآن 68 عامًا صراعنا قائم، نحن الشعب الوحيد في العالم ما زال تحت الاحتلال، نحن شعب متحضر ومتعلم ومثقف، وشعب محب للسلام، لماذا نصاب بهذا؟ هل يرضى العالم هذا علينا؟ ننظر إلى القارات كلها دول مستقلة كبيرة وصغيرة، لماذا الشعب الفلسطيني لا يتمتع بهذا؟ نحن منذ أوسلو حيث وقعنا اتفاقًا واحترمناه ومع الأسف لم يحترموه، ومنذ ذلك الوقت إلى الآن تجري حوارات عقيمة  بلا فائدة، تعالوا نجلس على الطاولة هناك احتلال لننهي الاحتلال، ما هو المطلوب منا؟ نحن جاهزون، ومطلوب منكم إنهاء الاحتلال كلمات بسيطة تبدو لنا أحيانًا مستحيلة، متى نعمل المستحيل حقيقة واقعة؟ خاصة بعد أن أفشلت حكومات إسرائيل المتعاقبة كل فرص السلام منذ مؤتمر مدريد، مع ضرورة البحث عن بدائل عملية لها، وهذا ما يجعلنا نؤكد مجددًا بأنه لا يمكننا الاستمرار لوحدنا في الالتزام بتنفيذ الاتفاقات المشتركة، التي نقضتها إسرائيل وتستمر في نقضها.

السيد الرئيس، السيدات والسادة،

 أود هنا أن أعبر عن تثميننا العالي لقرارات دول الاتحاد الأوروبي، تجاه منتجات المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية، كما نقدر عاليًا مواقف الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، وندعو الدول التي تؤيد حل الدولتين، ولم تعترف بعد بفلسطين، أن تقوم بذلك، ونحن متأكدون من هذا.

ما أريد أن أقوله هنا: يوجد على أرض 1967 ما يقارب 600 ألف مستوطن، كل يوم تبنى مستوطنة في نفس الأرض التي احتلت عام 1967، لماذا تبني هذه المستوطنات؟ وتستطيع أن تبني على أرضك ما شئت، إنما بناؤك على الأرض التي احتلت عام 67 فأنت تعقد القضية ولا تريد البحث عن حل، أنا أريد البحث عن حل، وبالمناسبة إذا حصل سلام بيننا وبين إسرائيل فإن جميع الدول العربية والإسلامية، وهي 57 دولة كلها تعترف بإسرائيل في نفس اللحظة وترفع علمها في إسرائيل في نفس اللحظة، وهذا ما أقره العرب في بيروت، ثم المسلمون، على أن نمد أيدينا لإسرائيل لنحصل على السلام، ما هو طلبنا؟ أن تنسحب من الأرض المحتلة وما هو المطلوب منا؟ أن تعترف كل الدول من إندونيسيا إلى موريتانيا بإسرائيل، فلنتصور هذه الهدية الثمينة التي تقدم لإسرائيل، بدلًا من أن عيشها في جزيرة معزولة أن تعيش في محيط واسع، يستطيع أي إسرائيلي أن يتنقل سائحًا زائرًا بينها، من هنا يبدأ السلام ومن هنا نقضي على الإرهاب، هذه هي الطريق لنقضي على الإرهاب من (داعش) وغيرها، نأمل أن يقتنعوا بهذا الكلام ونصل إلى السلام معهم.

 

السيد الرئيس، السيدات والسادة،

 إن المجتمع الدولي بأسره مطالب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بتوسيع المشاركة الدولية لتحقيق السلام، وفق ما جاء في المبادرة الفرنسية، بمعنى هناك لجنة رباعية من أمريكا والأمم المتحدة وأوروبا وروسيا لم تتمكن من أن تفعل شيئًا، وقلنا لا مانع ونتمنى من توسيع هذه اللجنة لتصبح هناك ممثليات من بعض الدول الأوروبية والعربية والآسيوية لتشكل ضغطًا من أجل السلام، وهي التي تقرر ونحن نعلن ما تقرره هذه اللجنة، إذا أرادت أن ننصاع إلى كلامها بالكامل ونتمنى أن يحصل هذا.

كذلك نريد ونطالب بتوفير نظام حماية دولية لشعبنا، نحن عزل ليس لدينا سلاح ولن يكون لدينا سلاح لكن يعتدى علينا كل يوم، نطلب من العالم أن يحمينا، أن تكون هناك قوة تحمينا تقول هذا حق وهذا باطل، لذلك نلح بطلب الحماية الدولية من الأمم المتحدة لشعبنا لنستطيع أن نعيش بأمان، كل ما نريده رؤية الدولتين التي يعترف بها كل العالم سواء في الجمعية العامة في القرار 67/19، دول أوروبا جميعًا تقول: دولتان على حدود 1967 والقدس الشرقية عاصمة وباقي القضايا تحل، ونجلس لنحل باقي القضايا ومتأكد أننا سنجد الحلول اللازمة لها.

 

السيد الرئيس، السيدات والسادة،

 إن أيدينا ما زالت ممدودة للسلام العادل والقائم على الحق وطبقًا للقانون الدولي، لا نطالب بشيء أكثر من القانون الدولي أين الخطأ في ذلك؟ عندما يختلف اثنان يذهبان إلى محكمة نحن نذهب إلى الأمم المتحدة وقراراتها وقرارات دول العالم ماذا تقول نحن نوافق على ذلك، ماذا يقال لنا نحن نوافق على ذلك، لكن لا يستطيع أحد أن يكون فوق القانون لأنه إن كان هناك أحد فوق القانون ستكون هنالك فوضى، والفوضى التي يعيشها الشرق الأوسط وتعكس نفسها على كل دول العالم بإرهاب ولاجئين وغيرهم؛ لأن هؤلاء المتطرفين يعتبرون أنفسهم فوق القانون أو يطبقون القانون الذي يريدون، وهذا لا يمكن، هناك شريعة دولية على العالم أن يحترمها وإلا ستكون هناك فوضى لا يستطيع أحد التحكم بها.

 

إن الطريق للأمن والسلام في منطقتنا يمر عبر تحقيق العدل والأمن للجميع، ولا أبالغ إن قلت لكم أنها تكاد تكون الفرصة الأخيرة المتبقية لتحقيق حل الدولتين وجعل السلام واقعًا ملموسًا، تجني ثماره الأجيال القادمة في منطقتنا والعالم، وبعد الفرصة الأخيرة ستكون الخيارات الفوضوية التي لا نريدها، علينا أن نساير الجميع لكي نحقق السلام، لكن إن حصل فهذه الفرصة الأخيرة وتفشل، هذه كارثة على كل العالم.

 

السيد الرئيس، السيدات والسادة،

 مرة أخرى أشكركم على هذا التصويت الشجاع الذي يعبر عن المسؤولية وكما قلت في البداية: رغم أن هناك أحزابًا مختلفة وأيديولوجيات مختلفة في قضايا كثيرة مختلفة، لكن قضية فلسطين هي التي جمعت هذا البرلمان، وإن دل هذا على شيء إنما يدل على أصالة هذا الشعب وعمق ثقافة هذا الشعب، وعمق العلاقة التاريخية بيننا وبين هذا الشعب، وإيمان الشعب اليوناني بالعدالة اليونانية وبالذات بقضية فلسطين.

 

 وأختم كلمتي بخالص التمنيات لليونان وشعبها الصديق بدوام الرخاء والتقدم، ولبرلمانكم العتيد تحقيق المزيد من الإنجازات لبلدكم وشعبكم.

 

والسلام عليكم.