الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

خطاب السيد الرئيس في الذكرى التاسعة عشرة لإعلان الاستقلال في رام الله

 

خطاب السيد الرئيس في الذكرى التاسعة عشرة لإعلان الاستقلال في رام الله

15/11/2007

بسم الله الرحمن الرحيم

أيتها الأخوات، وأيها الإخوة،

يا أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات،

أتوجه إليكم اليوم، وفي هذه المناسبة التاريخية لأؤكد لكم جميعًا، وللعالم بأسره، بأننا مصممون اليوم وأكثر من أي وقت مضى على تحقيق وإنجاز استقلالنا رغم كل الصعوبات والعراقيل، فهذا الشعب البطل الذي صنع الثورة المعجزة في ظل أصعب الظروف وأقساها، استطاع عبر تضحيات مئات الآلاف من أبنائه أن ينتزع اعتراف العالم بوجوده وبحقوقه، وأصبحت منظمة التحرير الفلسطينية التي قادها رئيسنا الراحل أبو عمار، رمزًا لكل معاني الحرية لشعوب العالم.

أعلم قبل غيري أن المصاعب والتحديات كثيرة ومتشعبة، ولكنني عندما أنظر إلى الوراء، يوم انطلقت ثورتنا عام 1965، ويوم صدر إعلان الاستقلال في مجلسنا الوطني عام 1988، فإنني أعلم أيضًا علم اليقين، كم حققنا من إنجازات، كان أهمها أننا لم نعد لا بالنسبة للعدو ولا للصديق مجرد قضية لاجئين، بل نحن شعب حي مصمم على إقامة دولته التي ستولد-بإذن الله-فوق أرضنا وعاصمتها القدس الشريف، دولة لكل فلسطيني وفلسطينية، دولة نعيش فيها أحرارًا في وطن سيد حر مستقل.

وإذ كان من واجبي أن أصارحكم اليوم، كما هو عهدي معكم منذ أن تحملتُ مسؤوليةَ قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، فإنني أود أن أؤكد لكم في يوم الاستقلال المجيد، أننا نعمل وبشكل حثيث، من أجل أن يُشكِلَ مؤتمر السلام القادم نقطة انطلاقٍ جديةٍ وحاسمةٍ نحو الوصول إلى حل عادل يضمن حقوق شعبنا بأسره، شعبِنا الواقع تحت الاحتلال، والطامح نحو الحرية والاستقلال، وشعبنا اللاجئ والصامد الذي يسعى للعودة إلى أرض وطنه.

إننا نبذل أقصى الجهد مع أشقائنا العرب الذين التقيتهم، فخامة الرئيس حسني مبارك، وجلالة الملك عبد الله (عاهل الأردن)، وكلِ القادة الذين نتصل بهم حتى يحقق المؤتمر القادم للسلام الهدف الذي نُجمع عليه كلنُا وهو سلام الشجعان، سلام راسخ يضمن الحقوق ولا يُفرط بها، ويحمي مصالحنا الوطنية ولا يُضيّعها، ويصونُ مستقبلنا ومستقبل كل شعوب المنطقة حولنا.وسوف ألتقي غدًا خادم الحرمين الشريفين-جلالة الملك-عبد الله بن عبد العزيز، الذي نثق بحكمته ورؤيته وحبه لفلسطين والقدس الشريف؛ حتى ننسق خطواتنا ونوحدها-بإذن الله-نحو إنجاز أهدافنا المشتركة، كما نصت عليها مبادرة السلام العربية التي أطلقها جلالته، وصارت بعد ذلك مبادرة يُجمع عليها العالم بأسره، ويجب أن يَستند إليها مؤتمر السلام القادم، كما نقوم أيضًا بالتنسيق والتشاور مع أشقائنا قادة دول الخليج العربي، الكويت، والإمارات العربية المتحدة، البحرين، وقطر، وسلطنة عمان، وأشقائنا في العراق وسوريا ولبنان والسودان واليمن ودول المغرب العربي، والمغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا وسائر الدول العربية، كما نتعاون وننسق المواقف مع الأخ الأمين العام لجامعة الدول العربية، ونحن على اتصال مع كل الجهات الدولية، واللجنة الرباعية الدولية، والدول الإسلامية، وسائر الأصدقاء في العالم، كل ذلك بهدف أن يكون هناك إعداد حقيقي وجاد، نحو الوصول إلى مؤتمر السلام، وإلى مرحلة المفاوضات المُكثفة التي سوف تتلو المؤتمر.

وأود في هذا اليوم أن أتوجه إلى شعب إسرائيل وحكومته، مؤكدًا تصميمنا على صنع سلام حقيقي، لصالح أجيالنا القادمة كلها، وأقول بذات الصراحة والتصميم.إن الاحتلال لا يوفر الأمن لأحد، وإن السلام وعلاقات الجيرة القائمة على التكافؤ والمساواة، والاحترام المتبادل، هي الطريق لإنهاء عهود الحروب والآلام وسفك الدماء. يجب أن يتوقف الاستيطان تمامًا، والحصار لا بد أن ينتهي، والأسرى يجب أن يعودوا إلى بيوتهم وأسرهم، ودورات العنف والقتل والاغتيال، ينبغي أن تصبح أعمالًا من الماضي، نستطيع أن نبني دولتنا المستقلة بعاصمتها القدس الشريف إلى جانب دولة إسرائيل، لتكون واحة سلام واستقرار، كما أكد على ذلك إعلان الاستقلال، وكما نسعى كل يوم لإثباته والتأكيد عليه عبر ممارساتنا ومواقفنا العملية.

 

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

 

أعلم مدى الألم الذي يعتصر قلوب كل منكم، بفعل الأعمال الإجرامية التي ارتكبتها العصابات الخارجة عن القانون والتابعة لحركة حماس في قطاع غزة، حيث تم إطلاق النار بدم بارد على الجماهير التي شاركت في إحياء الذكرى الثالثة لاستشهاد قائدنا الرمز ياسر عرفات، وبذلك أثبتت هذه الحركة أنها مصممة على مواصلة استخفافها بدماء أبناء شعبنا الفلسطيني وبقضيته، مُعطية ذريعةً جديدة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي لإضعاف الموقف السياسي الفلسطيني، ونُظهر شعبنا أمام الرأي العام العالمي، وكأننا لا نُقدس قيمة حياة الإنسان.إن قَدرنا أن نقود نضالًا صعبًا وصعبًا جدًا من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بكافة أشكاله، ولكننا في نفس الوقت علينا أن نُسقط هذه الزمرة التي استولت بالقوة المسلحة على قطاع غزة، وتُتاجر بمعاناة ومآسي شعبنا الذي لم ينل منها سوى أعمال الإجرام، المترافقة مع تشديد الحصار من قِبل إسرائيل.وإذا كانت هذه الزمرة، تقوم الآن باعتقال المئات من كوادر فتح ومنظمة التحرير وباقي الفصائل والأفراد، فهذا دليل على حالة الارتباك والعزلة، وإنني أقول لكم: يا آل ياسر صبرًا إن الفجر قريب، إن الفجر قريب.في هذا اليوم، أُحيي أسرانا البواسل في السجون الإسرائيلية، وجرحانا وعائلات شهدائنا وأتوجه بالتحية أيضًا إلى المناضلين والمواطنين، الذين تحتجزهم عصابات حماس في قطاع غزة.وأحيي مئات الآلاف ممن كسروا حاجز الخوف وشاركوا في مهرجان غزة، وسأعمل، وستعمل الحكومة من أجل رفع المعاناة عن شعبنا في القطاع الصامد، باستمرار توفير كافة الاحتياجات الإنسانية من ماء ودواء وغذاء وكهرباء، وكذلك استمرار العمل على إيجاد حل عاجل للعالقين على الحدود أو الذين يريدون الخروج من قطاع غزة؛ بسبب ظروف عملهم أو دراستهم أو أوضاعهم الصحية.

أيها الأحبة من أبناء فلسطين في كل مكان

رغم كل الآلام والمعاناة، لنجعل هذا اليوم (يوم إعلان الاستقلال) يومًا نحتفل فيه جميعًا، نستبشر بالغد الذي سيأتي، فليس بعد الليل إلا فجر يومٍ ستشرق فيه شمس الحرية والاستقلال على فلسطين الأرض والشعب، فلسطين أرض الديانات السماوية، فلسطين التي يفخر شعبها بأنه تمسك بأرضها وترابها المقدس، رغم كل محاولات التهجير والتهميش، فلسطين التي كانت وفلسطين التي ستبقى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.