الرئيسية » خطابات الرئيس الراحل ياسر عرفات »

خطاب للسيد ياسر عرفات حول اتفاق كامب ديفيد والمعاهدة المصرية–الإسرائيلية

خطاب للسيد ياسر عرفات حول اتفاق كامب ديفيد والمعاهدة المصرية–الإسرائيلية

 

  دمشق، 17/5/1979                          

ألقى الخطاب في الجلسة الختامية للمؤتمر النقابي العالمي الثالث، للتضامن مع نضال عمال وشعب فلسطين، الذي عقد في دمشق في الفترة من ١٥ إلى ۱٩۷٩/۵/۱۷، كان ثمة نقص في المصدر وقد استكملناه من وفا ووضعناه ضمن قوسين.

أيها الإخوة: المؤامرة صعبة وقاسية عندما دفعوا السادات للذهاب إلى القدس بهذه الزيارة الخيانية، أتذكر في ذلك الحين أنهم قالوا: إن المنطقة انتهت، لأنه ذهب إلى القدس، كان هناك ركود، وإنهم ظنوا أن طريق الاستسلام الذي أرادوا فرضه على المنطقة العربية سالك، وتذكرون كيف كان مؤتمر الصمود والتصدي في طرابلس وبعده، وهذه المؤتمرات كانت تعني شيئًا

مهما كنا نقول في خلال هذه المؤتمرات أن الأحرار في أمتنا العربية يرفضون تسليم هذه المنطقة للاحتكارات الإمبريالية، وأذكر الآن القرارات الإستراتيجية التي صدرت في مؤتمر القمة والصمود بدمشق، عندما قلنا بالفرز الإستراتيجي مع معسكر الأعداء والأصدقاء، صدر هذا القرار في دمشق الثورة، وقلنا أمام هذه المؤامرة الإمبريالية الصهيونية العنصرية الفاشية: يجب أن يكون فرزًا إستراتيجيًا مع الحلفاء الحقيقيين لأمتنا العربية، مع الأصدقاء المخلصين مع أصدقائنا في دول عدم الانحياز والدول الإسلامية، وأصدقائنا في الدول الاشتراكية وعلى رأسهم صديقنا الكبير الاتحاد السوفياتي، كنا نقول هذا الكلام لأننا كنا نشعر أن هناك مؤامرة تحت السلام المزيف، يريدون الاستسلام المزيف، ودفعوا السادات ليذهب إلى القدس ثم كامب ديفيد ثم القدس، ليوقع صك الخيانة، وكانوا يعتقدون أن أمتنا سوف تستسلم بعد خروج الجبهة الغربية، في اجتماعات قمة الصمود كنا نقدر أهمية الجبهة الغربية؛ لأننا نعرف أهمية الشعب المصري وجيش مصر، وشعب جمال عبد الناصر شعب عربي شعب يوم ۱۸ و ۱۹ يناير/ كانون الثاني، هذا الشعب الذي قدم ٨٦ ألف شهيد وجريح، وكنا نعرف أن هذه المؤامرة تريد أن تخرج مصر من حلبة الصراع، على يد غويسلينغ العرب وبيتان العرب.

أيها الأصدقاء الشرفاء، إن ظلام مصر قصير وفجر مصر سيبزغ قريبًا، وليسمعها السادات الذي وقع على صك الخيانة، هذه الأمة تقول: لا للركوع ولا للاستسلام، ونعم للقتال حتى النصر، جاء بعد ذلك اللقاء السوري العراقي وميثاق العمل المشترك، وعندما اجتمعنا في بغداد كانوا يعتقدون أن الأمة العربية لا تجتمع دون مصر، لكننا عندما اجتمعنا في بغداد كنا نمثل شعب مصر الأصيل، شعب عبد الناصر الأصيل، وكان الاجتماع انعطافة إستراتيجية في وجه المؤامرة، لقد أثبتنا أننا نستطيع أن نجتمع رغم الضغط الأمريكي المتواصل لإحباط آمالنا في بغداد، ثم جاء بعد ذلك المد من أصدقائنا وحلفائنا من شعب إيران البطل وثورته الرائعة، صحيح أننا فقدنا الجبهة الغربية مؤقتًا، وأعني ما أقول لأن شعب مصر باسم مثل نهر النيل هادئ وجميل في السطح، ولكن عندما يأتي الفيضان سيجرف كل العملاء والخونة؛ لأن شعب مصر جزء لا يتجزأ من أمتنا العربية الخالدة، من هنا، صحيح أنهم سجلوا نصرَا بإخراج مصر من حلبة الصراع مؤقتَا ولكن جاءنا المدد من إيران من الثوار الإيرانيين بقيادة الإمام الجليل آية الله الخميني، الذي قال: إن إیران تعتبر دولة مواجهة، نحن فقدنا دولة مواجهة لنكسب دولة مواجهة أخرى هي إيران و شعب إیران.

أرسلوا بعد ذلك بريجنسكي من أجل تهديدنا هنا وهناك، وهناك قبل اجتماع بغداد الثاني، وقال خذوا قرارات ولكن أمريكا لا تسمح بتنفيذ هذه القرارات، ولكن الأمة العربية أثبتت في مؤتمر بغداد أنها عندما تقول تنفذ، حيث أنزلت العقوبة بهذا النظام، هذا النظام المتهالك على أعتاب أمريكا وأقول: باسم كل الشرفاء والأحرار في أمتنا وفي العالم بأسره، إن هذه الأمة لن تركع، وستلفظ كل الخونة والمتآمرين، وأقول لن يثبت فيها سوى أمثال صلاح الدين الموجود جثمانه في دمشق، أقول هذا الكلام من سوريا الأسد، ومن سوريا التي سيتحرك فيها صلاح الدين، وهو الجيش السوري والجيش العراقي وهذه الجبهة الشرقية وستنقلب المعادلة، إن الولايات المتحدة تحاول أن تضغط علينا، وليست صدفة أن يحركوا أسطولهم السابع من الفليبين إلى مياهنا الجنوبية، والأسطول السادس يعربد على شواطئنا، والآن يشكلون أسطولهم الخامس محاولين أن يرهبونا، وقبل عدة أسابيع يعلنون أن لديهم قوة ضاربة لاحتلال منابع النفط، ولكن أقول أمامكم أيها الأصدقاء، وليسمعها القاصي والداني، إنهم إذا كانوا يفكرون بمنطق احتكاراتهم فعليهم أن يعرفوا أنه إلى جانب هذا البترول براكين وعيدان ثقاب، أرض أمتنا العربية ليست مشاعًا، وليست حقول بترولنا مشاعًا، نعرف الآن بعد معاهدة ما يسمى بالسلام أن هنالك خطة جديدة، هناك تركيز على سوريا، إسرائيل تقول: إن يدها حرة في الجبهة الشمالية، وفي نفس الوقت تعرف أن السادات الذي يقوم بدور الشرطي في المنطقة-وبالذات في أفريقيا-هذه الحقيقة التي اعترف بها قائد الجيش المصري، عندما اعترف أن له قوات في عشر دول أفريقية، ونحن نعرف أن هناك فرقتين على الحدود الليبية؛ من أجل شد الانتباه إلى معارك جانبية، من هنا يجب أن نفهم أبعاد المؤامرة، إنها ضد كل الشرفاء والتقدميين والعالم أجمع، وعندما نقاتل في هذه المنطقة فإننا نقاتل دفاعًا عن كل ما هو تقدمي وحر وشريف في العالم أجمع، وفي هذا الموقع المتقدم ندرك هذا الدور بقدر إدراكنا أبعاد المؤامرة، وليس صدفة أنه منذ ساعة وصول كارتر إلى هذه المنطقة، لم تتوقف الأعمال العربية والعدوانية ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية، منذ قدوم كارتر والمعارك مستمرة برًا وبحرًا وجوًا، لماذا اختاروا لبنان؟ لأنهم يعتقدون أن لبنان نقطة الضعف في الجبهة الشمالية، ويستطيعون منه ضرب سوريا وإخراجها وتسجيل نصر على الجبهة الشمالية وضرب اللقاء السوري-العراقي، وأن يضربوا هذا التضامن العربي الذي أجمع في بغداد، وأريد أن أذكركم بشيء، عندما تظاهر السادات وبيغن بالخلاف حول البند السادس من معاهدة الخيانة المشؤومة، الذي يقول إن التزام مصر في المعاهدة أهم من التزاماتها الأخرى، يعني هذا الكلام أن التزام مصر في المعاهدة أهم من جامعة الدول العربية، ومن منظمة الوحدة الأفريقية، لأن هناك اجتماعًا مقبلًا لهم، فهل يقبل الأشقاء الأفارقة بهذه المادة التي تنص على التزام مصر بإسرائيل؟ أهم من أي التزام آخر في أفريقيا أو في الدول الإسلامية، أو في مؤتمر عدم الانحياز، وأقول الآن لإخواني الذين سيجتمعون في كولومبو بعد فترة، ماذا سيفعلون إزاء ذلك؟ وأقول لإخواني الأفارقة الذين سيجتمعون ماذا هم فاعلون؟ لقد أعلن المتآمرون بعد توقيع الاتفاقيات بأن «لا حرب بعد اليوم»، وهذا العدوان اليومي الذي يجري ضدنا، وهذه الحرب الدائرة في جنوب لبنان، حيث يستخدم الأعداء الطائرات والدبابات والقنابل المحرمة دوليًا، والتي بالتأكيد يعرفها إخواننا الفيتناميون الجالسون هنا، عندما كان رفاقنا الفيتناميون حقل تجارب، نحن الآن حقل تجارب للأسلحة الأميركية الفتاكة، إن الحرب الدائرة الآن على أرض الجنوب أيها الإخوة كشفت حقيقة المؤامرة الواسعة النطاق، وإنني الآن أسأل ما هي معاهدة السلام هذه؟ والتي تتضمن الـ ۱۳ بليون دولار، ثمن أسلحة متطورة لإسرائيل وكذلك لمصر، أين هذه المعاهدة التي تترافق مع شراء أسلحة بـ ۱۳ بليون دولار؟ إن هذه المعاهدة تذكرني باتفاقية ميونيخ حيث كان وراء هذا الاتفاق الحرب العالمية الثانية، وأنا الآن أذكر أصدقائي بهذه الخيانة التي وافق عليها السادات، وخان أمتنا العربية، هذه هي المعاهدة قتال دائر تقصف خلاله الطائرات الأمريكية، والقنابل الأمريكية والمدفعية الأمريكية، المخيمات الفلسطينية والقرى الآمنة اللبنانية.

وأعتقد أن الإخوة أعضاء الوفد اللبناني في مؤتمركم، قد تحدثوا لكم عن هذه الحرب ثم هل ثمن السلام أن تضرب سوريا؟ وأن تسحق الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية؟ وأريد أن أذكركم الآن بالقرار الذي صدر عن مجلس الشيوخ الأمريكي والقاضي، بعدم دفع معونات مالية لأي لجنة دولية تساعد الفلسطينيين، ماذا يعني هذا القرار؟ إنه قرار ضد الإنسانية، إنه قرار إبادة الشعب الفلسطيني، وأذكركم عندما قال بريجنسكي وداعًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعدها اجتمع الكنيست الصهيوني وأخذ قرارًا شاملًا مماثلًا للقرار الأمريكي يوم ۱۹۷۸/۳/۱۳م؛ لإبادة الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية وثوارها ومقاتليها، وبعد ذلك دفعوا لنا بسدس الجيش الصهيوني في هذه الحملة «الإسرائيلية» المسعورة، في إبادة قواتنا في جنوب لبنان، وتعرفون كيف وقف المقاتل الفلسطيني إلى جانب المقاتل اللبناني ليسجلا هذا الانتصار الرائع في جنوب لبنان، أقول هذا الكلام لأن هذا القرار اتخذه كارتر، ذلك الذي يتشدق بحقوق الإنسان، أما بالنسبة للشعب الفلسطيني فلا بد من إبادته، ما هذا المنطق الذي يتحدث عن حقوق الانسان، وهو ينتهك حقوق الانسان في فلسطين ويقرر إبادته؟ وأريد أن أسأل: أین حقوق الإنسان في زيمبابوي؟ وفي جنوب أفريقيا؟ في ناميبيا؟ وفي أمريكا اللاتينية؟ وفي آسيا؟ ثم إن كارتر لا يتذكر كل ذلك إلا لعدد من الأفراد المنشقين في الاتحاد السوفياتي، هذا هو مفهومهم لحقوق الإنسان.

أيها الإخوة،

إن ما يجري على هذه الساحة في منطقتنا ليس ضد الشعب الفلسطيني فحسب، وليس ضد الشعب اللبناني أو السوري، ولكنه ضد كل ما هو حر وتقدمي في هذا العالم، ويجب أن نتذكر ذلك ونحن نقول لا لهذا السلام المزيف، إننا نناضل من أجل السلام، وعندما حارب جيش مصر وجيش سوريا، فإنما حاربا من أجل السلام العادل المبني على العدل على الحرية، السلام العادل للشعب الفلسطيني، الذي يحققه من خلال حقه في العودة إلى أرضه ووطنه وأيضًا حق شعبنا في تقرير مصيره، كما أقرت شريعة القوانين الإنسانية وميثاق الأامم المتحدة، وخاصة قرارها رقم (٣٢٣٦) وكذلك حقه في إنشاء دولته الفلسطينية المستقلة فوق ترابه الوطني الحق مع السلام.

أيها الإخوة،

 ولكننا ضد الاستسلام ولن نقبل به؛ لأنهم يقدمون لنا إدارة ذاتية تكرس الاحتلال والاغتصاب والتوسع والاستيطان، وبعدها يخرج قرار الكنيست ببناء المزيد من المستوطنات على أرض وطننا، وكذلك يقرر قانون غريب هو قرار السيطرة على منابع المياه، وأنا أسألكم الآن: هل هناك قرية في العالم أيها الأصدقاء لا تحكم مصادر المياه التي تشرب منها؟ وهذا القرار أخذه العدو بمباركة كارتر للسيطرة على منابع المياه، وهذا لا يعتبره كارتر خرقًا لحقوق الإنسان، لماذا؟ لأنهم يستخدمون أسلحتهم الأمريكية ويجربونها بنا، وبمنطقهم الأمريكي ليست هذه عمليات إرهابية في نظر الإدارة الأمريكية، أما الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن وطنه وعن وجوده عن منابع المياه التي نشرب منها، فإنه يعتبر إرهابيا بنظر إدارة كارتر، هذا هو منطقهم، منطق حقوق الإنسان كما تفهم إدارة كارتر، ثم بعد ذلك تسمعون كلامًا فارغًا عن السلام، إنهم يريدون لهذه المنطقة أن تكون منطقة نفوذ للاحتكارات العالمية، للصهيونية العالمية، للفاشية الجديدة التي تتجسد في هذه الوصية الصهيونية العنصرية، وأنا هنا أقول باسمكم جميعًا وباسم كل الشرفاء، لن يقبل ثائر فلسطيني هذا المنطق، وسيقاومه لأن السلام لن تقرره إلا إرادة الثوار الفلسطينيين.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1979، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 259، 260، 261.

فلسطين الثورة، بيروت، العدد 381، 21/5/1979، ص 11-13.