الرئيسية » خطابات الرئيس الراحل ياسر عرفات »

كلمة السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، إلى الشعب والثوار، حول موجبات المقبول بوقف إطلاق النار ما بين قوات الثورة والقوات الأردنية.

كلمة السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، إلى الشعب والثوار، حول موجبات المقبول بوقف إطلاق النار ما بين قوات الثورة والقوات الأردنية.

28/9/1970

 (فتح، 29/9/1970)

يا جماهير شعبنا الصامد  الشجاع

يا ثوارنا الأبطال

إن الثورة الفلسطينية في انطلاقتها قبل وبعد حرب حزيران (يونيو) كانت ترتكز على قواعد أساسية هي:

1 - الطليعة الثورية الفلسطينية مع شعبنا بكل جماهيره.

2 - الجماهير المتفاعلة مع هذه الثورة.

3 - بعض القوى العربية التي أعلنت باستمرار وقوفها إلى جانب الثورة، وعندما قامت السلطة العميلة في الأردن بهجومها البربري على عمان والزرقاء وبقية مدن الأردن، تجنبت مواجهة قواتنا العسكرية، وبدأت بقصف لا يمكن أن يتصوره بشر على مخيمات اللاجئين وكافة الأحياء السكنية، وكان من أهداف هذا القصف اعتقاد الجماهير قدرتها على الحركة والتفكير، كما أن استمرار القصف وقطع الماء والكهرباء على المدنيين، أدى إلى منع الانتقال والتحرك داخل الأحياء السكنية وتعريض الأطفال والنساء والشيوخ إلى البطش والإبادة، بجانب الجوع والعطش الشديدين.

فإذا أضفنا إلى ذلك اختفاء العلاج الطبي فإن الجريح يصبح في عداد الشهداء.

إن هذه الصورة البربرية التي مارسها الجلادون ضد شعبنا في الأردن الصامد، وضعتنا أمام اختيارين، استمرار القتال على حساب موت وهلاك أكثر من ٧٠٠ ألف مواطن، نتيجة للقصف الوحشي والجوع والعطش وانتشار الأمراض؛ بسبب تراكم جثث الشهداء في الشوارع والبيوت، وتطور حالة الجرحى إلى الأسوأ، وإلى الموت بسبب فقدان العلاج.

أقول: كنا أمام هذا الاختيار، أو اختيار وقف إطلاق النار؛ لإنقاذ المواطنين من مذبحة بربرية، لم تتمكن القوى العربية الخارجية لسبب أو لآخر من إيقافها، يضاف إلى ذلك كله أن نوعية القصف ومداه الشديدين والمستمرين بلا انقطاع، ومحاصرة عمان بثلاث فرق عسكرية هي: الفرقة المدرعة الثالثة، والفرقة الآلية الرابعة، وفرقة المشاة الأولى، وبعض وحدات الفرقة الثانية، وكتائب المدفعية كان يهدف ما يلي:

عدم تمكين بعض وحدات الجيش الأردني من الوقوف إلى جانب الثورة والجماهير كما فعلت في الأزمات السابقة، وعدم إعطاء الفرص للجماهير وخصوصًا في عمان والزرقاء، للتعبير عن رأيها وموقفها ومباشرة فعاليتها، لأن القصف الشديد أجبرها على البقاء في أماكنها، والمذابح البربرية شلتها من التفكير، وحالات الجوع والعطش.

إن المسؤولية جسيمة وكبيرة، والثورة التي تسلم يذبح شعبها ولا تستطيع أن تنتصر في مسيرتها الطويلة الشاقة المتعبة.

لقد عقدت قيادة الثورة اجتماعًا في عمان لتقدير الموقف، آخذة الموقف بعين الاعتبار بالإضافة إلى ما سبق ذكره من الأمور التالية:

  • مصلحة الدول العربية وخوفها من الإنزال الأجنبي.
  • ضرورة إنقاذ شعبنا من الذبح والجوع والعطش والمرض، وإنقاذ آلاف الجرحى قبل أن تقتلهم جروحهم.
  • ضرورة إعطاء فرصة لجماهير أمتنا العربية، بمعرفة هول المذبحة ومؤامرات الإبادة التي تعرض لها شعبنا في الأردن الصامد البطل. وبناء على كل ما سبق قررت قيادة الثورة في عمان بالإجماع الموافقة على وقف إطلاق النار. واستنادًا إلى ذلك وإلى محصلة الواقع العربي والواقع الدولي، تم ما تم في القاهرة.

أيها الإخوة، يا جماهير شعبنا البطل

لقد كانت خطة السلطة العميلة العسكرية في الأردن، القضاء على الثورة الفلسطينية وإبادة الشعب في الأردن خلال ساعات، ولكن صمود شعبنا البطولي لم يذهل السلطة العسكرية العميلة في الأردن فقط، وإنما أذهل العالم أجمع، وذلك أن هذا الصمود الأسطوري قد أفشل المؤامرة الاستعمارية التي تتشابك خيوطها فكرًا وتنفيذًا مع المؤامرة الأمريكية القذرة على شعوب إندونيسيا وفييتنام، كما أن هذا الصمود قد أغنى قناعة شعبنا وأمتنا بقدرة هذا الشعب على النضال الطويل حتى النصر.

إن الثورة الفلسطينية تعلن للجميع أنها بمقدار ما ستكون صلبة مع أعدائها، لا بد أن تكون صلبة مع نفسها وذاتها، تتخذ القرارات التي تتطلبها مسيرتها النضالية الطويلة، بعيدًا عن كل المزايدات المشبوهة والانفعالات العاطفية، رابطة نفسها باستمرار بإستراتيجيتها العامة، تحت شعار النضال ضد كل أعداء أمتنا حتى النصر النهائي.

أيها الإخوة، يا جماهير شعبنا العربي الأبي، يا ثوارنا الأبطال ، إن تنفيذ وقف إطلاق النار مرهون بالتزام الطرف الآخر به وهذا هو المحك، لأننا كما عرفنا العالم نلتزم بكل ما نوقعه ونعلن عنه، كما أن وقف إطلاق النار يمثل صيغة لإفشال مخطط الانقضاض على الثورة الفلسطينية، وإبادة الشعب الفلسطيني ووضع الأمة العربية أمام مسؤولياتها التاريخية.

يا شعبنا العربي الصامد

أيها الإخوة المقاتلون

يا رفاق السلاح والنضال والكفاح

لقد سطرتم بصمودكم ملحمة بطولية ستظل فخرًا لجماهير شعبنا ولكل جماهير أمتنا العربية، فقد قاتلتم بشرف وصمدتم ببطولة دفاعًا عن ثورتكم، دفاعًا عن جماهيركم وحقها في الحياة، وعن قضيتكم التي أراد العملاء المساومة عليها.

لقد كان صمودكم البطولي وصمود جماهيركم الباسلة معكم، هو الذي حطم مؤامرة العملاء وأسيادهم الاستعماريين، كما أن ما تحليتم به من انضباطية وطاعة، وخلق عسكري ثوري ومسلك إنساني، يعتبر هو الآخر مفخرة من مفاخر هذه الثورة تضاف إلى سجلها الناصع،  وإنني لأنتهز هذه المناسبة لأحيي شعبنا العزيز في الأردن الصامد، بنسائه وأطفاله ورجاله وشيوخه، وأحيي بشكل خاص مدينة عمان الصامدة، مدينة عمان البطلة، والذين تصدوا ببطولة أسطورية لنيران الهجمة البربرية الوحشية، الذين لم تلن لهم قناه برغم التقتيل والترويع.

وأحيي بشكل خاص أطفال ونساء وشيوخ شعبنا في عمان، الذين كانوا يهتفون تحت أنواع القصف: الله أكبر، الله أكبر على الظالمين، فتصدت لهم رشاشات العمالة بكل خسة ونذالة.

يا شعبنا العظيم

أيها المقاتلون الشجعان

إنني إذ أحييكم وأحيي صمودكم وبطولاتكم، أرى من واجبي أن أحيي باسمكم كل رفاقنا الشهداء من شعبنا الأبرار من مدنيين ومقاتلين، وأن أعاهدهم باسمكم، أن دماءهم الطاهرة لن تذهب هدرًا، وأننا سنستمر في نضالنا حتى تحقق الأهداف التي استشهدوا من أجلها.

أيها الإخوة الصامدون

يا شعبنا في الأرض المحتلة

يا شعبنا في قطاع غزة المناضلة، والضفة الغربية البطلة، وفي كل مكان من أرضنا العربية المحتلة.

يا منأعطيتم بصمودكم في وجه الاحتلال الصهيوني دفعًا قويًا جبارًا لصمود إخوانكم في وجه مؤامرة العملاء،  وأحبطتم بنضالكم كل المشاريع الاستعمارية والمشبوهة.

يا من كنتم معنا في محنتنا بمشاعركم وقلوبكم.

كنا نحس بكم في كل لحظة وكل آونة بعد أن حال الاحتلال دون وقوفكم إلى جانبنا ببنادقكم وبأذرعكم،  لقد استهدف العملاء بمؤامرتهم ومجزرتهم الأخيرة ضرب صمودكم البطولي ودفعكم إلى الاستسلام، ولكن صمودكم وصمودنا ونضالكم ونضالنا، هو الذي أفشل وسيفشل كل المشاريع التصفوية وكل المشاريع الانهزامية، وهو الذي سيمكننا جميعًا من الاستمرار على طريق النصر والتحرير.

أيها الإخوة المواطنون

يا أبناء شعبنا العظيم الأصيل في الضفة الشرقية

إننا أبناء شعب واحد، وأقولها: شعب واحد وتاريخنا واحد ونضالنا واحد، وقد أرادت قوى التآمر والعمالة أن تفرق بيننا وأن تحرضنا على بعضنا البعض، ولكننا نعلنها لكل هذه القوى المتامرة بكل قوة: إن مؤامراتهم ومحاولاتهم مكشوفة ومرفوضة، وستستمر وحدة شعبنا في الضفة الشرقية وفي الضفة الغربية، وفي كل أرضنا المحتلة، قوية ومتينة تتحدى بكل كبرياء كل محاولات ومؤامرات العملاء.

أيها الإخوة المواطنون

يا جماهير شعبنا العظيم في كل مكان، يا جماهير شعبنا العربي الأبي، إن ثقة الجماهير بثورتها أمر أساسي لاستمرار المسيرة باتجاه النصر، لذلك كان واجبًا على هذه الثورة أن تضع مصلحة الجماهير فوق كل اعتبار، وإن جماهيرنا التي وقفت معنا منذ انطلاق ثورتنا وظلت الرافد الأساسي الذي يرفد الثورة بالمقاتلين والمناضلين والعاملين، والتي دافعت عن ثورتها بصدورها ودمائها، هذه الجماهير ستظل مع ثورتها تعطيها وتدعمها وتمدها بأسباب القوة وبالاستمرار. ولتثق جماهيرنا أننا سنظل كما كنا أوفياء على العهد، أمناء على الثورة، وإننا لنعاهدكم على الاستمرار في النضال من أجل تحقيق أهدافها حتى النصر.

وأخيرًا وليس آخـرًا تحيتي وتقديـري وتقدير شعبنا العميق لجماهير أمتنا العربية الأبية، لجماهير أمتنا العربية العظيمة، الذين وقفوا بجانبنا، بجانب شعبنا، في هذه الأوقات التاريخية العصيبة الهامة، كما أعرب عن تقديري العميق لكل صوت شريف ناصرنا في كل جزء من أجزاء العالم.

وإنها الثورة حتى النصر

وإنها لثورة حتى النصر

والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 861، 862، 863.