خطاب السيد الرئيس بمناسبة ذكرى النكبة-رام الله
خطاب السيد الرئيس بمناسبة ذكرى النكبة-رام الله
15/5/2008
بسم الله الرحمن الرحيم
أيتها الأخوات، أيها الإخوة،
يا أبناء شعبنا الفلسطيني الصامد على أرض وطنه وفي الشتات،
أيها الفلسطينيون، صناع معجزة الصمود والبقاء في وجه الاجتثاث والتهجير،
أتوجه في هذا اليوم، الذي نُحيي فيه الذكرى الستين للنكبة، بكل التقدير والتحية لكل مواطنة ومواطن فلسطيني في شتى بقاع الأرض، وإلى أسرانا وأسيراتنا البواسل، وأبناء وزوجات وآباء وأمهات الشهداء، وإلى جرحانا، وإلى لاجئينا في لبنان والعراق ومختلف أماكن الشتات، وإلى أهلنا في قطاع غزة الحبيب، وإلى كل أولئك الذين ولدوا بعيدين عن الوطن، ولكن الوطن حي فيهم.
ستون عامًا مرت على نكبة شعبنا واقتلاع مئات الآلاف من أبنائه من وطنهم ومنازلهم وأرضهم، وتشردهم في مشارق الأرض ومغاربها، وأصبحوا اليوم يُعَدون بالملايين.
نُحيي هذه الذكرى لا لمجرد التأسي، بل للتذكير بالكفاح الطويل والمجيد لهذا الشعب الذي لم تُثنه جراحاته وآلامه ومعاناته عن النهوض كطائر الفينيق، يواصل الحياة متشبثًا بفكرة الوطن ونقلها للأجيال المتلاحقة جيلًا إِثر جيل، يفعل المستحيل عملًا وعلمًا ليبقي اسم فلسطين حيًا، فهو المساهم والمشارك في بناء وتنمية دول المنطقة، وهو الناشر والمعّرف بقضيته الوطنية والإنسانية التي أصبحت في مركز اهتمام الدول والشعوب وغدا التضامن معها رمزًا من رموز نضال حركات التحرر الوطني في العالم بأسره.
لقد حمل شعبنا جمرة أحلامه، المشابهة لأحلام كل البشر، في العودة إلى دياره، وإقامة دولته المستقلة، وحوّل قضيته عبر ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، من قضية إنسانية إلى قضية وطنية وسياسية بامتياز، وأصبح اللاجئون الفلسطينيون المشردون مناضلين من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
فَتحْتَ راية (م.ت.ف) اكتسب النضال التحرري الفلسطيني طابعه الوطني والعالمي، وفرض القضية الفلسطينية على جدول أعمال العالم ومؤسساته الدولية واهتمامات شعوب العالم، وتضامنه الذي شهدناه ونشهده اليوم في معارك شعبنا ضد الاحتلال ومظاهره.
ستون عامًا قضت، وما زلنا هنا وهناك متجذرين في الأرض، ومتشبثين بالأمل في العودة، والخلاص وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي البغيض لأرضنا وشعبنا، وكنا وما زلنا نحمل رسالة لا لبس فيها، آن لشعبنا الفلسطيني أن يتمتع بالتحرر والسلام.
آن لشعبنا أن يُسخر طاقاته وإمكانياته العظيمة لبناء وطنه ومستقبل أبنائه، آن للطفل ألا يخشى فقدان أبيه وأمه، آن لتلاميذنا الصغار أن يذهبوا إلى دروسهم دون أن تصطادهم قذيفة أو رصاصة، كما حدث مع الآلاف من أطفالنا وطلابنا الصغار، آن الأوان لهذا الاحتلال أن يرحل عن أرضنا ودمنا، آن لهذا العار الإنساني الذي يُسمى نكبة الشعب الفلسطيني أن ينتهي.
يا أبناء شعبنا في كل مكان،
على هذه الأرض الطيبة والحبيبة يعيش شعبان يحتفل أحدهما باستقلاله والآخر يتألم في ذكرى نكبته، ستون عامًا مرت ونحن على هذه الأرض نعيش الضدين.
أما آن الأوان لمعاناة شعبنا وترسيخ نكبته أن تنتهي؟، أما آن لإسرائيل أن تستجيب لنداء السلام العادل والشامل وتحقيق المصالحة التاريخية بين الشعبين، على هذه الأرض المقدسة والمعذبة؟
لقد تعالى شعبنا على جراحه وآلام نكبته، وتشرده في بقاع العالم وجعل من صنع السلام خياره الإستراتيجي، ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل رغبةً في بناء مستقبل هذه المنطقة ومستقبل أبنائها.
إننا وفي الذكرى الستين لنكبة شعبنا نجدد تمسكنا بثوابتنا للسلام، السلام الذي يؤدي إلى إنهاء الاحتلال عن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام67، وفي القلب منها القدس الشريف، وإيجاد حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفقًا للقرار (194).
إن أمن إسرائيل مرتبط باستقلالنا وأمننا، واستمرار الاحتلال وديمومة النكبة لا يجلبان الأمن لأحد، فقط إنهاء الاحتلال هو الذي يجلب الأمن، وهذا ما دلت وتدل عليه تجارب الاحتلال في العالم.
يا أبناء شعبنا المناضل،
في الذكرى الستين للنكبة نتذكر بالإجلال والإكبار شهداء ثورتنا وأسرانا في السجون، ونتذكر أهلنا في الشتات ونعاهدهم أن راية التحرر والاستقلال ستبقى خفاقة، حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
وبهذه المناسبة الأليمة نتذكر الرئيس أبا عمار، الذي نهض ورفاقه من تحت رماد النكبة حتى يحموا من جديد بقاء الهوية الوطنية الفلسطينية، التي تعرضت لخطر التبديد والضياع، وحتى يصونوا قرارنا الوطني المستقل الذي افتقدناه منذ فقدنا وطننا، كما نتذكر المرحوم أحمد الشقيري، مؤسس وباني هوية هذا الشعب، ونتذكر خليفته المرحوم يحيى حمودة.
فإلى الشهداء، كل الشهداء..من رمزهم ورمزنا ياسر عرفات إلى آخرهم الأم وأطفالها الأربعة من عائلة أبي معتّق في بيت حانون، نؤكد لهم أن كفاحنا اليوم في جميع ميادينه الوطنية والسياسية والشعبية، إنما يهدف إلى إنهاء عهد المآسي والآلام وبدء عهد الحرية والاستقلال بكل معانيه وأبعاده، حتى لا يبقى لاجئ واحد يعاني من اللجوء والتشريد، ولا يظل أسير واحد في زنازين المحتل، ولا أم تخشى على مستقبل أبنائها.
إننا نكافح اليوم حتى يكون لأبناء شعبنا الصابر، الصامد، وطن وأرض ودولة مستقلة ينتمون إليها ويعتزون بها بين شعوب العالم.
يا أبناء شعبنا الوفي،
مُنذ أن رفعنا راية الثورة الفلسطينية المعاصرة في مطلع عام 65، والمؤامرات تتوالى علينا وضدنا لكي تحرمنا من حق لنا طال انتظاره، وهو الحق في الحرية والمساواة والعودة وتقرير المصير.
وقام أعداءٌ كُثر لهذا الشعب بمحاولات إغراق حلمه بالتحرر في بحور من الدم والعذاب، لكنه أثبت أنه أقوى من جلاديه، وأن عزيمته أشد وأمضى من مأساته التي لم يشهد العالم مثيلًا لها.
كم حاولوا شق صفوفنا وتمزيق وحدتنا، وضربَ تمثيلنا الشرعي والوحيد الذي تجسده منظمة التحرير الفلسطينية، ففشلوا جميعًا، وقويت جذورنا الضاربة عميقًا في أرضنا، وبقينا نمسك بالزمام بأيدينا.
واليوم نواجه محاولة الانفصال في غزة هاشم، قطاعِنا الحبيب، الذي مثل دائمًا مدرسة في الصمود والإباء والتضحية، لكن تاريخ هذا الشعب المجاهد العظيم يُعلّم الجميع دروسًا لا يجب عليهم نسيانها، وهي أنه قادر، وقادر بإذن الله، على لملمة جراحه وصون وحدته والإبقاء على تقرير مصيره بيده، وإحباط كل محاولة للمساس بشرعية تمثيله ورسوخ هويته الوطنية المميزة.
وأستذكر هنا ما قاله القائد ياسر عرفات يومًا من منبر الأمم المتحدة: إن الحرب إذا كانت بدايتها فلسطين، فإن السلام تصنعه فلسطين.
وأُجدد القول: إن يدنا الممدودة للسلام بدون ضعف أو تهاون، هي اليد التي كافحت طوال ستين عامًا وأكثر، من أجل الحرية، فأصبحت أشد عزمًا وثقة واقتدارًا.
وعليه نؤكد اليوم أن الاستيطان واستمراره يدمر فرص السلام، ونقول لحكومة إسرائيل: إن كل مشاريع الاستيطان وبخاصة حول القدس بما فيها مشروع (E1) الذي يحاولون إحياءه، يجب أن يتوقف إذا أرادوا عدم إضاعة هذه الفرصة المتاحة أمامنا اليوم.
نحن مستعدون للسير في المفاوضات حتى الوصول الى اتفاق سلام شامل، يقود إلى إنهاء الاحتلال وقيام دولتنا المستقلة على حدود عام 1967 بعاصمتها القدس الشريف، وتأمين العدل والعودة للاجئين وفق القرار (194).
إن عذابات وآلام ستين عامًا من التشرد والقهر والظلم والاحتلال، لم تجعلنا نفقد الثقة بأنفسنا وبأمتنا العربية والإسلامية العظيمة، التي وقفت وتقف معنا اليوم، متمسكين معًا بمبادرة السلام العربية التي تُمثل أهم فرصة، إذا أرادت إسرائيل سلامًا حقيقيًا راسخًا ودائمًا مع محيطها العربي والإسلامي.
أيتها الأخوات، وأيها الإخوة،
رغم حلكة الليل الطويل فإن الفجر قادم لا محالة، يا إخوتي وأبنائي، يا آباء الشهداء وإخوتهم وزوجاتهم وأبنائهم وأمهاتهم، يا أسرانا في السجون وعائلاتهم الصامدة الصابرة، الفجر آت، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون.
ويا أبناء أجيالنا الجديدة التي نشأت في ظل النكبة والتشرد والاحتلال، لكم ومعكم نصنع مأثرة السلام القائم على العدل والحرية والاستقلال والعودة، حتى يكون غدكم أفضل من حاضرنا وماضينا، وسيكون حتمًا بإذن الله.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: "ونريد أن نَمُنَ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعَلَهم أئِمة ونجعَلَهم الوارثين، ونمكن لهفي الأرض، ونُريَ فرعون وهامان وجنودَهما منهم ما كانوا يحذرون" صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.