كلمة السيد الرئيس محمود عباس أمام فعاليات الخليل في مقر البلدية
كلمة السيد الرئيس محمود عباس أمام فعاليات الخليل في مقر البلدية
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى صحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)
ها نحن في فلسطين، وها نحن في خليل الرحمن، ننصر الله فسينصرنا ويثبت أقدامنا في أرضنا المقدسة، هذا ما وعد الله رسله، وهذا ما وعد الله المؤمنين كافة، ولذلك استبشروا أيها الإخوة، إن وطننا وطنكم سيبقى لكم، وإن دولتكم المستقلة ستقوم-بإذن الله-في القريب العاجل وعاصمتها القدس الشريف.
أيها الإخوة في خليل الرحمن الذين تشرفتم بأن تنتسبوا إلى خليل الرحمن، وتشرفتم بأن يكون مأوى وقبر خليل الرحمن في هذا البلد، وكنتم على قدر هذا الشرف وحافظتم عليه وحميتم حرمه الشريف، ومع أن الاعتداءات الكثيرة التي حصلت على هذا الحرم، والتي ارتكبتها قطعان المستوطنين من فترات طويلة من الزمن، لكنكم سطرتم وصمدتم وحميتم بدمائكم وسواعدكم الحرم وما وراء الحرم، وهنا لا بد لي أن أستذكر عندما جاء المراقبون الدوليون، الذين جاؤوا إلى هنا بعد مجزرة الحرم الشريف التي ارتكبت عام 1994، ولكنها لم تكن مجزرة واحدة وحيدة، ولكنها تكررت وتكررت مؤخرًا من قبل المستوطنين، ولكنكم ثبتم وضحيتم وصمدتم وحميتم البلد، هذا البلد الذي تقوده كوكبة من الرجال الأبطال، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ما زلنا نذكر القائد فهد القواسمة (أبو خالد)، أخانا الذي استشهد دفاعًا عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وما زلت أذكر أنني كنت على موعد معه في اليوم الثاني لنقوم بزيارة لأوروبا الشرقية، عندما فوجئت بأنه استشهد، ولكن الله المنتقم الجبار لا ينسى من قتله، فوقع في أيدي العدالة وسينال جزاءه على فعلته، إن الله يمهل ولا يهمل، فبعد 25 سنة يقع هذا الرجل القاتل في قبضة قوى الأمن وفي الخليل، وإن شاء الله سيقدم للمحاكمة ليأخذ جزاءه بعد هذا الوقت الطويل، إن الله لا ينسى حقه على العباد ومن العباد، ولذلك إن شاء الله سينال هذا الرجل جزاءه، ونذكر بهذه المناسبة من مر على البلدية وما زال حيا، ونتمنى له الشفاء العاجل وهو الأخ مصطفى النتشة، هؤلاء قاموا بواجبات وقاموا بتضحيات وعلينا أن نتذكر ونحن في أرض البلدية وفي رحاب الأخ خالد العسيلي، ولكن علينا أن نتذكر السلف الصالح الذي قام بجهود كثيرة خلاقة، ضحى بحياته أو ضحى بصحته من أجل هذا البلد، من أجل العمل في هذا البلد، وهنا لا بد لي أن أذكر ونحن نتحدث عن الصمود لجنة إعمار الخليل، برئاسة الأخ علي القواسمي الذي حصل على جائزة نتيجة لعمله، الذي يحفر في الصخر ليحمي البلدة القديمة من أيدي أولئك المستعمرين المستوطنين، في النهاية لن يبقوا عندنا، لن نسمح لهم أن يبقوا عندنا.
الخليل لنا، وعليهم أن يخرجوا منها، إن أرادوا السلام نحن طلاب سلام، نحن طلاب سلام بلا أدنى شك، وقد أثبتنا للقاصي والداني أننا نريد السلام، إننا نحب السلام ولكن في نفس الوقت إن عظمنا قوي ولحمنا مر ولا نقبل الإهانة ولا نقبل المضايقة.
ونذكر أن كل القرن الماضي كل القرن العشرين ونحن ندافع عن أنفسنا ندافع عن حقنا ندافع عن وطننا، ولن نقبل إلا أن نحصل على وطننا كما أقره العالم، نحن نريده ولكن ولا سنتمتر ناقص، ما أقر لنا في الشرعية الدولية وفي المبادرة العربية، التي أصبحت قرار مجلس أمن بقرارات مجالس الأمن في قرارات الأمم المتحدة، هذا ما نريده، نحن لا نفتئت على أحد، ولا نحبأن يفتئت علينا أحد، هذا هو خطنا وهذا هو شعارنا الذي رفعناه في كل وقت، نريد السلام وفي نفس الوقت كلنا نريد الأمن والأمان، وأعتقد أن الأمن والأمان تحققا الآن في مدينة خليل الرحمن، وعندما جاءت أجهزة الأمن إلى الخليل قلنا لهم إياكم أن تخطئوا، وعليكم أن تحموا الناس، وتحموا أموال الناس، وتحموا عائلات الناس وتحموا أملاك الناس، ولكن لا تعتدوا على الناس، لا نريد اعتداء على أحد، ومن يخترق النظام يعاقب ومن لا يخرق النظام لا يقترب منه أحد، ومع ذلك قلنا لهم أن يقولوا رأيهم في أي مكان، نحترم أي رأي؛ لأن هذه الحرية حرية الرأي أن يقول الإنسان ما يريد وما يعتقد به، إن كان كلامه مع السلطة أو ضد السلطة لا فرق، ولكن في حدود القانون يقول ما يريد، ولكن لن نسمح بخرق القانون، والاعتداء على القانون والاعتداء على السلطة الواحدة، والقانون الواحد، والسلاح الشرعي الواحد، ولذلك هذه الحملة الأمنية التي بدأت في الخليل ستستمر بهذا المنهج وإياكم الاعتداء على أحد، وإياكم أن تصيبوا أحدًا بظلم مهما كان، إن الله لا يقبل الظلم ونحن لا نقبل الظلم.
الحمد لله أن هذا العمل نجح وأن الأمور تسير سيرًا حسنًا وأعتقد أن النتائج بدأتم تلمسونها وتشعرون بها، وإن شاء الله ستستمر وتستمر، تمهيدًا لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي نرجو أن تكون بل نصرّ أن تكون عاصمتها القدس الشريف.
يحزننا أن الوضع الفلسطيني الداخلي ما زال ممزقًا، يحزننا أن أولئك الذين ارتكبوا الانقلاب في غزة ما زالوا سادرين في غيهم، نريدهم أن يعودوا إلى رشدهم نحن لا نريد إقصاءهم، فهم جزء من الشعب الفلسطيني أيًا كانت أفكارهم وآراؤهم، مختلفة عنا أو متفقة معنا، ولكن نريدهم أن يعودوا إلى الطريق الصواب، الطريق الصحيح، لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبقى هذا الوطن ممزقًا، من هنا دعونا وندعو وسندعو من أجل الحوار الوطني، صحيح أنهم رفضوه في الثامن من الشهر الماضي دون أي سبب، ولكن مع ذلك نقول تعالوا مرة أخرى إلى كلمة سواء، تعالوا إلى ساحة الوطن لنتفق معكم، وسنصر على الحوار وسنصر على اللقاء حتى تعود اللحمة إلى أبناء الشعب الواحد والوطن الواحد، وما نريده أمرًا واحدًا فقط أن نحتكم إلى الشعب وما يريده الشعب، نحن دخلنا انتخابات حرة وكلكم تعرفون أنها كانت حرة نزيهة في كل المجالات البلدية والتشريعية والرئاسية، وحتى في الجامعات وغير ذلك، ونحن مصممون على هذا النهج الديموقراطي، تعالوا إلى الانتخابات، من ينجح سيبارك الشعب له ونحن سنبارك، ولكن لا يجوز أن نجد عندما نقع في مشكلة أو مصيبة من نحتكم إليه، هل نذهب إلى الأمم المتحدة لنقول لها ما رأيك في الخلاف الفلسطيني؟ نذهب إلى الشعب الذي جاء بنا إلى هنا، الذي انتخبنا، أنا من انتخبني الشعب فأعود إلى الشعب، إذا أرادني فأهلًا وسهلًا وإذا لم يردني مع السلامة يأتي غيري، إذن نحتكم إلى الشعب وإن أرادوا استفتاء عامًا ممكن أن نقول للشعب: ما هو رأيك في كذا وكذا؟ هذا هو الشيء الوحيد الذي نريده ولا نريد أكثر من ذلك.
النقطة الثانية طبعًا والوضع متأزم جدًا في قطاع غزة، نحاول بكل الوسائل ونناشد كل الدنيا ألا يعود الاحتلال إلى غزة، وألا يعود القتال إلى غزة، وألا تعود الطائرات والدبابات لتقصف وتذبح أهل غزة، يكفيهم ما أصابهم، تكفيهم آلامهم، وتكفيهم مصائبهم، نريدهم أن يعيشوا حياة كريمة، ولكن مع الأسف هذه الأيام تزداد شدة التوتر ونسبة التوتر ساعة بعد ساعة ولحظة بعد لحظة، نريد فعلًا أن نرفع صوتنا عاليًا لنقول: نريد التهدئة حتى يعيش شعبنا بحرية وأمان، وحتى لا يستمر الحصار عليه كما هو الحال، وأن تزداد مآسيه كما هو واقع عليه.
أمران نطالب بالإسراع بهما: الأمر الأول هو استمرار الحوار، نحن لا نريد الاقتتال، الحرب الأهلية حرب مدمرة لا تأتي بنتائج ولا أحد في العالم دخل حربًا أهلية وخرج إلا وهو تحت الأرض، ولا شعب ولا شعب في الدنيا، ولذلك نحن نرفض الحرب، نرفض الاحتكام للسلاح، نحتكم للشرعية، ونحتكم للديموقراطية، ونحتكم للعقل والفكر، ونحتكم للضمير، ونحتكم إلى لله، "وأمرهم شورى بينهم"، ما معنى أمرهم شورى بينهم؟
أن نتشاور، إذن تعالوا لنتشاور لنتفق أو نختلف، ولكن على الأقل نجلس مع بعض وبالكلمة وليس بالرصاصة، هذا أمر يجب أن نستبعده تمامًا وألا نفكر به تمامًا، وأنا أعدكم ألا أقبل بأي حال من الأحوال الدخول في حرب أهلية؛ لأنني أعرف نتائجها علينا.
نحن كما قلت طلاب سلام مبني على العدل، المبني على الشرعية الدولية ،وتذكرون أن العرب جميعًا في قمة بيروت عام 2002 تبنوا مبادرة عربية، وسموها مبادرة السلام العربية، ثم جاءت في نفس السنة اجتماعات المؤتمر الإسلامي وأقرت هذه المبادرة، وأصبحت مبادرة عربية إسلامية، أي: إن 57 دولة (أي كل العالم الإسلامي) يتبنى هذه المبادرة التي تقول: الأرض مقابل السلام.
لتنسحب إسرائيل من الأراضي العربية وتطبق الشرعية الدولية وتأخذ اعترافًا من جميع هذه الدول، ولا أعتقد أنها منحت مكافأة كما منحت في هذه الأيام، وأخشى ما أخشاه أنها ستضيعها وتضيع الفرصة مرة أخرى، نحن نقول لهم: بدلًا من أن يعيشوا في جزيرة سلام، تعالوا نعيش في محيط من السلام، من موريتانيا إلى إندونيسيا، ولكن هل يرغبون بالسلام في الحقيقة؟
سؤال دائمًا أسأله في نفسي وأتمنى أن يكون الجواب إيجابيًا؛ لأنه إذا فكروا في غير السلام فلن ينفعهم؛ لأنه يضرهم ويضر مستقبلهم ويضر مستقبلنا.
نحن نبحث عن سلام لأبنائنا وأحفادنا وأطفالهم وأحفادهم، اعتداءات المستوطنين لم تبدأ في الخليل بل بدأت في الشمال على الزيتون، بدأت ثم انتقلت إلى الخليل وانتهت في الخليل، ومع الأسف أن الجيش الإسرائيلي كان يتفرج على هؤلاء، على كل حال عندنا شهود يجب أن نوجه لهم الشكر والتحية؛ لأنهم صمدوا معنا ولأنهم وقفوا معنا منذ أكثر من 15 سنة، تاركين أبناءهم وأولادهم وعائلاتهم في بلادهم الصديقة، وجاءوا يعيشون معنا ويروا بأم أعينهم من الذي يعتدي، نرجو الله-سبحانه وتعالى-ألا نكون نحن المعتدين، وأن نصل إلى حقنا وأن يعود هؤلاء إلى رشدهم ويقبلوا بالسلام، لأنه لا أمل بدون السلام.