كلمة الرئيس محمود عباس في حفل الأمم المتحدة، مناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني-نيويورك
كلمة الرئيس محمود عباس في حفل الأمم المتحدة، مناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني-نيويورك
29-11-2010
معالي السيد بان كي مون،
الأمين العام للأمم المتحدة،
سعادة السيد جوزيف دايس
رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة،
سعادة السير مارك لايل غرانت
رئيس مجلس الأمن
سعادة السفير عبدو سلام ديالو
رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف،
أصحاب السعادة، السيدات والسادة،يسرني وأنتم تحيون اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أن أبعث لاجتماعكم هذا في مقر الأمم المتحدة، ومن خلالكم للمجتمع الدولي بأسره، بأحر تحيات الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية، وبشكرنا العميق على تضامنكم مع شعبنا، وعلى دعمكم لنضاله من أجل إنجاز حقوقه غير القابلة للتصرف، وإقامة السلام العادل والشامل والدائم في منطقة الشرق الأوسط.
وأود هنا أن أشير بالتقدير العالي لجهود معالي الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون، وأيضًا لجهود اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، ورئيسها السيد السفير عبدو سلام ديالو الهادفة لإعمال حقوق شعبنا الفلسطيني، وإنهاء معاناته وإقامة السلام في المنطقة، فدوركم إلهام يسهم بُشكل واضح وفعًال في تعزيز التضامن العالمي مع قضيتنا، وتوسيع دائرة الدعم العالمي لتطلعات شعبنا المشروعة لتقرير مصيره وحريته واستقلاله.
فقد تعاطت الأمم المتحدة منذ نشأتها مع قضية فلسطين، وهي تتحمل مسؤولياتها تجاه هذه القضية لحين حلها فعلًا من كافة جوانبها، بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا ومقدساتنا وتقرير مصير شعبنا، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية وإجماع العالم بأسره، وأصدرت عددًا من القرارات المستندة إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي، وهي قرارات-وإن كانت لم تنفذ حتى الآن نظرًا لرفض إسرائيل وتعنتها-فهي ما زالت تشكل شبكة الحماية الأساسية لحقوق شعبنا، والأساس لتحقيق العدل الذي هو شرط تحقيق السلام، ونستذكر هنا أن قراري مجلس الأمن الدولي لعام (1967) رقم (242) وعام (1973) رقم (338) يشكلان أساسًا لعملية السلام في الشرق الأوسط.
أصحاب السعادة، السيدات والسادة
هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، وهي الظلم التاريخي الذي لحق بشعبنا الفلسطيني وما زال، وهناك حقيقة أخرى، وهي أننا تعاطينا كمنظمة تحرير فلسطينية، ومنذ سنوات طويلة في نضالنا لتثبيت حقوقنا الوطنية بالكثير من الواقعية، حيث أقرت مجالسنا الوطنية منذ سنة 1974 مبدأ حل الصراع على أساس الدولتين وعبر المفاوضات، وأعلن شعبنا استقلال دولة فلسطين كمبادرة سلام عام 1988، حيث قدمنا من خلالها تنازلًا تاريخيًا ومؤلمًا في سبيل تحقيق السلام الذي يضمن حقوقه، وهو قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
ولكن أساس التقدم في عملية التسوية السلمية يقوم على مبدأ الشراكة، والاتفاق على المرجعيات القانونية، والالتزام بالاتفاقيات من أجل حل المشكلات الناجمة عن الصراع الدموي الطويل والمرير، شراكة تتفهم الهموم المشروعة للآخر وتؤسس لمستقبل جديد ومختلف بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وأؤكد هنا أن الشريك الفلسطيني سيظل شريكًا حقيقيًا، لا لتحسين الوجه القبيح للاحتلال وإنما لإنهاء الاحتلال، ويجب أن تكون تلك المفاوضات نزيهة وتؤدي لاتفاق واضح وملزم، ولا تعني أن يسمح للطرف القوي (إسرائيل) باستمرار فرض إرادته علينا.
إن التزامنا ثابت وقوي بالتوصل إلى اتفاق شامل يؤدي إلى دولتين قابلتين للحياة، إحداهما قائمة، وهي إسرائيل، والأخرى يجب أن تحظى باستقلالها وهي دولة فلسطين في حدود الرابع من حزيران سنة 1967.
وفي هذا الإطار، وانطلاقًا من حرصنا على تحقيق السلام فقد استجبنا للمبادرات والجهود الأمريكية والدولية، الرامية لاستئناف عملية السلام والمفاوضات بيننا وبين إسرائيل بعد فترة من الجمود، واستطعنا بمساعدة العديد من الأطراف العربية والدولية كسر الجمود الذي ألم بهذه العملية، ونأمل أن يشكل استئناف هذه المفاوضات، على صعيد قضايا الوضع النهائي والتسوية الدائمة-بعد إزالة العقبات التي تواجهها-بداية جادة وصادقة لتحقيق سلام وأمن حقيقيين ودائمين بيننا وبين إسرائيل، ولا بد من أجل ذلك، من معالجة التدهور في عملية السلام وخلق الأجواء الملائمة وبناء جسور الثقة بين الجانبين.
وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التقيد بمرجعية عملية السلام، كما حددتها قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ورؤية حل الدولتين، والتنفيذ الدقيق والأمين للاتفاقات الموقعة، ويتطلب وضع حد حاسم ونهائي للحملة الاستيطانية الإسرائيلية الشرسة في كافة مناطق الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، التي تشكل قنبلة موقوتة يمكن أن تدمر كل ما أنجزناه على طريق السلام في أية لحظة.
لا بد من وقف مصادرة الأراضي وطرد المواطنين الفلسطينيين من بيوتهم، وبناء جدار الضم العنصري المدان دوليًا، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ورفع الحصار الجائر وغير الإنساني عن أهلنا في قطاع غزة، ووقف النقل غير الشرعي للمدنيين الإسرائيليين إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لأنه لا تعايش بين الاستيطان والسلام، فالاستيطان تعبير عدواني صارخ عن الاحتلال وعقلية التوسع، والسلام يعني الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والالتزام بتطبيق قرارات الشرعية الدولية نصًّا وروحًا، وبمبدأ الأرض مقابل السلام، وبرؤية حل الدولتين وبخطة خارطة الطريق.ليس من سبيل لسلام حقيقي ودائم وشامل، بمعزل عن قرارات الشرعية الدولية، التي تطالب حكومة إسرائيل بالانسحاب التام من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967، وهو البديل عن المزيد من الانزلاق نحو المجهول، وهو الطريق لتصويب مسار العملية السياسية ووقف التآكل في الموقف التفاوضي، وتأكيد الالتزام باستحقاقات عملية السلام العادل والدائم وفق ما تقتضيه متطلبات العدالة والقانون الدولي، وليس وفق ما يسمى بالسلام الاقتصادي، أو وفق اعتبارات عملية قائمة على التسليم بما يمكن أن تقبله القوة القائمة بالاحتلال، وما أدى إليه هذا التسليم المسبق تقويض لعملية السلام وأمن المنطقة واستقرارها.
أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
إن الذي يطفئ نار العنف ويحاصر نزعات التطرف هو التقدم الشجاع نحو المفاوضات، حول الوضع الدائم من أجل التوصل إلى اتفاقاتٍ عمليةٍ متوازنة، تنهي الاحتلال لأرضنا ومقدساتنا، وتنزع فتيل الانفجار، وتوفر استقرارًا راسخًا للمنطقة المليئة بتوترات تشكل مكامن انفجار ظاهرة ومستترة، ومن هنا يأتي رفضنا بكل قوة لكل الإجراءات أحادية الجانب التي تقوم بها إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، ونطالب بوقفها فورًا لأنها تمس بقضايا الوضع النهائي، باعتبارها محاولة مكشوفة لرسم وتحديد خريطة الحل النهائي من جانب واحد، وعليه فإنني أتوجه من خلالكم إلى المجتمع الدولي برمته، بضرورة استخلاص العبر من النتائج التي وصلنا إليها، بسبب فشل الجهود الدولية في إلزام إسرائيل بوضع حد لسياساتها الاستيطانية وممارساتها العدوانية، وما ألحقه ذلك من تقويض لمصداقية عملية السلام لدى شعبنا، فجوهر الصراع يتمثل أساسًا بالاحتلال والاستيطان، وآن الأوان للعالم لكي يعالج جذور هذا الصراع بإنهاء الاحتلال، وتحقيق استقلال دولة فلسطين، التي نأمل أن تكون كما قال الرئيس أوباما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي: عضوًا جديدًا فاعلًا ومعترفًا به في الأمم المتحدة في العام القادم، مؤكدين لكم جميعًا بأن الأمم المتحدة والشرعية الدولية ستظلان المرجع والملاذ لنا لاتخاذ أية قرارات، في حال لم تنجح المفاوضات التي نؤكد لكم بأننا سنبذل قصار جهدنا لإنجاحها.
أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
إن شعبنا الفلسطيني يستمد إيمانه الذي لا يتزعزع من عدالة قضيته، ومن دعمكم ودعم وتضامن كل الأشقاء والأصدقاء والحريصين على نجاح عملية السلام، وبالتالي فإننا بحاجة لاستمرار جهودكم وجهود رعاة عملية السلام، بما في ذلك جهود الرئيس باراك أوباما، والاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي واليابان والصين، وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والأشقاء العرب والعديد من الأصدقاء في كل مكان، وبشكل خاص عندكم في الأمم المتحدة، وأثق تمامًا ونحن على عتبة الاحتفال بعام جديد، بأن معاناة شعبنا قد اقتربت من النهاية، وأثق كذلك بأن تجديد وتأكيد تضامنكم ودعمكم لشعبنا في هذا الوقت بالذات، يعزز من صمودنا ويدعم موقفنا العادل وجهودنا الصادقة لإقامة السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة، سلام يدوم ويتوطد ويترسخ، سلام يستند إلى الحق والعدل والمساواة والاحترام المتبادل والتعاون الخلاّق، سلام يضمن لشعوب المنطقة كافة الأمن والاستقرار والازدهار، ولشعبنا الفلسطيني الحرية والاستقلال، سلام يطوي صفحة الماضي بكل عذاباته وآلامه وقهره ومعاناته، سلام يفتح عهدًا جديدًا من التعاون والتعايش في المنطقة، يسود فيه الأمل والأمان والتطلع نحو مستقبل أفضل لأطفالنا جميعًا.
نجدد لكم جميعًا امتناننا وتقديرنا لجهودكم الخيرة ولمواقفكم التضامنية الثابتة مع قضية شعبنا، وأجدد رسالتي للشعب الإسرائيلي بأن يدنا ما زالت قادرة على حمل غصن الزيتون اليابس من بين الركام، وستظل ممدودة للسلام العادل من أجل تأمين مستقبل آمن لأطفالنا وأطفالهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.