الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

خطاب سيادة الرئيس محمود عباس، في حفل العشاء الذي أقامه رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما، على شرف رؤساء الدول والملوك في بريتوريا، ألقاه وزير الخارجية "رياض المالكي" نيابة عنه

خطاب سيادة الرئيس محمود عباس، في حفل العشاء الذي أقامه رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما، على شرف رؤساء الدول والملوك في بريتوريا، ألقاه وزير الخارجية "رياض المالكي" نيابة عنه

7/1/2012

بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة رئيس جمهورية جنوب إفريقيا جاكوب زوما
أصحاب الجلالة والفخامة
معالي رؤساء الوفود السياسية والحزبية
الرفيقات والرفاق قيادة وأعضاء حزب المؤتمر الوطني الإفريقي
السيدات والسادة الحضور،

أحييكم جميعًا باسم شعبنا الفلسطيني، ويسعدني غاية السعادة، أن أشارك في هذا الحدث العظيم، بالاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لتأسيس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، صاحب التجربة المميزة في مرحلتي النضال ضد نظام الفصل العنصري البائد، ومرحلة قيادة الدولة منذ التحول الذي حصل عام 1994.

إن علاقات منظمة التحرير الفلسطينية بالحركة الوطنية في جنوب إفريقيا، تعود إلى ما يقارب الخمسة عقود، بنينا وأقمنا خلالها أفضل أشكال التعاون والتنسيق على قاعدة الشراكة النضالية، والأهداف التحررية الإنسانية، ورفض العنصرية بكل أشكالها، وحق الشعوب المقدس في تقرير مصيرها.

لم تكن معركتكم سهلة، ولكن عدالة القضية، وحسن إدارة الصراع، أدت إلى النصر الذي تعتزون ونعتز به؛ فهنيئًا لشعب جنوب إفريقيا، وهنيئًا لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وهنيئًا لكم شخصيًا، أيها الصديق العزيز جاكوب زوما، وللقائد الرمز نيلسون مانديلا؛ الذي قدم لشعوب العالم نموذجًا للتضحية في سبيل الأهداف النبيلة، حيث تنعم جنوب إفريقيا اليوم، رغم كل المصاعب، بالحرية والمساواة، والدور القيادي على المستوى الإقليمي والدولي.

سيادة الرئيس، السيدات والسادة

إن تجربة شعب جنوب إفريقيا المريرة تحت نظام الفصل العنصري البائد، والمعاناة من الظلم والتمييز والاضطهاد، تجعل هذا البلد وقيادته، الأكثر تفهمًا لما يعانيه شعبنا الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي وممارساته القمعية والعنصرية، حيث يتواصل الاستيطان وتهويد القدس وإقامة جدار الفصل العنصري، والاعتقالات اليومية والحواجز، في تحدٍ سافر، وانتهاكٍ صارخ للشرعيةِ الدوليةِ وقراراتها ومبادئها.

لقد كان المناضل الراحل (أوليفر تامبو) صاحب رؤية تاريخية بشأن قضيتنا الفلسطينية؛ إذ قال حرفيًا عام 1971 في اجتماع لمنظمة تضامن الشعوب الأفرو-آسيوية في طرابلس: "إن إصرار إسرائيل على استمرار احتلالها للأراضي العربية، ورفضها للمطالب العادلة للشعب الفلسطيني جعل منطقة الشرق الأوسط، أرضية لصراع متفجر؛ مما يشكل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين."

هذه الحقيقة التي تم التعبير عنها منذ أربعة عقود، ما زالت تتفاقم، بسبب عجز أو  تخاذل أو انحياز أطراف دولية، لم تمارس مسؤولياتها في تطبيق القرارات الدولية دون معايير مزدوجة، فما يزال التعاطي مع إسرائيل وممارساتها وكأنها فوق القانون الدولي.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

العالم بأسره يجمع على أن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يستند إلى مبدأ حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي وقع عام 1967، وهو ما يعني إقامة دولة فلسطينية مستقلة في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل.

فالعالم أقر حدود دولتنا، والأمن بعد قيام الدولة يمكن أن تضمنه قوات دولية. ونحن على استعداد للوصول إلى هذا الهدف عبر المفاوضات، ولكن استمرار الاستيطان في أراضينا، الذي يرفضه ويدينه العالم كونه العقبة أمام السلام، يجعل عملية المفاوضات بلا جدوى، وهو الأمر الذي دعانا إلى الإصرار على إيقاف الاستيطان وتجميده كالتزام (وليس كشرط) من أجل العودة إلى المفاوضات، مطالبين إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بوقف الاستيطان كما جاء في خارطة الطريق وقرارات الرباعية؛ من أجل العودة إلى مفاوضات ذات جدوى.

القادة الإسرائيليون يتحدثون عن قبولهم بحل الدولتين، ولكنهم يفعلون كل ما من شانه إفشال هذا الحل، معتبرين الأرض الفلسطينية المحتلة متنازعًا عليها، في تناقض مع قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية التي تعتبرها أراض محتلة، أو ما هو أخطر من ذلك، فهم يعملون على تهويد القدس الشرقية المحتلة وضمها إلى إسرائيل.

كان قرارانا بتقديم طلب نيل العضوية في الأمم المتحدة في أيلول الماضي، الذي نشكر حكومة جنوب أفريقيا على مواقفها، حقًا مشروعًا لنا استنادًا إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 بشأن تقسيم فلسطين، أتاح ولادة دولة إسرائيل، في حين لم تقم الدولة الفلسطينية، ونحن نطالب بقيامها اليوم على جزء من أرض فلسطين التاريخية، أقل بكثير مما نص عليه قرار التقسيم، أي على 22 بالمئة فقط.

من حق شعبنا أن ينعم بالحرية والاستقلال، بعد أكثر من أربعة وستين عامًا من المعاناة تحت الاحتلال، وفي مخيمات اللجوء والشتات، ففلسطين وشعبها ومؤسساتها وإجماع العالم على التضامن معها، تستحق نيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، متطلعين إلى استمرار دعمكم جميعًا لنكون-بإذن الله-وفي أقرب وقت الدولة 194 في الأمم المتحدة.

سيادة الرئيس، السيدات والسادة،

في الوقت الذي نواصل مساعينا على المستوى الدولي، فإننا نعمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني، ورفع الحصار الإسرائيلي الظالم على قطاع غزة، معتمدين عليكم وعلى خبرتكم وعلى دوركم، مؤمنين كل الإيمان بدور بلادكم، وبدور أشقائنا في دول الاتحاد الإفريقي، فنحن من دفع الثمن غاليًا لسنوات طويلة من الاستعمار والقهر والظلم والتهميش.

عاشت جنوب إفريقيا، وعاش حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وعاشت الصداقة والأخوّة العربية والفلسطينية الإفريقية، وعاش حلمنا في عالم لا تمييز فيه بين البشر على أساس الدين أو العرق.

أكرر لكم جميعًا أطيب التحيات والتمنيات بهذه المناسبة التاريخية، أيها الصديق العزيز جاكوب زوما، ولشعب جنوب إفريقيا الصديق، وموعدنا قريبًا-بإذن الله-لنتشرف باستضافتكم في دولتنا الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.