كلمة الرئيس محمود عباس أمام مؤتمر القمة الإسلامية المنعقد في القاهرة
كلمة الرئيس محمود عباس أمام مؤتمر القمة الإسلامية المنعقد في القاهرة
بتاريخ 7 شباط 2013
بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة الأخ الرئيس محمد مرسي، رئيس جمهورية مصر العربية،
فخامة الرئيس ماكي سال، رئيس جمهورية السنغال،
الإخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
معالي الأخ البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو،
أصحاب المعالي والسعادة، السيدات والسادة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسرني بداية أن أتقدم بالتهنئة لفخامة الرئيس محمد مرسي، رئيس جمهورية مصر العربية لتوليه رئاسة القمة في دورتها الحالية، متمنيًا له كامل التوفيق والنجاح، آملين أن يعم الأمن والاستقرار في ربوع جمهورية مصر العربية، وأن ينعم شعبها بالرخاء والازدهار، وأنتهز هذه الفرصة لأشكر كذلك فخامة الرئيس ماكي سال، رئيس جمهورية السنغال، على رئاسة السنغال الناجحة للقمة الإسلامية في دورتها السابقة.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
أتوجه إلى كل منكم بأسمى عبارات التقدير والعرفان على دعمكم للتصويت في الجمعية العمومية لصالح فلسطين، مما أدى إلى حصولنا على اعتراف دولي، ورفع مكانة دولة فلسطين إلى دولة مراقب في الأمم المتحدة.
وهذا التأييد الدولي الواسع سيؤدي إلى تعزيز المكانة القانونية والدولية للقضية الفلسطينية، وسيمنع حكومة الاحتلال بعد الآن من الادعاء بأن أرض الدولة الفلسطينية هي أرض متنازع عليها، لأنها وفق القانون الدولي أصبحت الآن أرض دولة ترزح تحت الاحتلال منذ العام 1967، وتضم الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة.
وقد بدأنا في تجسيد هذا القرار على الأرض، ونسعى في نفس الوقت لإيجاد منهجية جديدة لحل الصراع القائم، على أساس المرجعيات الدولية وضمن برنامج زمني واضح، بما يؤدي لإنهاء الاحتلال واستقلال دولة فلسطين.
أما إذا اختارت الحكومة الإسرائيلية الاستمرار في التوسع الاستيطاني، وخلق الأمر الواقع على الأرض، فإننا سنلجأ إلى اتباع جميع الوسائل المتاحة لنا بما في ذلك التوجه للمؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق، فإننا نتوجه بالتقدير للمجلس الدولي لحقوق الإنسان، الذي أكد مجددًا على عدم شرعية الاستيطان، وطالب إسرائيل بإنهاء وجودها الاستيطاني في أراضي الدولة الفلسطينية، التي تنطبق عليها المادة (49) من معاهدة جنيف الرابعة.
الإخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
ما زالت معاناة القدس وأهلها ومقدساتها تتفاقم جراء السياسات التدميرية لقوات الاحتلال الإسرائيلية، فعلى مدى أربعة عقود ونصف، لم تتوقف آلة التهويد والطمس للهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، وفقًا لسياسة مبرمجة ومنهجية، ترمي إلى عزل المدينة المقدسة عن محيطها، وإحاطتها بثلاثة أحزمة استيطانية من جوانبها كافة، وتهجير أهلها منها.
إن ما يحدث في المدينة المقدسة وللأقصى من إجراءات وسياسات تعسفية، لا يقل عنه شراسة ووحشية وهمجية ما يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي في مدننا وقرانا ومخيماتنا في الضفة الغربية كافة، واستمرار حصار قطاع غزة، الأمر الذي سيؤدي إلى إطالة أمد الصراع، والعودة بالمنطقة وشعوبها إلى دوامات العنف، والحيلولة دون جعل السلام الشامل والعادل المنشود واقعًا ملموسًا على الأرض.
كل هذا وسواه، يجعل أمتنا الإسلامية اليوم مطالبة بأن تقف وقفة صلبة وصريحة؛ لحث القوى العظمى على العمل من أجل الضغط على إسرائيل، بل وحملها على وقف سياساتها الاحتلالية والعدوانية على أرضنا وضد شعبنا، وإنهاء احتلالها، والذهاب إلى مجلس الأمن ليتحمل مسؤولياته تجاه هذه المحنة التي طالت لأكثر من خمسة وستين عامًا.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
بدعمكم وتضامنكم الأخوي نستطيع أيضًا أن نتجاوز الصعاب المالية والاقتصادية الخطيرة التي نعيشها، جراء الحصار والاحتجاز الإسرائيلي لأموالنا، وفرض القيود على اقتصادنا والسيطرة على مواردنا الطبيعية، ومياهنا الجوفية، ومنعنا من استغلال واستثمار أكثر من نصف مساحة أراضينا.
وفي هذا الإطار، فمن الضروري دعم مدينة القدس الشريف، ولا سيما تنفيذ الخطة الإستراتيجية لتنمية القطاعات الحيوية فيها، التي تبناها مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي الرابع، الذي انعقد في مكة المكرمة في شهر أغسطس/ آب 2012، كما وندعو الأمانة العامة والبنك الإسلامي للتنمية، لوضع آليات لحشد الموارد المالية اللازمة لتنفيذ خطة التنمية المشار إليها.
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
إننا نعمل بكل إخلاص، للخروج من حالة الانقسام، والمضي قدمًا نحو إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية، التي هي هدف ومصلحة ومطلب فلسطيني شعبي، مشيدين بجهود الأشقاء والأصدقاء كافة وبخاصة في مصر، الذين عملوا ولا يزالون يعملون معنا من أجل إنجازها، ولعل أسرع وأقصر السبل للوصول إلى هذه الغاية المنشودة، هو أن نتوجه إلى صناديق الاقتراع؛ ليقول الشعب-مصدر السلطات وصاحب القرار-كلمته عبر الانتخابات، وبعد يومين-إن شاء الله-سيكون اجتماع بالقاهرة لإتمام الإجراءات لتحقيق هذا الهدف.
الإخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
رغم الظروف البالغة الصعوبة، التي تعيشها دولة فلسطين، ورغم الانقسام، الذي تعلمون ملابساته، إلا أننا لم نتخل ولا للحظة واحدة عن مسؤولياتنا تجاه مواطنينا وأبناء شعبنا في قطاع غزة، فنحن ننفق أكثر من 130 مليون دولار شهريًا من موازنتنا لتسديد الرواتب وتقديم الخدمات لأهلنا في القطاع المحاصر.
وإننا من على هذا المنبر الهام، لندعو المجتمع الدولي، وخاصة القوى الفاعلة فيه، وصاحبة التأثير، إلى رفع الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة وأهلها، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتنفيذ المشاريع التنموية، مثمنين عاليًا، ومعبرين عن خالص شكرنا، وتقديرنا العميق لجميع الأشقاء والأصدقاء الذين دعموا أهلنا، سواء بالمساعدات الإنسانية أو بإقامة المشاريع التنموية، وعمليات إعادة البناء والإعمار فيها.
ونود الإشارة هنا إلى ضرورة أن نفرق بين الدعم الإنساني الواجب لأهلنا في غزة، والزيارات السياسية التي تأخذ طابعًا رسميًا، وكأن هناك كيانًا مستقلًا في قطاع غزة، فمع ترحيبنا ودعمنا لأية جهود ذات طابع إنساني، فإننا لا نقبل أية زيارة أو سياسة تمثل مساسًا بوحدة التمثيل الفلسطيني، ونعتبرها تعزيزًا للانقسام، وإضرارًا بالمصالح الفلسطينية، وبالجهود المبذولة منكم جميعًا لتحقيق المصالحة الوطنية.
الإخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،
إننا نتطلع إليكم جميعًا لعمل كل ما بوسعكم، من أجل تجنيب أبناء شعبنا من اللاجئين الفلسطينيين، الذين يعيشون في سوريا، مما يتعرضون له من قتل وترويع وتهجير من منازلهم، والنأي بهم عن النزاعات الداخلية، فهم ضيوف على كل شقيق وصديق يقيمون على أرضه، وسياستنا الثابتة هي أننا لا نتدخل ولن نتدخل ولن نسمح لأحد منا أن يتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المضيفة.
إخوتي القادة الأعزاء،
أرجو لمؤتمرنا هذا النجاح والتوفيق، والخروج بالتوصيات والقرارات التي نصبو إليها من أجل رخاء ونمو وتقدم وازدهار شعوبنا وأوطاننا الغالية كافة.
مُجَدِّدًا مرة أخرى الشكر والتقدير الكبير لجمهورية مصر العربية رئيسًا وحكومة وشعبًا، على استضافة هذا المؤتمر في ربوع مصر العزيزة الأبية، مثمنًا عاليًا كل جهد تنظيمي ولوجستي بذل وقامت به مصر الشقيقة وطواقمها الفنية، وكذلك الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، ممثلة بأمينها العام وطواقمها العاملة، معبرًا للجميع عن خالص التحية والتقدير، على كل جهد قدمتموه لجعل هذه القمة ناجحة وفاعلة ومثمرة بكل المقاييس.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.