كلمة الرئيس محمود عباس بمناسبة الذكرى الـ 65 للنكبة
كلمة الرئيس محمود عباس بمناسبة الذكرى الـ 65 للنكبة
14 أيار 2013
أيتها الأخوات،
أيها الإخوة،
يا أبناء شعبنا العظيم،
أحييكم أطيب تحية في هذا اليوم الذي نستذكر فيه النكبة التي حلت بشعبنا عام 1948، وهي مناسبة لأن أوضح ما أراه مصيريًا بالنسبة لقضيتنا، على ضوء واقعنا وواقع المنطقة حولنا ،التي تشهد أحداثًا يحاول البعض استغلالها لتهميش قضيتنا الفلسطينية.
لقد حصلت النكبة عام 1948 في الأساس نتيجة خلل في موازين القُوى، فالدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وقفت إلى جانب قيام إسرائيل، في حين افتقد الفلسطينيون والعرب عنصر القوة لغياب الوحدة فيما بينهم ولعدم توفر الدعم الدولي.
نستذكر اليوم، ونذكِّر بما جرى في أعقاب النكبة عام 1948، فقد خُيل لقادة إسرائيل أنهم حققوا مقولتهم: "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب"، وغدا الفلسطينيون في نظر العالم مجرد لاجئين بحاجة إلى المساعدة والإحسان.
في تلك السنوات الصعبة التي أعقبت النكبة تعرض شعبنا إلى كل أشكال المعاناة، سواء من بقي في وطنه أم من اضطر إلى اللجوء، فلا قيادة ولا مرجعية، في حين كانت الدول العربية الحديثة الاستقلال ساحة صراعات داخلية، ومشاريع وأحلافًا أجنبية، وخطابًا سياسيًا عاطفيًا ومزاودًا، بينما كانت إسرائيل تزداد قوة على الأرض، بعلاقاتها على المستوى الدولي وتأثيرها على الرأي العام العالمي، وبخاصة في الدول الغربية، التي تقبل الدعاية الإسرائيلية بعدم وجود شعب فلسطيني، وأن إسرائيل ضحية عداء الدول العربية لها.
أستذكر تلك السنوات المريرة التي عاشها جيلنا، وأقارن بين ما كنا عليه وما نحن فيه، نحن اليوم رقم وحقيقة لا يمكن تجاوزهما، فشعبنا اليوم أكثر وعيًا وأكثر وحدة وأكثر تمرسًا بالنضال، وأكثر تواجدًا على الساحة الدولية، متسلحًا ببرنامج عمل وطني أقرته مؤسساته الرسمية ويتوافق مع الشرعية الدولية.
أيتها الأخوات،
أيها الإخوة،
عندما تعود بي الذاكرة إلى مسيرة خمسة وستين عامًا من النكبة، أرى جموع اللاجئين التائهين يتركون بيوتهم ومتاعهم وذكرياتهم، وأرى العائلات التي تفرق شملها، وأرى الآباء والأمهات يعيشون على حلم العودة، وأرى شعبًا مصرًا على الحفاظ على كرامته يكد ويكدح من أجل العيش الكريم، وأرى أمهات يرضعن أطفالهن حب فلسطين، وأرى جيلًا ينتفض من تحت ركام النكبة والهزيمة ويحمل السلاح، معلنًا البداية لمرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني.
فتحت راية منظمة التحرير الفلسطينية توحد شعبنا في أماكن تواجده كافة، وحظيت قضية فلسطين بالاعتراف تلو الاعتراف كقضيةِ تحرر وطني لشعب له الحق في تقرير مصيره، فاحتلت فلسطين مقعدها في جامعة الدول العربية، ونالت العضوية في منظمة التعاون الإسلامي، والعضوية في حركة عدم الانحياز، وأصبحت منظمة التحرير عضوًا مراقبًا دائمًا في الأمم المتحدة، وصولًا إلى اعتراف الأغلبية الساحقة من دول العالم بفلسطين كدولة عضو مراقب في المنظمة الدولية، وعضوًا كامل العضوية في منظمة اليونسكو.
لقد انتصرنا على من أرادوا طمس هويتنا وأنكروا حقوقنا وحاولوا نزع الشرعية عنا، قدمنا عبر مسيرتنا النضالية، وقدمت أمتنا العربية أيضًا، تضحيات غالية، فآلاف الشهداء البررة سقطوا، وعشرات آلاف الجرحى، ومثلهم من قضوا زهرة شبابهم في سجون الاحتلال، إنهم جميعًا أصحاب الفضل فيما وصلنا إليه من دعم دولي لحقوقنا، ومن تفهم لمواقفنا، إذ لا توجد اليوم دولة في هذا العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، تنكر حقنا المشروع في إقامة دولتنا المستقلة على أراضينا التي احتلت عام 1967.
كما أن ما تقوم به إسرائيل من استيطان وتهويد للقدس وحصار لقطاع غزة واعتقالات وأحكام ظالمة، أصبح محل إدانة من قِبل المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومن قبل كل أحرار العالم وشعوبه، ونلمس حجم التأييد والتضامن الدوليين مع حقوقنا في مختلف أرجاء العالم، فدول الاتحاد الأوروبي بصدد تنفيذ قراراتها بشأن مقاطعة إنتاج المستوطنات، وجمعيات الصداقة والتضامن مع شعبنا تنتشر في مختلف دول العالم.
ولمعظم مدننا الفلسطينية اتفاقيات توأمة وتآخي مع مدن العالم من أقصاه إلى أقصاه، ومقاومتنا الشعبية السلمية للاستيطان والجدار والتهويد يشارك في فعالياتها متضامنون أجانب ونشطاء سلام من إسرائيل أيضًا.
أيها الفلسطينيون: أخواتي، وإخوتي، وأبنائي، وبناتي، وأحفادي،
في ذكرى النكبة نستحضر مرارة الماضي ومعاناته، لنستفيد من التجربة، فلا نسمح بتكرارها أبدًا...أبدًا، ولن نراوح ما بين اليأس والأمل، فاليأس ذاهب إلى غير رجعة، والأمل كبير بهذا الشعب الذي أثبت تمسكه بوطنه، فلا فلسطين إلا فلسطين.
إن أولوياتنا على المستوى الفلسطيني تتلخص في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة بين شطري الوطن، عبر التنفيذ الأمين لما اتفق عليه في الدوحة والقاهرة، أي تشكيل حكومة انتقالية من شخصيات مستقلة، لمدة أقصاها ثلاثة أشهر تجري خلالها الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، حتى يختار الشعب الفلسطيني من يقوده للمرحلة القادمة.
والأولوية الثانية، هي توفير متطلبات الصمود والبقاء على الأرض بإنهاء الحصار الظالم لقطاع غزة، وبالحفاظ على أمن المواطن ودعم وتشجيع الاستثمار وحركة البناء والعمران لكي نفشل مخططات التهجير، ونحن على أرضنا باقون.
أما الأولوية الثالثة، فهي رعاية ومساعدة أبناء شعبنا في دول اللجوء والشتات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، فوجودنا في هذه الدول التي استضافتنا-مشكورة-وجود مؤقت لحين العودة، ولن نسمح بزج أبناء شعبنا في أية صراعات داخلية، فهذه سياستنا تجاه الوضع في سوريا اليوم، وهي كذلك في بقية الدول، عربية كانت أم غير عربية.
هذه باختصار أيتها الأخوات وأيها الإخوة أولوياتنا الفلسطينية في المرحلة الراهنة، أما على الصعيد العربي، فإننا نؤكد على أننا جزء من الأمة العربية العظيمة، نقدر التزامها وتضحيات أبنائها من أجل قضيتنا، ونحرص على تنسيق مواقفنا مع الدول الشقيقة دون استثناء العربية والإسلامية، ملتزمين بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، آملين عدم تدخلها في شؤوننا الداخلية إلا بما يخدم تحقيق وحدتنا على أساس القرارات والالتزامات الفلسطينية والعربية.
إن ثقتنا كبيرة بأشقائنا، فهم لن يقدموا على ما يضعف وحدانية التمثيل الفلسطيني، وكذلك فإننا نتطلع إلى وفاء أشقائنا بالتزاماتهم المالية في دعم صمود شعبنا، وبخاصة دعم صمود أبناء القدس التي تتعرض لأعتى عملية استيطان لتغيير معالمها، والاعتداء على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، فالمسجد الأقصى المبارك في خطر، والصمود البطولي لأهل القدس ينتظر تنفيذ ما أقرته القمم العربية من دعم يشمل القرار الخاص بشأن شبكة الأمان المالي.
أيتها الأخوات،
أيها الإخوة،
ندرك وتدركون أننا جزء من هذا العالم نؤثر فيه ونتأثر به، ومن الطبيعي أن نُولي اهتمامنا لتمتين علاقاتنا مع مختلف دول العالم، التي تطورت مواقفها وزاد تفهمها لحقوقنا المشروعة، والدليل على ذلك ممثلياتنا على مستوى سفارة في أغلب الدول، وتأييدها واعترافها بنا شكَّل عامل ضغط كبير على الحكومة الإسرائيلية التي تتعرض سياساتها لعزلة متزايدة.
يا أبناء شعبنا العظيم،
لقد انتصرنا عن جدارة في نضالنا لكسب تأييد الرأي العام العالمي، ونحن ممتنون للدعم الذي تقدمه شعوب وحكومات دول العالم ومنظماتها الإنسانية والاجتماعية ونقاباتها لشعبنا.
كما أننا نتعاطى بكل إيجابية مع أية جهود دولية تُفضي إلى حل الدولتين وإنهاء الاحتلال الذي وقع عام 1967، عبر اللجنة الرباعية الدولية، ومن خلال التحرك الأمريكي الذي يقوم به الآن وزير الخارجية جون كيري، متمسكون بثوابتنا الوطنية المنسجمة مع الشرعية الدولية، وهي قيام دولتنا المستقلة وعاصمتهما القدس الشريف، وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين حسب قرار الأمم المتحدة رقم (194)، ولن نقبل بمشاريع تنتقص من حقنا في دولة حرة ذات سيادة على كامل أراضينا التي احتلت عام 1967 وعلى حدودها ومواردها.
لقد أعلنا موقفنا بكل وضوح بأن الاستيطان نقيض للسلام، وبأن المفاوضات يجب أن تستند على حدود عام 1967، وأكدنا على أن صدق نوايا الحكومة الإسرائيلية، يتطلب إطلاق سراح أسرانا، وخاصة من اعتقل منهم قبل عام 1993، وكذلك المرضى والنساء والأطفال، والأخوة القادة وأعضاء المجلس التشريعي.
فالمفاوضات يجب أن تستند إلى المرجعيات والقرارات الدولية والاتفاقيات الموقعة والتفاهمات السابقة مع الحكومات الإسرائيلية، وتجميد الاستيطان هو التزام وليس شرطًا مسبقًا، فالاستيطان غير شرعي وغير قانوني.
إننا نريد سلامًا عادلًا يضمن الأمن للجميع.
أخواتي، إخوتي، أيها الفلسطينيون في الوطن والشتات،
في ذكرى النكبة نجدد العهد لشهدائنا، للقائد الخالد ومفجر ثورتنا الأخ أبو عمار، ولإخوانه ورفاقه الشهداء بأننا على العهد ماضون، فلا تنازل عن حقوقنا، ولا تفريط بذرة تراب من قدسنا الشريف، فالدولة كاملة السيادة قادمة بإذن الله، وتضحياتهم لا يمكن أن تذهب هدرًا، وإننا نحيي في هذه الذكرى جرحانا، وأسرانا وأسيراتنا، مؤكدين-بما لا يدع مجالًا للشك-بأن الاهتمام بقضاياهم على رأس جدول اهتماماتنا، فلا سلام دون عودة الأسرى أحرارًا إلى أحضان ذويهم وعائلاتهم.
تحية إليكم أيها الأخوة الفلسطينيون في فلسطين وفي كل ركن من أركان هذا العالم، وموعدنا قريب-إن شاء-الله لنحتفل معًا على أرض دولتنا وفي رحاب قدسنا زهرة المدائن، "ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله".
أحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.