الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

كلمة رئيس دولة فلسطين محمود عباس خلال الاحتفال بذكرى المولد النبي الشريف

كلمة رئيس دولة فلسطين محمود عباس خلال الاحتفال بذكرى المولد النبي الشريف

 24 كانون الثاني 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

"سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" صدق الله العظيم.

 

نستذكر اليوم في هذه المناسبة الجليلة المباركة نحن-أبناء فلسطين-حديث رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم): "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللؤواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا أين هم يا رسول الله قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" صدق رسول الله.

 

أيتها الأخوات وأيها الإخوة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

نحتفل سويًا بهذه الذكرى العطرة، ميلاد رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي منحه الله نبوة كاملة فكان خاتم الرسل والأنبياء وإمامهم، مستلهمين فضيلة الاقتداء بسيرته بكل ما تحتويه من عبر ودلالات نحتاج إليها لمواجهة الواقع الذي نعيش فيه، بكل ما يحمله من مصاعب وتحديات وآلام واجهتنا ونواجهها، بالإيمان والإرادة والتصميم حتى ننتزع حقوقنا المشروعة مهما كانت التضحيات.

 

نجتمع اليوم ونحن بحاجة لاستيعاب عبر ودلالات رسولنا الكريم في الإيمان المطلق بما هو حق، حتى ينغرس الأمل بالقلوب والنفوس؛ لأن الظلم زائل والاحتلال زائل، ولأن ظلام السجون زائل وأن خيمة اللجوء زائلة، وأن الغد الذي سترتفع فيه أعلام دولتنا المستقلة على مآذن القدس وكنائس القدس ليس ببعيد إن شاء الله، كما ارتفعت أعلامنا في مقر الأمم المتحدة وعواصم 138 دولة، أكثر بكثير من الدول التي تعترف بكثير من الدول، لدينا اعترافات أكثر بكثير من كثير من دول العالم، الدول التي اعترفت بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة رغم كل الضغوط وقوة ونفوذ من عارضنا ووقف ضدنا.

 

 إن هذا الإنجاز غير المسبوق يؤكد أن النصر قادم-بإذن الله-بوحدة شعبنا وبدعم أشقائنا وبتضامن أصدقائنا محبي الحرية والعدالة في هذا العالم، وبالأمل والعمل نقترب من تجسيد دولتنا على الأرض وعاصمتها الأبدية قدسنا الشريف، مسرى صاحب الذكرى ومعراجه ومربط براقه وموطئ قدميه، وهو يسير على ترابها وصخرها، يؤم رفاقه من الأنبياء في تأكيد وحدة الأديان وعلى الأخوة بين البشر، فالإسلام دين سلام، والسلام عدالة والعدالة هي الحرية، والناس ولدوا أحرارًا، ولا فضل لعربي على أعجمي ولا للون على لون ولا لجنس على جنس إلا بالتقوى.

 

أخواتي وإخواني،

 

من أجل استعادة حقوقنا علينا اتباع سياسات عاقلة وموزونة دون مغامرات غير محسوبة قولًا وفعلًا، وهذا نهجنا الذي أدى إلى عزل سياسات إسرائيل (الاستيطان والعنصرية) على المستوى الدولي، وإلى إدانة ممارساتها في القدس وباقي الضفة الغربية وحصارها الظالم لقطاع غزة، نحن اتهمنا أكثر من مرة بأننا نشن عليهم حربًا إرهابية دبلوماسية قانونية، وهذا التعبير لا أفهم ما معناه، كيف يمكن أن نشن عليهم حربًا قانونية إرهابية؟ وهل استعمال القانون إرهاب؟ وهل استعمال الدبلوماسية إرهاب؟ ولكنهم حاولوا أن يضعوا هذا في أذهان العالم لأنهم لم يجدوا شيئًا آخر يتهموننا به، إلا هذه التهمة التي نعتز بها، نحن نشن حربًا دبلوماسية للحصول على حقوقنا وهذا من حقنا، ونشن حربًا قانونية للحصول على حقوقنا وهذا من حقنا، نشن حربًا لعزل سياسة إسرائيل في أرضنا وهذا من حقنا، نشن حربًا لنزع شرعية دولة إسرائيل وهذا من حقنا، وسنستمر في هذه السياسة.

 

غير أن الإدانات على أهميتها لم تعد كافية أمام التعنت والاستخفاف بالشرعية الدولية، فالقدس وأهلها يتعرضون لأشكال متعددة من العنصرية، فالمدينة محاصرة بالمستوطنات وجدار الفصل العنصري وبيوت سكانها الفلسطينيين-مسيحيين ومسلمين-تصادر أو تهدم، والضرائب الباهظة المتعددة الأشكال تهدف إلى إخراجهم من مدينتهم، والأقصى المبارك يتعرض لسياسات عدوانية لساحاته من قبل غلاة المتطرفين الإسرائيليين، حتى المقابر ورفات آلاف الأولياء والصالحين لم تسلم من الاعتداءات الإسرائيلية، ومقبرة (مأمن الله) اليوم في خطر كبير، لذلك لا بد من مواقف عملية وإجراءات تترجمها، ولا بد أن نطرق كل الأبواب الدولية ولدينا ما نقول وما نفعل، الآن لدينا ما نقول وما نفعل، ولن نسمح أن تستمر هذه المهازل كما مرت في الماضي.

 

وعندما أصبحنا دولة مراقب-لا بأس-عضو مراقب-لا بأس-وقد طرقنا الأبواب؛ للحصول على عضوية كاملة وذهبنا إلى مجلس الأمن وصدت الأبواب في وجوهنا ولم نيأس، وأعدنا الكرّة مرة أخرى إلى الجمعية العامة وعملنا سنتين نطرق كل أبواب العالم من أقصاه إلى أقصاه ومن اليابان إلى كندا، واستجاب العالم وأصبحنا دولة، وبنظر القانون الدولي نحن دولة منذ عام 1947 ولكن لم نحصل على شهادة الميلاد، سرقوها وأصبحنا بلا هوية، وناضلنا وقدمنا التضحيات واستشهد عشرات الألوف وسجن عشرات الألوف وجرح مئات الألوف إلى أن حصلنا على  دولة مراقب.

 

ومعنى دولة مراقب أن إسرائيل كانت تنظر إلى الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 بأنها "أراض متنازع عليها، لنا أو لكم، هي لنا ولكم هي لنا وما تبقى لنا ولكم"، الآن أصبحت الأرض الفلسطينية أرض دولة محتلة، كما حصل لفرنسا في الحرب الثانية وللنرويج وألمانيا واليابان وكوريا، كثير من دول العالم احتلت وبقيت دولًا، ونحن اجتاحتنا القوات الإسرائيلية واليوم يعترف العالم بنا أننا دولة تحت الاحتلال، أي: إن كل الإجراءات التي اتخذت على أرضنا منذ عام 67 حتى اليوم باطلة، لأن اتفاقية جنيف الرابعة تقول: إنه لا يحق للدولة التي تحتل دولة أخرى أن تغير في معالمها الديمغرافية أو تنقل سكانها للعيش في مكان آخر، على من ينطبق؟ بالتأكيد ينطبق علينا.

 

وهذه الخطوة تمت بصعوبة بالغة وبعناء شديد، ولا تتصورون مدى العناء الذي عانيناه حتى في اللحظات الأخيرة قبل التصويت، لأننا كنا نشعر ونعلم ونعرف أن هناك ضغوطًا ستؤدي إلى خروج عشرات الدول خارج القاعة حتى لا تصوت، وهذا الكلام في اللحظات الأخيرة، لذلك كنا نعيش بهاجس صعب، مع ذلك حققنا ما حققنا، حتى الدول التي وقفت على الحياد جاءت بعد التصويت لتهنئنا وهذه النقطة يجب أن نفهمها.

 

النقطة الثانية: لدينا أبواب العالم مفتوحة ليصل صوتنا إلى أي مكان وأي مؤسسة في العالم، لذلك أنا قلت هنا: ولدينا ما نقول وما نفعل، ونحن ننتظر وسنرى وبيدنا أن نقول وأن نفعل، وإن عدتم عدنا وسنستمر في سياستنا هذه حتى نحقق الانتصار، بالوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

 

لقد طالبنا إخوتنا وأشقائنا العرب خلال القمة الاقتصادية قبل بضعة أيام بضرورة الإسراع بتنفيذ الخطة الإستراتيجية، المتعلقة بدعم القدس التي اتفق على تمويلها في قمتي سرت والكويت، والكل تكلم، وقالوا: لا بد لنا أن نحمي القدس وأن ندافع عن عروبة القدس وأماكنها المقدسة، فقرروا خطة إستراتيجية قدمناها لهم واعتمدوها، وفي سرت قرروا مبالغ، وفي سرت الثانية قرروا مبالغ، وفي سرت الرابعة قرروا مبالغ، ولكن شيئًا من هذه المبالغ لم تصل ونحن ننتظر.

 

نحن نعرف أن هناك دعوات لتحريم زيارة القدس وناقشنا هذا الكلام مطولًا مع كل ذي شأن وكل ذي علم، وقلنا من أين جئتم بالتحريم؟ لم يحصل لا بالقرآن ولا بالسنة، مع ذلك قالوا حرام الذهاب للقدس، حرام أن تمسح دموع إخوانك وأن تقدم لهم دعمًا ما وتساعدهم للخروج من هذه العثرات التي يعيشون بها؟

 

إن مواجهة المخططات الإسرائيلية التي تستهدف القدس بحاجة إلى إمكانيات كبيرة تعزز صمود أهلها البواسل وهي بحاجة إلى زيت ولكن ليس زيت زيتون، زيت الزيتون نحن نصدره، ابعثوا لنا زيتًا من النوع الآخر، ولكن-إن شاء الله-ربنا يهديهم ويبعثوا لنا القليل من الزيت، الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال الذي لا يستطيع، وليس الذي لا يريد، كل واحد لا بد أن يحاول، المحاولة مفتوحة، "مريض، تعبان ممكن" لكن يجب أن يكون في قلبك الرضا لترسل زيتًا ومن لم يستطع فليرسل زيتًا ليسرج في قناديل، اليوم في كهرباء والكهرباء زيت من هناك.

"الزيت من عنا" من بيت جالا أو بيت ساحور أو جنين، لكن اليوم تغيرت وزادت الحضارة.

 

نعلم صعوبة ما يواجهه شعبنا في الداخل والخارج على مستويات مختلفة، وتحظى كل قضية على ما تستحق من اهتمام وجهد؛ فالألم يعتصر قلوبنا على الأنباء التي تصلنا من سوريا وخاصة من مخيم اليرموك، ونبذل أقصى جهدنا، منه ما هو معلن ومنه وما هو غير معلن؛ لأننا نعرف أن إخوتنا في المخيمات يتعرضون لهجمات لا مصلحة لهم بها ولم يكونوا طرفًا بها، ولم يكونوا شركاء بها؛ لأننا منذ بداية الحراك العربي قلنا لجميع الفلسطينيين نحن ضيوف في بلدان العرب وغير العرب، لا نريد أن نتدخل في شؤونهم الداخلية ولا نريد أن يكتب علينا أننا وقفنا مع هذا الطرف، لكن نتمنى لهذه الشعوب أن تحقق ما تريد ومآربها وأمانيها لكن نحن لا نتدخل، وجاءت الأحداث في سوريا وقلنا نفس الكلام، في سوريا 600 ألف فلسطيني، وعندما بدأت الأحداث في المدن الإخوة السوريين يذهبون للمخيمات يدخلون المخيمات، الشعار الآن "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن"، أي من دخل المخيمات فهو آمن، الحمد لله، وبطبيعة الحال كان الفلسطينيون في سوريا أُصلاء كعهد كل هذا الشعب، استقبلوا الأشقاء الذين استقبلوهم قبل 60 عامًا وأكرموهم كما أكرمونا قبل 60 عامًا، واقتسموا معهم الرغيف كما اقتسموه معنا قبل 60 عامًا، لكن عندما وصلت الأمور إلى مخيم اليرموك، لا ندري من تدخل هنا وتدخل هناك، واصطدم مع أشخاص من المعارضة، هو يضرب هنا والمعارضة تضرب هنا فبدأ الناس يخرجون من المخيم، المخيم به أكبر نسبة فلسطينيين وسوريين يعادلون نسبة الفلسطينيين، وأنا من الناس الذين عاشوا وتربوا وتعلموا في سوريا، ولم أشعر بفرق بين فلسطيني وسوري لا في وظيفة ولا أكل ولا شيء، طيب أين سيذهب الفلسطيني الذي جاء لاجئًا من وطنه إلى هنا، لا مكان يذهب إليه لأنه لا مكان يقبله، وهذه المأساة التي نحاول أن نعالجها بكل الوسائل ليبقى الفلسطينيون في بيوتهم إلى أن تهدأ الأمور، وفي لبنان عدد كبير، وقلنا لإخوتنا عندما تنتهي القصة سيعودون وعندما تحل القضية سيعودون لوطنهم، مأساة أضيفت لمآسينا، علينا أن نتحمل، فهذه النكبة الكبيرة أرجو الله أن تنتهي.

 

وبعد التلكؤ الذي واجهنا فإننا ما زلنا ننتظر تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وأن يحذو بقية الأشقاء حذو المملكة العربية السعودية، هم لا يقصرون أبدًا ويلبون، وعندما شعروا بالأزمة بادروا، والباقي قال: نعم، "في القمة الاقتصادية" وسنعمل على تأمين الاحتياجات، قلنا نريد شبكة أمان، لأننا عندما ذهبنا للأمم المتحدة يجب أن نعاقب، قلنا لإخوتنا وفروا لنا شبكة أمان، والسعودية بدأت وبقية الدول أعطت مواعيد، وإن شاء الله تصل لنفي بالتزاماتنا.

 

أيها السيدات والسادة،

 

إن المصالحة بما تعنيه من توحيد للجهد والموقف الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا، كانت منذ اللحظة الأولى هدفًا وغاية، أي منذ أن وقع الانقلاب، ثم منذ أن تولت مصر مسؤولية المصالحة، في أوائل العام حصل اتفاق تكريس لما اتفقنا عليه في الماضي، وهو أن نبدأ في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، نحن منذ 1996 فتحنا باب الديمقراطية، وكلها انتخابات شفافة ونزيهة ونتحدى، والآن كثير من الدول العربية تحذو حذونا، الآن مضى علينا مدة طويلة، لا يجوز أن نبقى دون انتخاب 7 سنوات، والمفروض أن يكون هناك تداول للسلطة، وهذا الذي اتفقنا عليه والآن نقول لجنة الانتخابات المركزية المستقلة التي يترأسها الأخ حنا ناصر، الذي هو من أبرز الشخصيات النزيهة والأكاديمية، الذي لا يقبل تدخلًا من أحد، فاللجنة مستقلة لا يستطيع أحد أن يتدخل في شؤونها، نذهب للانتخابات، ذهبت اللجنة في شهر 6 وبدأت بإعداد المكاتب على أن تنتهي في 2/7 ولكن في 3/7 أغلقت مكاتبها، ومنذ الانقلاب 300 ألف فلسطيني لم يسجلوا ولهم الحق في أن ينتخبوا ويترشحوا، الآن نحن متفقون على أن يعودوا ليستكملوا عملها، إذا بدؤوا تبدأ المشاورات لتشكيل الحكومة من المستقلين والتكنوقراط لتشرف على الانتخابات، وهي مرحلة انتقالية، وإذا حصل في نهاية الشهر جيد ولكن إن لم يحصل سنحاول مرة أخرى ولن نمل، لأن الوحدة الوطنية من أهم العناصر التي تساعدنا على طلبنا الدولي، خاصة أننا متفقون على أن الدولة وحدة واحدة جغرافية، إذن نحن تهمنا الوحدة الوطنية ونحرص عليها، ونتقدم للشقيقة مصر التي بذلت كل جهد ممكن وما زالت تبذل في سبيل إتمام المصالحة الفلسطينية، ونسأل الله أن تتكلل جهودها بالنجاح، لنطوي عاجلًا هذه الصفحة القاتمة من تاريخنا الوطني.

تحية لأرواح الشهداء الأبرار وتحية لأسرانا البواسل وتحية إلى شعبنا في كل أماكن تواجده.

 

وكل عام وأنتم بخير وفلسطين بخير وقدسنا بخير.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.