كلمة الرئيس محمود عباس في المؤتمر الصحفي عقب لقاء بابا الفاتيكان في مدينة بيت لحم
كلمة الرئيس محمود عباس في المؤتمر الصحفي عقب لقاء بابا الفاتيكان في مدينة بيت لحم
25 أيار 2014
قداسة الحَبر الأعظم،
أصحاب الغبطة أعضاء الوفد المرافق،
أصحاب المعالي والسعادة،
السيدات والسادة،
إنه لشرف كبير أن نستقبلكم يا قداسة البابا اليوم في مدينة بيت لحم مهد السيد المسيح عليه السلام، الأرض المقدسة والمباركة، فأهلًا وسهلًا بكم يا صاحب القداسة، وأنتم تحلون ضيفًا عزيزًا على شعبنا في مدينة بيت لحم والقدس الشرقية، فزيارتكم اليوم تكتسب كل الدلالات الرمزية، التي يحملها اسمكم وشخصكم وقداستكم، كمدافع عن الفقراء، والمظلومين والمهمشين وتدعون للسلام، وأنتم تزورون في حجيجكم فلسطين أرض المحبة والسلام.
إن الأرض المقدسة، التي ترحب بكم اليوم في ربوعها، لتعتز بمسيحييها ومسلميها، بزيارتكم واستقبالكم والوفد المرافق.
لقد سعدت جدًا بالاجتماع مع قداسة البابا فرنسيس، والاستماع لآرائه الحكيمة، ورؤيته الإنسانية الثاقبة، فزيارة قداسته إضافة لما لها من معانٍ سامية في نفوسنا وأبناء شعبنا، فهي زيارة تاريخية نعتز بها في إطار علاقات الصداقة والترابط الروحي والديني، التي تجمع بين فلسطين والفاتيكان، والتي نطمح دومًا لتعزيزها، فالأرض المقدسة هي وجهة مئات الملايين من المؤمنين، وهي تمثل نموذجًا فريدًا يحتذى في التعايش، في إطار من الوئام والأخوة والمساواة في الحقوق والواجبات.
وإذ نستقبلكم في دولة فلسطين بكل حب وحفاوة فإننا نحيي لقاءكم التاريخي مع البطريرك المسكوني بارثو-لوميوس في مدينة القدس.
وقد أطلعت قداسته على آخر تطورات العملية السلمية والمفاوضات، التي أجريناها من أجل التوصل للسلام الشامل والعادل، الذي يضمن الأمن والأمان والاستقرار لمنطقتنا وشعوبها.
وقد أحطنا قداسته علمًا بمآلات العملية التفاوضية، والعثرات والعراقيل التي تعترض سبيلها، وعلى رأسها الاستيطان، والاعتداء على دور العبادة من كنائس ومساجد وبشكل يومي، وكذلك الاستمرار في احتجاز آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل، الذين يتوقون إلى الحرية، ويخوض في هذه الأيام عدد كبير منهم إضرابًا عن الطعام منذ أكثر من ثلاثين يومًا، بسبب سوء المعاملة والاعتقال دون صدور أحكام تحت اسم الاعتقال الإداري.
وقد أطلعنا قداسته أيضًا على الوضع المأساوي الذي تعيشه مدينة القدس الشرقية، عاصمة دولتنا المحتلة منذ العام 1967، من عمل إسرائيلي ممنهج لتغيير هويتها وطابعها، والتضييق على أهلها من الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين، بهدف تهجيرهم منها ومنع المؤمنين من خارجها من الصلاة في معابدها.
إننا ندعو الحكومة الإسرائيلية إلى التوقف التام عن هذه الأعمال التي تخالف القانون الدولي، ومن جانبنا فقد قدمنا رؤيتنا لعاصمتنا القدس الشرقية بأن تبقى مفتوحة لأتباع الديانات السماوية الثلاث دون تمييز.
لقد أدت هذه الممارسات الإسرائيلية إلى هجرة الكثير من أهلنا من المسيحيين والمسلمين، الذين نحرص على بقائهم وانغراسهم في أرضهم أرض الأجداد، وإننا على استعداد لأن نعمل سويًا لتعزيز الوجود الفلسطيني المسيحي الأصيل، في الأرض المقدسة وخاصة في القدس.
نود أن نعبر من صميم قلوبنا عن تثميننا العالي لجهودكم ودعمكم لحقوق شعبنا، وإننا لنعول على قداستكم في الإسهام بما لكم من مكانة دينية وروحية وإنسانية سامية، للعمل على تمكين شعبنا من نيل حريته واستقلاله التام ورحيل الاحتلال الإسرائيلي عن أرضه، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
صاحب القداسة،
لقد شاهدتم قداستكم هذا الجدار البغيض الذي تقيمه إسرائيل (القوة القائمة بالاحتلال) على أراضينا، في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى بناء جسور التواصل والحوار والجوار الحسن، والبعد عن كل ما من شأنه أن يزرع بذور الكراهية والحقد والعداء، فنحن شعب يتطلع للعيش بحرية وكرامة وسيادة على ترابه الوطني، بعيدًا عن حراب الاحتلال.
نحن لا نطلب المستحيل سيدي، ولقد قدمنا تضحيات جسام من أجل السلام، وقبلنا بإقامة دولة فلسطين المستقلة على الأرض المحتلة منذ العام 1967 فقط وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيل في أمن واحترام متبادل وحسن جوار.
نحن ملتزمون بالمبادرة العربية للسلام، وبمجرد انسحاب إسرائيل فإن كل الدول العربية والإسلامية ستعترف بإسرائيل، وتقيم معها علاقات دبلوماسية فورًا.
صاحب القداسة، نشكركم على لقائكم بأطفال وأبناء مخيمات اللاجئين، الذين يعيشون مأساة وعذابات التشريد واللجوء، الذي فرض عليهم قسرًا وقهرًا جراء النكبة منذ أكثر من 66 عامًا.
ونقدر أيضًا رغبتكم مشاركة طاولة الغداء مع عائلات فلسطينية، تمثل شرائح من مجتمعنا الذي يعاني و يرزح تحت الاحتلال، فهذا اللقاء يبعث برسالة إلى العالم بأسره، مذكرًا إياه بمأساة فلسطين.
إننا في فلسطين نعول على جهودكم ومساعيكم الخيرّة، لإحقاق حقوق شعبنا، ونرحب بأي مبادرة قد تتخذونها أو تصدر عن قداستكم لجعل السلام حقيقة في الأرض المقدسة، وبما يمكن شعبنا من بناء حياته ومستقبلة الإنساني والثقافي، وهويته الحضارية بأمن وسلام واستقرار وعيش كريم في وطنه.
فمبادئ الحق والعدل والسلام والحرية والكرامة الإنسانية التي نؤمن وإياكم بها، والتي نصت عليها كل الأديان السماوية، والقوانين والقرارات الدولية من أجل الأمن والسلم الدوليين، هي مبادئ آن لها أن تحترم وتطبق في الأراضي المقدسة.
ونغتم الفرصة التاريخية بوجودكم بيننا اليوم، لنوجه لجيراننا الإسرائيليين، رسالة سلام، قائلين لهم: تعالوا لنصنع السلام القائم على الحق والعدل والتكافؤ والاحترام المتبادل، فما تسعون له من أجل خير ورخاء شعبكم وأمنكم واستقراركم، هو عينه ما نصبو إليه.
الأمن والسلام والاستقرار هو مصلحة لشعبنا مثلما هو مصلحة لشعبكم، ولمنطقتنا وللعالم بأسره، فالسلام يصنع بتحكيم العقل والقلب والضمير الإنساني والأخلاقي الحي، ورفع الظلم والقهر والتنكيل، والتخلي عن التوسع على حساب حقوق الغير وسياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين، والتوجه بنوايا صادقة ومخلصة؛ لتحقيق السلام المنشود الذي ستنعم بثماره أجيالنا القادمة.
قداسة البابا، إن الآلاف من المؤمنين ينتظرونكم منذ الصباح في ساحة المهد؛ ليعربوا عن مدى حبهم وتقديرهم واحترامهم، وليصلوا معكم لله العلي القدير؛ من أجل الإخاء والمحبة والسلام.
فأهلًا وسهلًا بقداستكم ووفد الفاتيكان الكبير المرافق معكم في فلسطين، أرض السلام، مع تمنياتنا لكم بموفور الصحة والسعادة، وللمؤمنين جميعًا كل البركة والخير، ولحاضرة الكرسي الرسولي ورعيته، في أرجاء المعمورة كافة، دوام العزة والحفاظ على قيم الإيمان والعدل والسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله.