الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

كلمة الرئيس محمود عباس في افتتاح حديقة الاستقلال في مدينة البيرة

كلمة الرئيس محمود عباس في افتتاح حديقة الاستقلال في مدينة البيرة

 5 آذار 2015

نهنئكم بهذه الحديقة الغناء، حديقة الاستقلال التي بنيت لأهل رام الله والبيرة، ولكل فلسطيني وغير فلسطيني يحب أن يجلس هنا، ويحب أن يتنسم ريح الاستقلال لأن الاستقلال قادم... قادم... قادم-بإذن الله-في القريب العاجل.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات،

نحن نمر بظروف صعبة وقاسية ومريرة ولكننا نزعم أننا قادرون على التعامل مع هذه الظروف، بالأمس القريب واليوم يعاني مخيم اليرموك، المخيم الشامخ جنوب دمشق، من الحروب والاعتداءات من كل المتقاتلين، منظمات وغير منظمات، يتقاتلون في المخيم ونحن ندفع الثمن، نحن قلنا منذ أكثر من 4 سنوات نحن لا نتدخل في شؤون أحد، كما لا نحب أن يتدخل أحد في شؤوننا، وبالنسبة لما جرى ويجري في سوريا وغيرها، قلنا إنه لا علاقة لنا بما يجري، ومع ذلك أقحمنا في حرب ضروس شرسة لا أخلاق فيها، لم يبق من أهلنا في مخيم اليرموك إلا 20 ألفًا، وربما في هذه الأيام نزحوا أو قتلوا أو جرحوا.

هذه مأساة كتبت على شعبنا، وشعبنا لا يرضى بها ولا يريدها ولم يكن سببًا فيها، ولا أدري في كل مرة يأتون إلى هذا المخيم وغيره من المخيمات ليقحمونا بالقتال فيها ونحن براء من هذا، منذ بداية الحرب الداخلية في سوريا، كانت المخيمات (بيت أبي سفيان) أي إن كل من أراد اللجوء بنفسه وبعائلته وبأهله يذهب للمخيمات، فهي بيوت آمنة مطمئنة، لا تتدخل مع هذه الجهة أو تلك ولا ضد هذه الجهة أو تلك، إلا أن ما يحصل اليوم هو سلسلة من المآسي تصيب شعبنا في الأراضي السورية، وليل نهار هناك خلايا أزمة من منظمة التحرير الفلسطينية، من المقيمين في دمشق، الذين يحاولون أن يعالجوا هذه المأساة بأقل قدر ممكن من الخسائر، نرجو الله أن يتمكنوا.

وندعو أولئك الذين يريدون أن يقحمونا بهذه الصراعات أن يبعدونا عنها، لأن ما نحن فيه يكفينا من الألم والعناء والحروب في كل مكان، ومع ذلك نحن نحاول أن ننأى بأنفسنا إلا أنهم مصرون على ذلك، على كل حال نحن على اتصال مع إخوتنا لنحاول أن نجد حلًا يهدئ روع الناس، ويحميهم من مأساة يقدمها لنا الناس بلا ذنب اقترفناه.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات،

نحن نسير في خطى سياسية دبلوماسية هادئة، من أجل أن نحافظ على ثوابتنا ومن أجل أن نحافظ على حقوقنا، ولكن مع الأسف الشديد خلال السنوات الماضية لم نتمكن من الوصول إلى حل، ولم نتمكن من الوصول إلى ما يوقف هذا التسارع خاصة بما يتعلق بالاستيطان، ومع ذلك نحن قلنا وقالها شعبنا ونقول: إن الاستيطان منذ الحجر الأول إلى يومنا هذا باطل، ويجب أن ينتهي من أرضنا أيًا كان حجمه وأيًا كان عدد الذين يسكنون، وعليهم أن يرحلوا.

إذن منذ فترة ونحن نتبع هذه السياسية، وقد ذهبنا إلى مجلس الأمن للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة ولم نتمكن، وأحب أن أستعمل تعبيرًا وهو أن مجلس الأمن فشل وليس نحن الذين فشلوا، فهو فشل بأن يعيد الحق إلى نصابه وإلى أهله، أو أفشل من أعضائه ومن كباره، لكننا لن نستكين ولن نيأس، وذهبنا وحصلنا على الدولة غير العضو في الأمم المتحدة، وهذا كان هو الباب الواسع الذي فتح أمامنا لكثير من المنظمات.

ونحن قلنا إننا إما أن نصل إلى حل يوقف هذه الاعتداءات، أو سنبقى سائرين في مخططنا، في 30 ديسمبر الماضي ذهبنا إلى مجلس الأمن، وكنا نتوقع أن نحصل على 9 أصوات، وفعلًا في اللحظة الأخيرة تراجع أحدهم وأصبحوا ثمانية، وقامت الدنيا علينا وقالوا إننا فشلنا، نحن لم نفشل، لنفترض أننا حصلنا على تسعة أصوات نحن نعرف أن أمامنا (الفيتو)، مع ذلك لا بأس من المحاولة، ولكن ليس هناك فشل، وكنا موقني النفس على الخطوة التي تلي 30 ديسمبر، ففي 31 ديسمبر ذهبنا إلى محكمة الجنايات الدولية، وقامت الدنيا ولم تقعد لماذا؟ لأننا ذهبنا، لماذا لا نذهب ونحن معتدى علينا؟ مجلس الأمن لم يتمكن من إنصافنا، والوسطاء لم يتمكنوا من ذلك، إذن ما الحل؟ فكان بأن ذهبنا إلى محكمة الجنايات الدولية، والآن جاء قرار من المجلس المركزي يتحدث بمنتهى الصرامة والصراحة، على أن الاتفاقيات التي بيننا وبين إسرائيل اخترقت وأنهيت وأنهكت جميعًا، ومعنى ذلك أنه لم يعد هناك مكان لهذه الاتفاقيات، وإذا أرادت إسرائيل-وأشك في ذلك-أن تتراجع عن انتهاكاتها لكل الاتفاقيات فنحن مستعدون، ولكن يبدو أنهم غير مستعدين، والدليل أنهم بدؤوا بعقابنا بحجز أموالنا التي يجمعونها ويأخذون منها نصيبًا يعادل 3%، وقالوا: سنرسل لكم الأموال وأرسلوها وقد اقتطع منها الثلث، لماذا؟ هل هذه ديون؟ من الذين يقرر؟ نحن طرف آخر، قالوا: ليس لكم حق، قلنا: لا نريد هذه الأموال، هذه أموالنا وليست حسنة منكم وليست تبرعًا منكم، ولن نقبل إلا أن نحصل على حقنا كاملًا، نعيد الأموال لكم فإما تعطوننا إياها كاملة أو نذهب إلى المحكمة، إنما بهذا الأسلوب لن نقبل ذلك، وبالفعل قررنا إعادة هذه الأموال، لم نستلمها.

الآن هناك قضايا أخرى أمام محكمة الجنايات الدولية، أولاها الاعتداءات على غزة، وثانيها هي الاستيطان، والآن القيادة تدرس هذه القضايا دراسة معمقة لتقدمها في الوقت المناسب إلى محكمة الجنايات الدولية، وهذا هو الذي أمامنا، ليست أمامنا خيارات كثيرة، أغلقوا الأبواب بوجهنا، فنحن مضطرون للذهاب للشرعية الدولية للحصول على بعض حقوقنا.

هناك مساعٍ من بعض الدول للذهاب إلى مجلس الأمن، ونحن لا نعترض على الذهاب إلى مجلس الأمن لأنه أكبر محفل دولي يُلتجأ إليه في المهمات والأزمات، والمساعي التي يقوم بها البعض، قلنا رأينا بأننا نريد قرارًا يحفظ حقوقنا، ما هي حقوقنا؟ هي دولة على حدود 1967 والقدس عاصمة لها، وحل عادل لقضية اللاجئين على أساس القرار (194)، ووقف الاستيطان، دولة كاملة متكاملة على كل الأراضي الفلسطينية، يصدر هكذا قرار، أهلًا وسهلًا، لسنا بحاجة لمزيد من القرارات التي لا تنفذ، ومعلوم أن لدينا 12 قرارًا من مجلس الأمن، ومنها قرارات لم تعترض عليها أمريكا بل وافقت عليها، تطالب باجتثاث الاستيطان ولم يحصل، فإسرائيل تنفذ ما تريد وترفض ما تريد، وأنا أعطيكم نموذجًا بسيطًا، قالوا: إنكم تطالبون بـالقرار (181)، وقالوا نحن موافقون على (181)، وهو قرار يتحدث عن الدولة اليهودية، تركوا كل القرار وأخذوا منه كلمة الدولة اليهودية فقط، لذلك نحن نرفض الدولة اليهودية رفضًا قاطعًا ولن نتراجع عن هذا الموقف.

 

ذهبنا إلى القمة العربية في اليوم التالي لما سمي فيما بعد (عاصفة الحزم)، ولاحظنا أن هذه العاصفة تستحوذ على إجماع عربي، فنحن معها، لأن عنوانها المحافظة على الشرعية، ونحن أكثر الناس الذين تلوعنا من ثلم وضرب الشرعية، فقلنا لهم نحن معكم نؤيدكم وندعمكم، وإن شاء الله تلتفتون إلى من يعاني من مثل هذه المعاناة، وهنا فُهم أننا نطالب بجحافل وهذا غير صحيح، لماذا؟ لأنه عندما قام الانقلاب في غزة في 2007 لم نقاتل ولم نضرب، رغم أنهم عملوا كل شيء من قتل ورمي وترويع، وذهبنا للجامعة العربية وقلنا لهم، هناك مشكلة بحاجة لحل، فقالوا مصر تحلها، وانتظرنا أن تحل مصر القصة ولم تحل، وعملنا 3 اتفاقيات في الدوحة والقاهرة والشاطئ، وكلها تتمركز حول نقطتين: حكومة وفاق وطني شكلت ولم تتمكن من أداء واجباتها، والنقطة الثانية هي الانتخابات، وأعلنوا بالفم المليء رفض الانتخابات، ونحن نعتبر أن لدينا قضايا، يجب على العرب أن يقولوا كلمة واحدة، من هو المخطئ ومن المحق؟ وكيف يمكن أن نتعامل مع هذه القضية؟ أعود وأؤكد أننا نؤيد الموقف العربي الكامل وأعلنّا ذلك صراحة، ونتمنى لهذا الموقف العربي الذي حظي بإجماع شامل-رغم أن البعض فضل أن ينأى بنفسه عن الموضوع-أن تقوم الدول العربية بعمل ما يجب في هذا الموضوع.

 

أقول لكم تمتعوا بحديقة الاستقلال وتنسموا ريح الاستقلال لأنه قادم بإذن الله، وشكرًا.