الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

كلمة الرئيس محمود عباس، خلال الاحتفالية الخاصة بانتهاء المراحل الأولى من تدريب موظفي القطاع العام، على مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة

كلمة الرئيس محمود عباس، خلال الاحتفالية الخاصة بانتهاء المراحل الأولى من تدريب موظفي القطاع العام، على مدونة السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة

 12 آذار 2017

بسم الله الرحمن الرحيم

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أستهل حديثي إليكم بالتعبير عن سعادتي بمشاركتكم هذه الاحتفالية المتميزة موضوعًا، ومشاركين وشركاء في الإطارين الوطني والدولي، في إطار التكامل بين مؤسساتنا الوطنية من الحكومة، ممثلة بوزارة التربية والتعليم، وهيئة مكافحة الفساد، وديوان الموظفين العام، وبدعم مشكور من مؤسسات دولية حاضرة معنا هنا في هذه الاحتفالية.

وليس لدي أدنى شك، في أن هذه الخطوة التي أنجزتموها اليوم، ستتبعها خطوات وخطوات، في إطار رؤيتنا الوطنية الإستراتيجية لبناء مؤسسات الدولة، وتحقيق أقصى معايير الحكم الرشيد، من خلال الشفافية والنزاهة والمساءلة والتكامل بين القطاعات المختلفة؛ لكي نضمن لدولة فلسطين الصورة المثالية التي نتمناها بعد أن نكون قد تخلصنا من الاحتلال، وحققنا الحرية الكاملة والاستقلال التام لشعبنا ودولته الوطنية.

إن الاحتلال-أيها الإخوة والأخوات-هو العائق الأول في طريق اكتمال صورة الإنجاز الوطني الفلسطيني، بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والإدارية والأمنية، لكننا رغم ذلك ورغم أن هذا الاحتلال يمنعنا من استثمار كل مواردنا الوطنية، عبر مواصلة سرقة الأرض، وتقطيع أوصال الوطن بالمستوطنات والحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري، استطعنا أن نحقق بإرادتنا الإنسانية المرتكزة على الصمود والصبر والمثابرة والنضال، إنجازات لافتة في بناء مؤسسات دولة القانون التي تليق بتضحيات شعبنا، والتي نسعى من خلال النضال لتجسيدها في الواقع، إلى جعلها شريكًا فاعلًا للمجتمع الدولي من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل وفي جميع أرجاء العالم.

أيها الإخوة والأخوات،

إنني إذ أبارك هذه الجهود والإنجازات التي تحققت، لأدعو الجميع إلى الاستمرار في طريق البناء وتطوير القدرات، لتحقيق مزيد من الإنجازات التي ينتظرها شعبنا، مؤكدًا أننا لن نسمح لكائن من كان أن يهدم ما بنيناه، أو أن يعيدنا إلى الوراء، ولن ندخر أي جهد لتحقيق ذلك، ولن يكون أحد فوق المساءلة وفوق أحكام القانون؛ وبالذات في قضايا الفساد؛ لا يوجد أحد فوق القانون، والكل تحت المساءلة، ولن يظلم أحد، وهذه ليست مسؤولية الهيئة فقط، بل مسؤولية الجميع؛ لذلك يجب أن نعمل على متابعة الفساد ومحاربته واجتثاثه من جذوره.

لقد أصبحت دولة فلسطين جزءًا من النظام الدولي، بعد أن حصلت على وضع الدولة في مؤسسات الأمم المتحدة عام 2012، وانضمت إلى العديد من المنظمات والمواثيق والمعاهدات الدولية، بما في ذلك منظمة اليونسكو ومحكمة الجنايات الدولية، والاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وغيرها من المؤسسات والمنظمات، وسوف نستمر في هذا الطريق الذي بدأناه، مؤكدين في هذا المقام أن دولة فلسطين، بمؤسساتها كافة، السياسية والإدارية والأمنية، حريصة على الوفاء بجميع التزاماتها الناجمة عن انضمامها لهذه المواثيق والاتفاقيات الدولية؛ ولا يكفي الانضمام؛ وإنما علينا مواءمة منظومة قوانيننا الوطنية مع متطلبات القانون الدولي، أو بتحقيق أقصى درجة ممكنة من الشفافية والنزاهة والإصلاح في المجالات كافة، بما في ذلك الالتزام الكامل بالممارسة الديمقراطية كأساس للحكم في دولتنا، عبر إجراء الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، حالما نتمكن من ذلك، وها نحن نستعد في هذا السياق لإجراء الانتخابات المحلية، حيثما كان ذلك ممكنًا؛ ولكن الديمقراطية ممكنة في كل مكان، لذلك نسألهم: لماذا ترفضون إجراء الانتخابات المحلية، رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا؟ آملين أن تستجيب حركة "حماس" لصوت العقل والضمير الوطني، لإنهاء الانقسام عبر صناديق الاقتراع، التي هي الضمانة الوحيدة للمشاركة الإيجابية في بناء الوطن وتحقيق الاستقلال؛ علمًا أننا أثبتنا، خلال كل المراحل الماضية، أننا نتمتع بمصداقية لا يتطرق إليها الشك في النزاهة واحترام الممارسة الديمقراطية ونتائج الانتخابات.

منذ العام 2007، عندما وقع الانقلاب الأسود ونحن نسعى للمصالحة؛ لأنه لا يجوز استمرار هذا الانقسام، نحن نريد المصالحة عبر الحوار، وبالفعل تدخلت مصر وقطر وغيرهما؛ لكن الانقسام ما زال مستمرًا، نحن نعني بالمصالحة تشكيل حكومة وحدة وطنية تلتزم بالتزامات منظمة التحرير، وتحضر لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وتنهي هذه الحالة الشاذة التي مرت عليها عشر سنوات عجاف، وما زلنا نمد أيدينا للمصالحة ولإنهاء الانقسام البغيض؛ إيمانًا منا بأن وحدتنا الوطنية هي السياج الحامي لشعبنا ولقضيته الوطنية المقدسة؛ كما أننا نجري الاستعدادات والمشاورات والتحضيرات الضرورية لعقد المجلس الوطني الفلسطيني، لتعزيز وحماية منظمة التحرير الفلسطينية، التي هي بيتنا المعنوي، والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا.

صحيح أن المنظمة بحاجة إلى إعادة بناء، لذلك نحتاج لعقد المجلس الوطني بسرعة، وهنا في وطننا لحماية المنظمة التي هي ممثلنا الشرعي والوحيد، خاصة في ظل المؤتمرات المشبوهة التي تعقد هنا وهناك؛ وتهدف إلى تمزيق البيت الفلسطيني؛ وكلها إلى مزابل التاريخ كما ذهب غيرها؛ فشعبنا موحد داخل منظمة التحرير التي نتوحد ونختلف داخلها؛ وليس خارجها.

الإخوة والأخوات،

لقد أصبح العالم بأسره موقنًا أننا طلاب سلام قائم على العدل؛ وبات المجتمع الدولي اليوم أكثر اقتناعًا بأن الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين هو سبب كل المصائب التي تعاني منها المنطقة والعالم؛ فعلاقاتنا الدولية مميزة جدًا؛ فأوروبا مثلًا أدانت الاستيطان واعتبرت منتجاته غير شرعية.

نرسل التحية للبابا فرنسيس الذي اعترف بدولة فلسطين، وكذلك السويد وغيرها؛ مؤكدين أنه دون حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا، وفق "حل الدولتين" الذي تضمنته مبادرة السلام العربية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة؛ وآخرها القرار (2334) الذي انتظرناه 36 عامًا، فلن يتحقق السلام أو الأمن أو الاستقرار، وستظل المنطقة مفتوحة على خيارات شديدة الصعوبة، خصوصًا في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب والتطرف التي ندينها ونحاربها بكل ما أوتينا من طاقة.

إننا لا نطلب المستحيل، ولا نسعى إلا إلى السلام القائم على الشرعية الدولية، وهذا السلام لن يتحقق طالما بقي الاحتلال الإسرائيلي جاثمًا على صدورنا، ورسالتنا لكل المجتمع الدولي اليوم أنه قد آن الأوان للاعتراف بدولة فلسطين في حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، كضمان أكيد لإرساء أهم دعائم السلام والاستقرار في المنطقة، بل في العالم أجمع.

إن استمرار إسرائيل (قوة الاحتلال) في سياساتها العدوانية ضد شعبنا وحقوقه المشروعة، من خلال مواصلة الاستيطان المنافي للقانون الدولي في أرض دولتنا المحتلة، واستمرار الانتهاكات العنصرية ضد أبناء شعبنا ومقدساتنا الإسلامية والمسيحية، وبخاصة في مدينة القدس (عاصمتنا الخالدة)، التي كان آخرها ما يعرف بـ"قانون الأذان"، الذي يعتبر أذان المساجد (إرهابًا)! نحن سنؤذن في كل مكان، ولن نسمح له أن يمر؛ وسيرفع الأذان من الكنائس كدليل على التلاحم الوطني والحياة المشتركة في فلسطين؛ فالكل هنا اسمه "فلسطين" بغض النظر عن الديانة أو المذهب، وهذا القانون انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، واعتداء خطير على مقدساتنا وقيمنا الدينية، كل ذلك ينذر بعواقب وخيمة لا يتمناها أحد.

 

وأقول لكم أيها الإخوة والأخوات: إننا لن نسكت على هذه الانتهاكات العنصرية، بل سنواصل التصدي لها بكل بأس، وفق إستراتيجياتنا الوطنية التي تعتمد العمل السياسي والقانوني، والمقاومة الشعبية السلمية، أساسًا لأي تحرك في هذا الإطار؛ وصولًا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين المحتلة كاملةً غير منقوصة.

 

أيها الإخوة والأخوات،

لقد أجريت قبل يومين محادثات هاتفية بناءة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نقدر له هذه المبادرة، حيث أكد التزامه الكامل بعملية السلام؛ في حين أكدنا نحن مواقفنا الثابتة أننا مع السلام القائم على "حل الدولتين" وفق قرارات الشرعية الدولية، وأننا جزء من الشرعية الدولية؛ كما أكدنا موقفنا الرافض للإرهاب والتطرف، هذا الموقف القائم على قيمنا وقناعاتنا الدينية والوطنية، وعلى حماية مصالح شعبنا وأمتنا، وسوف نستمر في التعاون معه للوصول إلى سلام عادل وشامل يحقق الأمن والاستقرار للجميع؛ حيث تلقينا منه دعوة للاجتماع به في البيت الأبيض قريبًا؛ من أجل دفع عملية السلام قدمًا، وصولًا إلى الحل الشامل والعادل.

 

لقد أصبحت دولة فلسطين حقيقية وقانونية وسياسية لا يمكن تجاوزها؛ وإن شعبنا الذي انتزع هذه المكاسب والإنجازات بنضاله وتضحياته، وبعدالة قضيته ودعم أشقائه وأصدقائه، لن يفرط بها، ولن يتهاون لإنجاز الحرية وإنهاء الاحتلال وممارسة السيادة والاستقلال.

وأؤكد لكم ها هنا، أننا لن نسمح لأية مشاريع أو أفكار تصفوية أن تجهض مشروعنا الوطني؛ وسنرفض أي حل ينتقص من حقوقنا وسيادتنا، بما في ذلك ما يتم تداوله هذه الأيام حول إقامة دولة في غزة؛ سنحارب هذه المؤامرات بكل طاقتنا؛ فلا دولة فلسطينية في غزة، ولا دولة فلسطينية بدون غزة؛ غزة جزء من دولة فلسطين، ولن نسمح بفصلها عن جسدنا الفلسطيني الواحد، وموعدنا الحرية والاستقلال، لنرفع علم دولة فلسطين الحرة المستقلة كاملة السيادة على مآذن وكنائس عاصمتنا الخالدة القدس.

 

شكرًا لكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.