كلمة الرئيس محمود عباس أمام القمة العادية الثلاثين للاتحاد الإفريقي، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا
كلمة الرئيس محمود عباس أمام القمة العادية الثلاثين للاتحاد الإفريقي، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا
28 كانون الثاني 2018
فخامة الرئيس ألفا كوندي،
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، رؤساء الوفود،
معالي الأخ موسى فقي، الحضور الكريم،
يسعدني أن ألتقي بكم مجددًا في مطلع هذا العام، الذي نأمل أن يكون عام خير ورخاء للجميع؛ وأشكركم، أيها الأصدقاء الأعزاء، على دعوتكم الكريمة لحضور قمتكم هذه، التي تكرسونها لبحث قضايا تهم اتحادكم ودوله الأعضاء، وتساهم في تعزيز مكانتها الدولية والنهوض باقتصاداتها، ورفع المستوى المعيشي لشعوبكم الصديقة التي نتمنى لها ولدولكم، تحقيق الازدهار والسلام والتنمية المستدامة؛ فإفريقيا القوية هي قوة لكل أصدقائها.
إننا ننظر بافتخار لعلاقاتنا بإفريقيا، ونسعى دومًا لتقويتها وتطويرها ضمن رؤية تاريخية ببعدها الإستراتيجي، وبأدوات تضامنية وتنموية وعبر شراكة حقيقية تربط دولة فلسطين بشقيقاتها الدول الإفريقية.
وأعبر لكم عن الامتنان والعرفان لدول اتحادكم على مواقفها التضامنية المبدئية والداعمة للقضية الفلسطينية، التي تجلت بوضوح في التصويت الأخير في الأمم المتحدة المتعلق بالقدس، الذي حاز أيضًا على إجماع غالبية دول العالم، حرصًا منكم ومن الجميع على أهمية المحافظة على عدم خرق القانون الدولي، واحترامه والالتزام به، حفاظًا على النظام الدولي الحامي لعلاقاتنا والناظم لها.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أعبر عن الشكر الجزيل لكل من مصر وإثيوبيا والسنغال الممثلين عن القارة الإفريقية في مجلس الأمن؛ لموقفهم المشرف بهذا الخصوص، كما أنظر بنفس الاحترام والتقدير لكل من غينيا الاستوائية والكوت ديفوار؛ للدور الذي ستلعبانه في مجلس الأمن تمثيلًا لإفريقيا، واحترامًا للقانون الدولي، وحماية للمستضعفين، ودعمًا للحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وفي هذا الصدد، فإننا نؤكد على أهمية التزام جميع الدول بالامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية في مدينة القدس، عملًا بقرار مجلس الأمن (478) للعام 1980، وعدم الاعتراف بأية إجراءات أو تدابير مخالفة لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالقدس والقضية الفلسطينية؛ فمدينة القدس المحتلة، تتعرض من قبل إسرائيل (دولة الاحتلال) لهجمة شرسة تهدف لتغيير هويتها الروحية، وطابعها، ومكانتها التاريخية، والعبث بمقدساتها المسيحية والإسلامية؛ إضافة إلى إصدارها قوانين عديدة تكرس ضم القدس الشرقية، والاستيلاء عليها بقرار أحادي، واتخاذ قرارات مخالفة للقانون الدولي تحت اسم القدس الموحدة.
السيد الرئيس، السيدات والسادة،
إن تمسكنا بخيار السلام، هو خيار نسعى لتحقيقه منذ عقود؛ غير أن قرار الرئيس ترمب المتعلق بالقدس، قد جعل الولايات المتحدة طرفًا منحازًا لإسرائيل؛ واستبعدت نفسها كوسيط في عملية السلام؛ وبذلك فإنها لن تكون قادرة على أن تقترح حلًا عادلًا ومنصفًا لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
إن متابعة جهود السلام تتطلب إنشاء آلية دولية متعددة الأطراف تحت مظلة الأمم المتحدة، وندعو لأن يكون للاتحاد الإفريقي، ودوله الأعضاء ممثلون لهم في هذه الآلية أو في المؤتمر الدولي الذي ندعو لتنظيمه وفق قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ "حل الدولتين" على حدود 1967؛ وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أرض دولة فلسطين، وبما فيها القدس الشرقية، عاصمة دولتنا، التي نريدها مفتوحة لجميع أتباع الديانات السماوية (الإسلام، والمسيحية، واليهودية)، ليمارسوا شعائرهم وصلواتهم فيها بأمن وسلام؛ الأمر الذي سيتيح الفرصة لكل من فلسطين وإسرائيل لتعيشا في أمن واستقرار وحسن جوار.
السيد الرئيس، السيدات والسادة،
إننا نشيد بالجهود الإفريقية والتنسيق القائم فيما بين دولكم لمكافحة الإرهاب والتطرف، الذي ندينه بكافة أشكاله، وفي هذا الصدد، نعمل مع العشرات من دول العالم لمكافحة الإرهاب، ومنها بعض دولكم الصديقة، إضافة إلى جاهزيتنا للشراكة مع القارة الإفريقية في برنامج التنمية، ولعقد اتفاقات تعاون وتبادل الخبرات في مجالات الصحة والزراعة والطاقة والإدارة العامة، والتعاون بين رجال الأعمال من خلال "الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي".
أيها الأصدقاء والأشقاء،
إننا نعتز بعمق ومتانة العلاقات التاريخية التي تربط فلسطين وشعبها بإفريقيا وشعوبها، وإن مواجهة الاستعمار والعنصرية والظلم والتأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، هي قضايا مشتركة بين فلسطين وبين شعوب القارة الإفريقية، ونحن نعول على ثباتكم على مواقفكم النبيلة تجاه قضية فلسطين، ودفاعكم عن تلك القيم والمبادئ، وبخاصة في ظل تعرض القضية الفلسطينية لمؤامرات تهدف للقفز عن حقوق شعبنا وتصفية قضيته العادلة.
والتزامًا منا بالموقف التضامني الذي تعيشه العلاقات الإفريقية الفلسطينية؛ فإننا نستنكر أية إساءة توجه من أي جهة كانت للدول الإفريقية الصديقة وشعوبها؛ وهو ما نرفضه؛ لما لإفريقيا وشعوبها الأصيلة والمناضلة من إسهامات كبيرة في الحضارة الإنسانية على مر العصور، ودور في بناء النظام الدولي الذي نعرفه اليوم.
وإننا نتطلع إلى اليوم الذي نستقبلكم فيه في دولة فلسطين المستقلة، ليتمكن مواطنوكم من زيارة الأقصى والقيامة والمهد؛ والصلاة فيها بحرية ودون معوقات؛ ونحرص على استمرار ونمو علاقاتنا المشتركة، راجين لإفريقيا الصديقة ودولها وشعوبها كافة، وللاتحاد الإفريقي تحقيق المزيد من الرخاء والتقدم والازدهار.
أشكركم من صميم قلبي على مواقفكم الصادقة والمخلصة إلى جانب الحق والعدل لتمكين شعبنا من نيل حريته واستقلاله على ترابه الوطني.
نهنئ أنفسنا بالذكرى المئوية للبطل العظيم نيلسون مانديلا.
والسلام عليكم.