كلمة السيد الرئيس محمود عباس، في الذكرى الرابعة والخمسين لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني
كلمة السيد الرئيس محمود عباس، في الذكرى الرابعة والخمسين لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني
رام الله 31-12-2018
يا أبناء شعبنا الفلسطيني العظيم في الوطن والشتات،
أيتها الأخوات وأيها الإخوة،
أتوجه إليكم بتحية إجلال وإكبار على صمودكم وتضحياتكم، وصبركم، وثباتكم على أرضكم، مجددين العهد بأننا سنواصل العمل من أجل تحقيق أهدافنا في الاستقلال والسيادة والدولة.
نحيي اليوم، الذكرى الرابعة والخمسين لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، لنؤكد مجددًا بأن (فتح)، التي قادت الثورة والتي انطلقت مدوية في مطلع العام 1965، بقيادة القائد الرمز الشهيد أبو عمار، وإخوانه القادة المؤسسين لحركة (فتح) لتكريس الهوية الفلسطينية، واستعادة الحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني.
لقد قدمت (فتح)، وإلى جانبها جميع شرائح شعبنا وفصائل العمل الوطني الفلسطيني كافة، قوافل الشهداء والأسرى والجرحى الذين نجلّهم جميعًا، ونقول لهم: إننا ما زلنا على العهد والقسم، نتمسك بالثوابت الوطنية، ونحمي مشروعنا الوطني، وقرارنا المستقل، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبيته السياسي والمعنوي في أماكن تواجده كافة.
وما زالت راية فلسطين عالية خفاقة، تتوارثها الأجيال الفلسطينية؛ دفاعًا عن وجودنا وهويتنا وبقائنا على ترابنا الوطني الفلسطيني المستقل.
أيتها الأخوات وأيها الإخوة،
إن ما قامت به الإدارة الأمريكية من انحياز لإسرائيل باعترافها بالقدس عاصمة لها ونقل سفارة بلادها إليها، واتخاذها إجراءات عقابية ضدنا، لن يهزنا، كما أن كل ذلك لن يزيل أو يقوض حقنا في القدس، ولن يجعلنا نتنازل عن ثوابتنا الوطنية وحقوقنا المشروعة، ولن يجعلنا نوافق على صفقة عصر مخالفة للشرعية الدولية، ولن يغير حقيقة أن القدس الشرقية هي عاصمة دولتنا الفلسطينية، فالقدس ليست عقارًا للبيع، بل تحمل بالنسبة لنا قيمًا دينية وتاريخية وحضارية، ولن تكون فلسطين دون القدس بالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة عاصمة لها.
وإن العقوبات الموجهة ضدنا من الإدارة الأمريكية بقطع المساعدات عن الحكومة الفلسطينية، وعن الأونروا، لن يغير مواقفنا، ولن يلغى ملف اللاجئين وحقوقهم المكفولة طبقًا لقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار (194).
وإن مواصلة الاستيطان الاستعماري، والاحتلال لأرض دولة فلسطين، لن يكسر إرادتنا، ولن ينال من عزيمتنا؛ لأن شعبنا لا يركع إلا لله وحده، فهذه أرضنا ومقدساتنا، وهي أرض آبائنا وأجدادنا.
إن الاعتقالات، والاجتياحات، وإرهاب المستوطنين، وهدم المنازل، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وفرض القوانين العنصرية، لن يجلب الأمن والسلام لإسرائيل، بل سيؤدي إلى توسيع دائرة العنف والفوضى والتطرف وإراقة الدماء.
إن تكريس الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفق قرارات المجالس الوطنية، ومرجعيات وقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية كما صدرت في العام 2002، هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في منطقتنا.
لقد بنينا مؤسسات دولتنا الفلسطينية، على أساس سيادة القانون، ونعمل على النهوض باقتصادنا الوطني، وتمكين المرأة والشباب، وذوي الاحتياجات الخاصة، ونشر ثقافة السلام، ومحاربة الإرهاب، وسنواصل انضمامنا للمنظمات والمعاهدات الدولية ترسيخًا لاستمرار بناء مؤسسات دولة فلسطين.
لقد حصلنا على اعتراف 139 دولة، وندعو بقية دول العالم لأن تعترف بدولة فلسطين على حدود العام 1967، وبعاصمتها القدس الشرقية، ونواصل العمل من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، وقواعد القانون الدولي، وبالمقاومة الشعبية السلمية، من أجل تحقيق أهدافنا في الحرية والاستقلال والبناء.
كما سنواصل مسيرتنا وتحقيق إنجازاتنا الواحدة تلو الأخرى، وخلال أسبوعين سنتسلم رئاسة مجموعة (77 + الصين)، وهي مجموعة من 134 دولة، وهو الأمر الذي سيعزز مكانة دولة فلسطين على الساحة الدولية.
وفي إطار آخر، أود أن أشير إلى قرار المجلس المركزي الفلسطيني المنعقد في مدينة رام الله في شهر أكتوبر الماضي، الذي أكد على ضرورة حماية المشروع الوطني الفلسطيني وإنجازاته، من خلال مجموعة من القرارات الهادفة للانتقال من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة، ومنها تفعيل دوائر منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي، وقد بدأنا بتنفيذ عدد من الخطوات الفعلية.
وعلى الصعيد الداخلي فقد أصدرت المحكمة الدستورية قرارًا يقضي بحل المجلس التشريعي، وإجراء الانتخابات التشريعية خلال ستة أشهر، وقد تم تكليف لجنة الانتخابات المركزية بإجراء مشاورات فورية لتنفيذ هذا القرار، وأدعو الجميع للاستعداد لإجراء هذه الانتخابات.
من ناحية أخرى، فإننا نسعى لتحقيق وحدتنا الوطنية، ونعمل مع الأشقاء في مصر بكل إخلاص من أجل تطبيق اتفاق أكتوبر 2017، وصولًا لحكومة واحدة وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد.
وفي هذا الصدد، سنواصل العمل من أجل دعم أبناء شعبنا، ومواجهة المشاريع المشبوهة لفصل غزة عن الوطن، فصراعنا يجب أن يستمر فقط مع من يحتل أرضنا، وقدسنا ومقدساتنا.
وأغتنم هذه المناسبة، لأتوجه بجزيل الشكر والتقدير لجميع شعوب ودول العالم التي وقفت، وتقف إلى جانب شعبنا، لتمكينه من استعادة حقوقه المشروعة، وبخاصة في المحافل الدولية، كما نتقدم بالشكر لجميع الدول، التي قدمت المساعدات لبناء مؤسسات دولتنا والنهوض باقتصادنا الوطني، ونتقدم بالتقدير للدول التي قدمت المساعدات لوكالة الأونروا، وندعوها لمواصلة دعمها لتتمكن من أداء مهامها الإنسانية السامية.
وفي الختام، فإننا ندعو أبناء وبنات شعبنا الفلسطيني، في فلسطين وكل مكان في العالم، للتوحد حول هدف واحد، وهو رفعة فلسطين، وإعلاء رايتها، ولمواصلة صمودهم وثباتهم على أرضهم، وحماية مقدساتنا المسيحية والإسلامية، وأتوجه لشعبنا بالتهاني بالأعياد المجيدة ورأس السنة الميلادية الجديدة، وكل عام وأنتم جميعًا بخير وسلام وتعايش وتسامح فنحن شعب واحد، ودم واحد، وحلم واحد نسير معًا نحو الحرية والاستقلال.
وأتوجه بشكل خاص لأسر الشهداء والأسرى الأبطال والجرحى البواسل وعائلاتهم، لأحييهم وأقول لهم مزيدًا من الصبر والثبات على طريق الحرية، والصمود على أرضنا والحفاظ على وحدة الهدف والمصير، ففجر الحرية والنصر آتيان لا محالة، مهما طال الزمان أو قصر، ومسألة الإفراج عن الأسرى سوف تبقى على رأس أولوياتنا.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والحرية لأسرانا البواسل، والشفاء العاجل لجرحانا، عاشت فلسطين حرة عربية، وعاشت القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين.
والسلام عليكم.