الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

كلمة الرئيس محمود عباس خلال ترؤسه اجتماع القيادة في مقر الرئاسة بمدينة رام الله

كلمة الرئيس محمود عباس خلال ترؤسه اجتماع القيادة في مقر الرئاسة بمدينة رام الله

 29/4/2021

 

في البداية كل عام وأنتم بخير مسلمين ومسيحيين بمناسبة الأيام المباركة التي نمر بها هذه الأيام.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

نلتقي اليوم من أجل أن نتدارس ونناقش أمرًا في منتهى الأهمية، وهو الانتخابات التشريعية التي قررنا ونظمنا مراسيم بشأنها، لتكون في الثاني والعشرين من شهر أيار/مايو المقبل.

في البداية أريد أن أشيد بموقف شعبنا العظيم في القدس، وبالشعوب العربية التي وقفت إلى جانبنا في أحداث القدس التي بدأت قبل أسابيع قليلة، هذه الأحداث التي شهدها العالم كله، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في القدس شعبًا عظيمًا، قادرًا أن يقول للاحتلال ولغيره لا.

وكانت هجمة عنيفة من المستوطنين ومن الحكومة الإسرائيلية نفسها، الحكومة التي دعمت هؤلاء ووقفت إلى جانبهم وأيدتهم وحثتهم ونصرتهم على أن يطبقوا شعارهم الذي قالوا فيه "الموت للعرب".

فهبت القدس في البداية، ثم تبعتها كل الأقطار وكل المناطق الفلسطينية وعبر الخط الأخضر والمخيمات ومعها الشعوب العربية لتقول: "لا، القدس لنا، القدس لنا وليست لأحد غيرنا"، وكانت نتيجة هذه الهبة العظيمة، أن إخوتنا استطاعوا أن يزيلوا الحواجز التي نصبت لهم في كل مكان في القدس، لتمنعهم من الحركة ولتمنعهم من العمل في القدس، فما كان منهم إلا أن هبوا بالسواعد العارية، أي: بالمقاومة الشعبية السلمية، هذه المقاومة التي ما فتئنا نكرر بأنها الطريق الوحيد لمقارعة هذا العدوان على شعبنا.

هبوا وأزالوا الحواجز بقوة سواعدهم العارية، ولن ننسى أن هذه الحواجز أزيلت في معركة البوابات قبل عدة سنوات.

والآن منذ أكثر من أسبوعين كانت نفس الهجمة ونفس العزيمة لأهل القدس أولًا ثم لنا جميعًا، لنقول: لا لكل المخططات التي وُضعت من أجل استهداف القدس، ولا لكل من يقول إن القدس الموحدة عاصمة لدولة إسرائيل، لا، القدس الشرقية عاصمة أبدية لدولة فلسطين، وبناء عليه قام هؤلاء الإخوة وانتصروا ونجحوا.

إن القدس بقيت شامخة واقفة، رغم كل الخطط ورغم خطة ترمب التي رفضناها، والتي ارتدت عليه.

بدأنا منذ 2007 العمل على استعادة الوحدة الوطنية، وعلى العمل من أجل وحدة الشعب في الضفة وغزة والقدس، وبذلنا جهودًا كبيرة وعقدت اتفاقات واجتماعات ونداءات لكن-مع الأسف الشديد-لم نوفق إلى أن نصل إلى ما يصبوا إليه شعبنا.

وكان لا بد أن نبدأ بخطوة ما، فقلنا لا بد أن نذهب إلى الانتخابات، وعقدنا في مقر الرئاسة اجتماعًا للأمناء العامين، واتفقنا على إجراء الانتخابات وانطلقنا من أجل أن نحقق هذا الهدف، وبدأت اللقاءات في اسطنبول أولًا ثم برعاية الأشقاء في مصر، وكانت هناك جولات وجولات من أجل تحقيق هذا الهدف بكل الوسائل الممكنة.

أول ما أعلنا عن ذلك في الأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2019، حين أعلنا رغبتنا وبصراحة في عقد انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، فقالت أوروبا: نحن معكم ومستعدون أن ندعمكم وأن نفعل ما تريدون من أجل تحقيق هذا الهدف وشكرناهم على هذا الموقف.

وقال الأوروبيون في حينه: إن علينا أن نصدر مراسيم الانتخابات، وهذا كان كافيًا لبدء الجهود الأوروبية، لأن إسرائيل التقطت ما قاله ترمب وتمسكت به، واعتبرت ما صدر عنه بإعلان القدس عاصمة أبدية لإسرائيل نهاية المطاف، وأنها حصلت على ما تريد وأن القدس الموحدة أصبحت عاصمة أبدية لإسرائيل.

وأكد الاتحاد الأوروبي في حينه أنه يدعم الموقف الفلسطيني وسيقول لإسرائيل أن تتراجع عن موقفها هذا، ومضت الأيام ونحن ننتظر جوابًا من أوروبا، ثم وسعنا الاتصالات وقلنا للأمريكيين: أين أنتم؟ قلنا لهم: نريد موقفكم، ولم نسمع منهم موقفًا، فقال الأوروبيون نحن سنأتيكم بالموقف، وأرسلنا بعد ذلك رسائل مكتوبة لهم عن العهود التي أطلقها الأوروبيون مجرد أن تصدر المراسيم فنحن جاهزون لنفحص معكم لدى إسرائيل، وانتظرنا ولم يأت جواب.

ثم أرسلنا وزير الخارجية إلى أوروبا ليقول لهم نحن ننتظر، واقتربت المواعيد وأصبح الوقت ضيقًا جدًا وليس أمامنا شيء، وما زالت إسرائيل مصممة على ألا تسمح بإجراء الانتخابات في القدس، ونحن من جهتنا حاولنا مرارًا بإقامة تجمعات لممثلي ومرشحي الكتل الانتخابية، فتم الاعتداء عليهم ومنعهم، ولم يسمحوا لأحد بأن يمارس أي نشاط.

وقال رئيس الاتحاد الأوروبي: أنا محبط لأنني اتصلت بإسرائيل عدة مرات ولم يأتوا بجواب، وتعهد بأن يستمر في المساعي معنا، ولكن إلى متى؟ لم يبق وقت حتى ننتظر.

وذهب مندوبو الاتحاد الأوروبي لمقابلة الإسرائيليين، فقالوا لهم: نحن موافقون على إجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية، قلنا: هل يعني هذا أنهم سيسمحون لنا بإجرائها في القدس؟ قالوا: لا، وتعهدوا ببذل المزيد من الجهود دون تحديد سقف زمني، إذن ماذا نفعل؟ فقال الأوروبيون: لا فائدة، الإسرائيليون لن يسمحوا بالانتخابات في القدس.

كلنا نعرف أن لجنة الانتخابات المركزية بذلت جهودًا خارقة في تسجيل الناخبين، حيث لم يحصل في التاريخ الفلسطيني أن أكثر من 90% من الشعب سجل للانتخابات، وهذا يعكس حماسة شديدة واهتمامًا للانتخابات من قبل الشعب، كما أن وجود 36 قائمة لخوض انتخابات المجلس التشريعي، يعني أن هناك حماسة شديدة من الشعب لإجراء الانتخابات، لكن أين القدس؟

المؤشرات التي جاءتنا من الإسرائيليين كانت على النحو التالي:

قبل فترة  حصلت مع الإسرائيليين مشكلة المقاصة التي رفضنا استلامها إلا حين إعلامنا التزامهم بالاتفاقيات، وبعد جهدٍ وانتظار أرسلوا لنا رسالة، قالوا إنهم ملتزمون بالاتفاقيات، وانتظرنا حتى نرى ما معنى كلمة "ملتزمون" فلم يجيبوا، ومنذ أكثر من 3 أشهر ونحن ننتظر جوابًا على هذا.

أنتم التزمتم بالاتفاقيات المكتوبة التي تشمل موضوع الانتخابات في القدس، وأنتم تعلمون أننا لن نذهب إلى الانتخابات دون القدس، والتجربة كانت واضحة في 2006 عندما قلنا إننا لن نذهب إلى الانتخابات إلا بالقدس، فجاءت الولايات المتحدة وقالت: نعم في القدس، وبالتالي وافقت إسرائيل وذهبنا إلى الانتخابات.

نريد الانتخابات في القدس، والشعب كله مشتبك معهم ولكن مع الأسف لم يأتوا بجواب، اليوم، وصلت رسالة من إسرائيل ومن الولايات المتحدة الأمريكية: "إننا لا نستطيع أن نعطيكم جوابًا على القدس بسبب أنه ليست لدينا حكومة لتقرر ذلك، ونحن مشغولون بالانتخابات، ونأمل أن تقتنعوا بذلك"، هذا العذر ليس مقنعًا.

نحن نعلم أنه تصدر يوميًا قرارات حكومية بإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية، فأي حكومة قررت؟ ومن أين أتت؟ ومن أصدر قرار أن الشرطة تقف إلى جانب المستوطنين في القدس لتعتدي على أهلها؟ هذا يتطلب قرارات حكومية فأين هذه الحكومة؟ ومن أين أتت؟

فيما يخص الانتخابات الفلسطينية لا توجد حكومة إسرائيلية لتقرر، وفيما يخص المشاريع الاستيطانية والانتهاكات توجد حكومة؟ طبعًا كان جوابنا أن هذه الذريعة لن تنطلي ولن تمر علينا.

قبل أيام، أبلغنا الإسرائيليون بأنهم لن يسمحوا بإجراء الانتخابات في القدس، واليوم ردوا بأنه لا توجد حكومة لتتخذ قرارًا في هذا الشأن، وفي المحصلة لن نسمح لكم بإجراء الانتخابات في القدس.

الانتخابات السابقة في 1996 و2006 كانت لها ظروفها، واليوم الظروف أسوأ ومختلفة جدًا؛ لأنها تتعلق بأساس القضية وليست مشكلة فنية، هي قضية سياسية من الطراز الأول، اليوم يقولون: إن القدس ليست للفلسطينيين.

لذلك دعونا إلى هذا الاجتماع القيادي الهام لكي نتداول في الأمر ونتخذ القرار المناسب، لكي نحافظ على حقنا الكامل في القدس الشرقية عاصمة أبدية لدولتنا، وعلى حقنا في إجراء الانتخابات التشريعية في القدس ترشحًا وانتخابًا ودعاية انتخابية.

نريد أن تجرى الانتخابات في القدس حالها حال رام الله، بما يشمل الدعاية الانتخابية ووصول المرشحين وحرية عمل لجنة الانتخابات المركزية.

حين اقترحنا أن نرسل رئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر إلى القدس، قال الإسرائيليون: أرسلوا معه محاميًا لكي يدافع عنه عند اعتقاله.

أريد أن أعبر عن اعتزازي بالروح الوطنية والديمقراطية، التي تحلى بها الفلسطينيون جميعًا في إقبالهم على هذه الانتخابات التشريعية، سواء في التسجيل الذي لم يسبق له مثيل، أو في القوائم العديدة التي تدل على الرغبة والوعي في حق كل فلسطيني في الترشح والاقتراع.

بالأمس استقبلت ممثل الاتحاد الأوروبي، وعند سؤاله عن إجراء الانتخابات في القدس قال: لا، ولكن سنستمر في المحاولة.

إخواننا الأعزاء،

لو أعلنت إسرائيل بعد أسبوع عن موافقتها على إجراء الانتخابات في القدس سنجريها بعد أسبوع، نحن لا نختلق الأعذار، والدليل في 2006 سمحوا فقط بإجراء الانتخابات قبل أيام معدودات من موعد الاقتراع، وقمنا بإجرائها، نحن نحترم كلمتنا، وإذا سمحوا بإجراء الانتخابات في القدس فلن نتردد، شريطة أن تكفل تلك الموافقة حرية شاملة للمرشحين والقوائم الانتخابية.

نحن آمنا بالديمقراطية وملتزمون بها استكمالًا للمشروع الوطني، والانتخابات بالنسبة لنا ليست إجراء ولا تكتيكًا، وإنما هي تثبيت للديمقراطية وتثبيت حقنا في فلسطين.