حديث السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية المنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، إلى الفلسطينيين
حديث السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية المنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، إلى الفلسطينيين
القاهرة، 10/2/1969
شعبنا هذا المتمثل الآن بكل معاني القوة، معاني العزة، معاني الكرامة، شعبنا الذي ينظر له العالم في كل حدب أو كل صوب متطلعين إلى نضاله، وإلى كفاحه، وإلى معركته ضد طغيان البغي والظلم والعدوان، أنتم تصنعون هذه الملحمة، أنتم تكتبون هذا التاريخ، تاريخ هذه الأمة، أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، أنتم الآن تكتبونه بشيء جديد، تكتبونه بقوة جديدة "ما استطاعش" إطلاقًا الاستعمار ولا الصهيونية أن يقهراه في خمسة حزيران (يونيو)، هذه القوة هي قوة إرادة شعبنا على الصمود، على الرفض، على التحدي، هذه حاجة كبيرة العدو يخاف منها، يخاف من أن تتلاحم قوى شعبنا مع طلائعه الثورية، يخاف منها خوفًا كبيرًا. أنتم واقفون أمامه، النساء اللواتي يقاتلنه بصدورهن، الأطفال الذين يقاومون الاحتلال بعفويتهم وصباهم، كل هذه تصنع الملحمة وتكتب الأسطورة، إحنا عارفين يا إخواننا أن المعركة طويلة جدًا، محتاجة إلى رجال وإلى شعب أصيل وأنتم الشعب الأصيل، شعب يصنع معجزته، شعب يصنع تاريخه بإرادته وقوته وصلابته، العالم يا إخواننا ما يحترمش الضعفاء، يحترم الأقوياء، يحترم الشرفاء والمناضلين، الآن كل العالم ينظر إليكم شرقه وغربه شماله وجنوبه، عمال بيتطلع إلى هذا الشعب كيف يتحدى النازية الجديدة، كيف يخرج بالمظاهرات وهو أعزل من السلاح، الإضرابات التي تعم هذه البلاد معناها أن شعبنا لا يرضى إلا بالتحرير، معناها أن شعبنا لن يركع ولن يستسلم. هذه الإرادة الحقيقية لشعبنا، هذا هو الميلاد الجديد الذي أنتم تكتبونه، الذي أنتم تصنعونه، وإحنا من وراكم ومن أمامكم ومن جانبكم نقاتل جنبًا إلى جنب، في خندق واحد وفي مكان واحد يدًا بيد وقلبًا على قلب لنصنع المعجزة، لنتحدى، لنعلنها للعالم أجمع أن شعبنا لن يستسلم، لن يركع، وسيقاتل، وسيقاوم بكل ما لديه من وسائل بكل ما لديه من قوة، سيقاتل بكل شيء، بنسائه، وبأطفاله، وبطلابه، وبرجاله، وبشيوخه، وبالمقاتلين، وبثواره.
سيقاتل حتى يسترد حقه الذي انتظر عشرين سنة، انتظر عشرين سنة الأمم المتحدة لتعيد هذا الحق، ومع ذلك كان انتظاره مزيدًا من الخسائر ومزيدًا من البطش لشعبنا الذي انتظر قرارات الأمم المتحدة. ما أعطته شيئًا، ولذلك سنقاتل ونقاتل جميعًا ليعرفوا أنه نحن مش واقفين وحدنا، إحنا ورانا الأمة العربية جميعًا من المحيط إلى الخليج، كلها تنظر إليكم، تنظر إلينا جميعًا، تنظر إلى المقائل الفلسطيني، إلى الفرد الفلسطيني وهو يعيد كتابة تاريخه الجديد، بأحرف من نور وأحرف من نار البندقية التي يحملها إخوانكم، مع الصمود ومع التظاهر، نصنع المعجزة ونصنع التاريخ، يا إخواننا النصر ليس سهلًا والمعركة طويلة والشعوب العايزة حريتها وعايزة أوطانها لا بد أن تدفع الثمن.
إحنا الشعب قررنا أن ندفع الثمن، هؤلاء شهداؤنا يتساقطون في مدننا وقرانا، فوق جبالنا وسهولنا، الأرض مشتاقة للدم، مشتاقة للشهداء، تعانقهم ويعانقوها حتى يصنعوا جميعًا لحن النصر الذي تسير من أجله ثورتنا بقوة وصلابة لتحقيق الانتصار الكبير، إحنا يا إخواننا-وهذا الكلام إلى إخواننا أبناء الطائفة اليهودية-إحنا مش ضد اليهود، إحنا أجبرنا على حمل السلاح إحنا فوجئنا بالعدوان، فوجئنا بهؤلاء الناس جاية علشان تضربنا في أرضنا وحقولنا، إحنا بنقاتل وبنحمل سلاحنا وأنتم تتحدون كل هذا الظلم وهذا البغي والظلم والجبروت، نحن عاوزين نعيش بسلام، عاوزين نعيش فوق أرضنا الفلسطينية دون تعصب ولا حقد ولا كراهية، العيش في أرض السلام أرض الأنبياء أرض المسيح، ونعيد إليها السلام المبني على العدالة، ولكن العدالة لا يمكن أن تكون في القرن العشرين إلا من خلال كفاح ونضال الشعوب، العدالة اللي فقدت معناها في القرن العشرين أمام الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، أمام النازية الجديدة تمثلها العسكرية الاسرائيلية، وتمارس فينا أبشع أنواع المذلة والهوان، عاوزة شعبنا يركع، عاوزة شعبنا يخضع، مش عارفين إن هذا الشعب عمره ما ركع، عمره ما خضع.
إخواني، الآن يحاول الأربعة الكبار الاجتماع، وافقوا على ايه؟ وافقوا تحت اسم تسوية المشكلة في الشرق الأوسط. نحن نقول إن شعبنا يرفض أي تسوية تكون فيها كرامتنا، وتكون فيها أرضنا، ويكون فيها شعبنا، موضع مساومة، والكلام هذا يحملنا مسؤوليات تاريخية، وأنا أعرف أن هذا ليس شيئًا هينًا، ولكن لننظر إلى شعب فييتنام، لنرجع إلى الوراء وننظر إلى ثورة إخواننا في الجزائر، ثورة المليون ونصف مليون شهيد، الشعوب اللي بتحترم أنفسها لا يمكن إلا أن تصنع تاريخها بنفسها، إحنا بنقول وبنردد، وليسمعنا الجميع: إننا لن نرضى بغير بلادنا بديلًا، وإنه مفيش حد له الحق أن يملي علينا إرادته، ولا يمكن للأربعة الكبار أن يجتمعوا ويقرروا مصير شعبنا، مصير شعبنا نقرره جميعًا، تقرره المرأة تقاتل الفاشية الجديدة بصدرها عزلاء، الطفل اللي بيرجم المصفحة بالطوب، المقاتل الثائر اللي واقف بالجبل ببندقيته مجموع شعبنا هو اللي بقرر أن يقول ماذا يريد، شعبنا لن يستسلم يا إخوان، فليسمعها مني الجميع، لن يركع، إحنا عارفين الدرب طويل وشاق ووعر ولكن الثورة هي المعاناة. مخاطبة التاريخ شيء مش هين، يحتاج منا إلى التضحية إلى الفداء، أن نبذل مزيدًا من الشهداء ومن الدم لأرضنا الحبيبة.
إخواني، أحبائي، أهلي، عشيرتي، فلنصمد جميعًا ولنقاتل جميعًا ومعًا، حتى النصر الكبير بإذن الله.
المراجع:
الوثائق العربية الفلسطينية، 1969، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص52.
المحرر، بيروت، 11/2/1969.