الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول حوادث أيلول/سبتمبر.

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول حوادث أيلول/سبتمبر.

عمان

يجب أن يعلم الرأي العام العالمي أنه ألقي على عمان أكثر من ١٢٠٠٠٠ طن من المتفجرات، أي ما يساوي أضعاف طاقة قنبلة هيروشيما، وقد اشترك في الهجوم على العاصمة ثلاث فرق من المدرعات والمدفعية والمشاة تضم أربعين ألف رجل، لقد قتل أو جرح أكثر من عشرين ألف شخص، وبصفتي محارب قديم أشهد أنني لم أر من قبل هجومًا أعنف وأدمى.

س - كثيرًا ما شكوت من مسؤولية السلطات الأردنية في مجازر أيلول/سبتمبر الماضي، فلو كان عليك في المقابل أن تقدم على انتقاد ذاتي وانتقاد المقاومة الفلسطينية بمجملها فماذا كنت تقول؟

ج - من السابق لأوانه الخوض في هذا الموضوع الذي لا يزال قيد المناقشة داخل اللجنة المركزية، إلا إنه من العبث القول إننا لم نرتكب أخطاء كثيرة، لكن هذه الأخطاء لم تكن السبب الأساسي لحمام الدم، إنما أعطت أعداء المقاومة الحجة التي كانوا يبحثون عنها.

وباستطاعتي إيجاز هذه الأخطاء على الوجه الآتي:

ا - المظهر الثوري الذي كان يتجلى بشيء من المبالغة في إثبات الوجود، واتخاذ المبادرات غير المجدية والمضرة بقضيتنا، فلماذا كان بعض الفدائيين يتجولون بالسيارات المسلحة في المدينة؟ ولماذا كان البعض الآخر يقدم على جمع التبرعات وهو مسلح؟

2 - تصرف بعض المقاومين غير اللائق حيال عناصر الجيش الأردني، مما سهل التعبئة النفسية لهذا الجيش ضد الثورة الفلسطينية.

3 - حوادث خطف الطائرات، وخاصة تلك التي وقعت مؤخرًا، ألحقت بنا ضررًا فادحًا، أولًا بالنسبة إلى الرأي العام العالمي، حيث حاولوا إظهارنا بمظهر الثوار المزيفين المنعدمي المبادئ، في الواقع لم يكن من الطبيعي احتجاز الأبرياء في شروط لا تطاق، فليس للمسافرين أية علاقة بالحرب وهم لم يستحقوا بالتالي هذه المعاملة.

س -  أتقصد جميع المسافرين، بمن فيهم المواطنون الإسرائيليون؟

ج – نعم، بمن فيهم المواطنون الإسرائيليون الذين هم مدنيون، وبالتالي أبرياء، ثم إن الذين قاموا بحوادث الخطف الأخيرة أقدموا على نوع من الاستفزاز السياسي باستعمالهم الأرض الاردنية، وكان ذلك خطأ كبيرًا.

4 - الشعارات غير المناسبة التي كانت تطلقها بعض المنظمات، والتي لم ينتج عنها سوى الإثارة، فشعار من نوع "كل السلطة للمقاومة" لا يعكس واقع الثورة أو مصلحتها.

س - هل من الممكن تلافي مثل هذه الأخطاء في المستقبل؟

ج – نعم، وذلك عن طريق توحيد القوى، فهدفنا الآن لم يعد جمع القوى بل صهرها في بوتقة واحدة، وقد باشرنا ذلك منذ حين، إذ أنني أصبحت منذ 15 أيلول/سبتمبر الماضي القائد الأعلى لقوات الثورة الفلسطينية.

وفي الحوادث الأخيرة التي وقعت فيما بعد قاتل كل الفدائيين-إلى أية منظمة انتموا-تحت لوائي؛ ففي بعض المناطق وعلى الأخص في عمان، تم دمج القوات المسلحة للثورة، أما بالنسبة إلى الوحدة السياسية، فما زلنا نتابع دون كلل المباحثات بصددها داخل اللجنة المركزية، ونعمل الآن على تقويم تصرفنا في الماضي لنضع من خلال هذا التقويم أسسًا متينة للمستقبل، وتجدر الإشارة هنا إلى أن علاقاتي مع سائر المنظمات الفلسطينية هي على أحسن ما يرام، وقد أرسل لي جورج حبش كتابين يؤيد فيهما جميع التدابير العسكرية والسياسية، التي اتخذتها اللجنة المركزية في غيابه، وقال لي في كتابه الأخير ما حرفيته: "إنني أؤيد تأييدًا كاملًا الاتفاق الذي عقدتموه مع الملك حسين، في ١٣ تشرين الأول/أكتوبر".

س - هل تعتقدون أن الاتفاق المعقود مع السلطة الهاشمية له طابع الاستمرار، خلافًا للاتفاقات السابقة؟

ج - لو أن تطبيق هذا الاتفاق يتوقف علينا فقط لكنت أجبت دون أي تردد بالإيجاب، إلا أننا لا نجهل أنه يوجد في المعسكر الآخر أشخاص هم مبدئيًا ضد كل اتفاق مع المقاومة، وقد قام هؤلاء الأشخاص، عن قصد أو عن غير قصد، بتنفيذ المهمة التي كانت قد حددتها الإمبريالية والصهيونية، أي تصفية الثورة الفلسطينية وهدم الشعب الفلسطيني.

 والمذابح التي وقعت مؤخرًا في عمان والزرقاء تحمل الدليل على ذلك، أما بالنسبة إلينا، فنيتنا ليست فقط احترام تعهداتنا بل أيضًا خلق جو من الثقة الضرورية لاستمرار التعاون الذي قام بيننا وبين السلطات الأردنية.

س - إذن فإنك ترفض أن تجعل من عمان-ما كان يتمناه بعض زملائك-: (هانوي الثورة الفلسطينية)؟

ج -  عمان كهانوي فهي لم تزل منذ حرب حزيران/يوليو ٦٧ رمز المقاومة والقتال وقاعدة ثورتنا، إلا إننا مرتاحون تمام الارتياح إلى اتفاق ۱3 تشرين الأول/أکتوبر، وذلك لثلاثة اعتبارات: فقد وضع هذا الاتفاق حدًا لسفك الدماء وحدد بصورة واضحة وصريحة أسس التعاون بين المقاومة والحكومة الأردنية، ثم إنه تحت إشراف ممثلين من الأمة العربية الذين تكفلوا به.

س - اعتبر معظم المراقبين أن تجربة أيلول/سبتمبر الماضي انتهت لصالح الملك حسين؟

ج - قد تخطئ إذا ما اعتبرت أننا هزمنا، فعندما طالبنا بوقف إطلاق النار كان رائدنا وضع حدًا لإراقة الدماء، وفي مطلق الأحوال إن كل التحاليل التي تتناول ميزان القوى في الأردن تظل باطلة، فهي كالاستنتاجات العلمية للأدمغة الإلكترونية، وهنا أود أن أقول لك: لماذا مثلًا لم يتمكن ولن يتمكن الأمريكيون، رغم تفوقهم من الانتصار على الفييتكونغ؟ إن مطلق حركة ثورية تحظى بالتأييد الشعبي لن يكتب لها الهزيمة، إذن لن يستطيع أي دماغ إلكتروني ضبط مدى إرادة شعبنا لاستعادة حريته وحقه في الوجود، إذ إن طاقته للمقاومة هي في الواقع غير محددة.

س - سبق لحكومة بغداد أن وعدتكم بالمساعدة والمؤازرة، في حال وقوع اصطدام بينكم وبين حكومة الملك حسين، فلماذا امتنع الجيش العراقي، المرابط شمالي الأردن من نجدتكم؟

ج - لا أدري، ولم يتسن لي الوقت لتحري أسباب هذا الامتناع.

س - ألم تشعروا أن سائر الدول العربية قد تخلت عنكم بدورها، بدليل أن اجتماع قادتها حصل مؤخرًا بينما كانت المذابح مستمرة في عمان؟

ج - كلا، فإن لهذا التأخر ما يبرره، لقد كان من الصعب على الرئيس عبد الناصر أن يجمع في وقت قصير شخصيات لها وجهات نظر مختلفة حول الموضوع، على كل حال لم ينتظر الرئيس المصري انعقاد مؤتمر القمة ليرسل إلى عمان رئيس أركان حربه، اللواء صادق، الذي عمل مخلصًا لوضع حد للمذابح.

س - هل صحيح أنك أقمت في السفارة المصرية في عمان؟

ج – كلا، إنما كنت على اتصال دائم مع الرئيس عبد الناصر وقد تبادلنا عدة رسائل بواسطة الشيفرة، وكثيرًا ما كنت أتنقل من مكان إلى آخر لاشتراكي شخصيًا في القتال، وقد حاصر الجيش الأردني مرتين المكان الذي كنت موجودًا فيه وطلب مني، بواسطة مكبرات الصوت، الاستسلام، لكن دون جدوى، إذ إن تعاطف الجماهير كان يساعدني في كل مرة على القرار.

س - كيف يمكن أن يؤثر غياب عبد الناصر على الحركة  الفلسطينية؟

ج - يفرض علينا هذا الغياب أن نضاعف جهودنا، إذ إن الرئيس الراحل كان خير سند لنا.

س - رغم أنه كان يتمنى حلًا سلميًا للمشكلة مع إسرائيل؟

ج - نعم، إذ إنه كان يتفهمنا أكثر من أي شخص آخر، كما كنا بدورنا نتفهم مواقف رجل الدولة العربي الكبير الذي قضى، وقد خلف الاحترام المتبادل بيننا روابط متينة.

س - روابط كان يمكن أن ينفصم عراها لو أن مشروع روجرز تحقق؟

ج - لماذا التكلم عنه الآن وقد تضمن هذا المشروع أشياء مبهمة؟

س - هل تعتقد أن كل حل سلمي هو معرض للفشل؟

ج - لم تزل الدول الكبرى تسعى لإقرار اتفاق يتجاهل وجود وحقوق الشعب الفلسطيني، ولن أقول لك منذ الآن ما سوف يكون موقفنا من هذا الحل إذا ما رأى النور، وأفضل أن يرى الناس أعمالنا في حينه من أن يقرؤوا في صحيفتكم ما ننوي عمله.

س - ما رأيكم بالمحاولات التي تجري حاليًا لإقامة كيان فلسطيني مستقل عن الأردن؟

ج - هناك شخص يدعى طوقان كان قد أدلى مؤخرًا ببعض التصريحات في باريس بهذا الشأن، وهذا الذي يدعى طوقان نعرفه جيدًا: إنه صعلوك تموله الاستخبارات الإسرائيلية، إنما يوجد أشخاص أخطر منه في الأردن لأنهم أقل "احترامًا"، فما برحت الوطاويط المضادة لثورتنا تضج منذ اصطدمنا بالعقبات، ولكن المصطادين في الماء العكر لن يفلحوا بتجزئة شعبنا المنتشر على ضفتي الأردن، رغم الحدود المصطنعة التي كانت قد وضعتها وزارة المستعمرات وونستون تشرشل منذ نصف قرن.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 959، 960.

صحيفة لوموند، باريس، 12/11/1970.