حديث صحفي خاص للسيد أبو اللطف، أحد قادة حركة التحرير الوطني المقاومة في (فتح)، حول (الأزمة الراهنة لحركة المقاومة)
حديث صحفي خاص للسيد أبو اللطف، أحد قادة حركة التحرير الوطني المقاومة في (فتح)، حول (الأزمة الراهنة لحركة المقاومة)
س- نريد يا أخ أبو اللطف ملاحظاتك على ما حدث في عمان خلال أيام أيلول.
ج- هنالك ملاحظات مختلفة، وعلى أكثر من صعيد، هنالك ملاحظات على صعيد الثورة بسياستها وإستراتيجيتها وأهدافها المرحلية، وهنالك ملاحظات على صعيد القوى المضادة للثورة بأهدافها التصفوية للثورة الفلسطينية، ضمن إطار الواقع العربي والواقع الدولي، وعلى صعيد الثورة الفلسطينية يلاحظ أنها لم تكن مستعدة لخوض معركة شاملة ضد قوى الثورة المضادة، ويعود ذلك إلى أن قوى الثورة اعتبرت أن الهدف الأساسي لقوى الثورة هو توحيد كل القوى الوطنية، السياسية منها والعسكرية، والتوجه بها نحو تحرير الأرض المحتلة، على اعتبار أن التناقضات مع النظام في الأردن، كانت ما تزال في تلك المرحلة تناقضات ثانوية قياسًا مع التناقض الرئيس، وهو العدو الصهيوني.
كما أن الثورة الفلسطينية كانت تحاول بشتى الوسائل الحيلولة دون هذا الصدام؛ إدراكًا منها لخطورة المرحلة ولضروراتها التي تستلزم التوجه نحو الساحة الأساسية، ومن هنا رفعت شعار البنادق كل البنادق نحو العدو، ولكن قبول مشروع روجرز كان له الأثر البالغ في تفاقم الأوضاع في الأردن، ولقد اتخذته السلطة ذريعة لتنفيذ مؤامراتها في تصفية الثورة الفلسطينية؛ بصفتها القوة الرافضة للحل السياسي في المنطقة العربية.
كما إنه لا بد من الإشارة إلى أن القوى المضادة اغتنمت ظروفًا محلية وعربية ودولية، ساعدتها في عملية التوقيت للقيام بتنفيذ المؤامرة.
وإذا شئنا أن نتحدث عن الظروف المحلية لا بد أن نذكر ما يلي:
أولًا- إن رفع شعارات طفولية أبرز الثورة الفلسطينية بشكل المنقسم على نفسه من الناحية السياسية، كما أوهم القوى الوطنية الوسيطة أن الثورة الفلسطينية بدأت تتوجه لقلب الأوضاع في الأردن، وهذا ما كان له أثر سلبي على الثورة، فقد تذرعت السلطة الأردنية بهذه الشعارات وقدمتها دليلًا على نية الثورة لإسقاط السلطة.
س- لمن قدمتها؟
ج- للأنظمة العربية ولأوساط من الرأي العام في الداخل.
ولقد خلقت هذه الشعارات بلبلة فكرية بين قوى الثورة، خاصة أن هذه القوى سبق لها أن وضعت برنامج عمل سياسي بكافة فصائلها، وحددت شعارات مرحلية في هذه الفترة الزمنية من النضال على أسس ثلاثة:
1- حماية الثورة.
2- الدفاع عن الشعب.
3- إقامة سلطة وطنية تتحاشى الصراع مع الثورة.
ثانيًا- الممارسات الخاطئة التي كانت تقوم بها فصائل المقاومة، ومن هذه الممارسات عملية خطف الطائرات التي انعكست بشكل سلبي على الثورة الفلسطينية وخلقت رأيًا عالميًا مستاء من هذه التصرفات، وصورت الثورة الفلسطينية بصورة عابثة، وأعطت السلطة الأردنية فرصة لتصوير عملياتها التآمرية بشكل يراد به تأديب العابثين، وقد اجتمع مجلس الأمن لبحث الموضوع، واتخذت الولايات المتحدة الأمريكية الموضوع وسيلة لإنزال قوات في الأردن فاضطررنا أن نطلب من الجمهورية العربية المتحدة أن تطلب تدخل الاتحاد السوفياتي، ولقد كان ذلك، على اعتبار أن القضية تحل محليًا، وفي نطاق الجامعة العربية، واضطرت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية تجميد عضوية الجبهة الشعبية فيها، بعد محاولات مضنية لحل القضية حلًا سلميًا، يحول دون أية مضاعفات محلية أو دولية.
ومن الممارسات الخاطئة، والمظاهر التي ساعدت على الإسراع في تنفيذ المؤامرة، روح التعالي الاستعراضية التي كان يبدو فيها كثير من الفدائيين في علاقاتهم مع الجماهير، كما أن انتشار المكاتب وبروز البيروقراطية بشكل واضح، ساعد على تسلل المتسلقين والانتهازيين إلى صفوف الثورة، وخاصة في المدن.
ثالثًا- إن الوحدة الوطنية التي كانت قائمة في تلك المرحلة كانت وحدة تنسيقية تتيح المجال للعمل الاستقلالي، ولذلك لم يكن للثورة في ممارساتها خط واحد وسياسة واحدة لخدمة برنامج العمل السياسي، الذي وضعته المنظمات وقامت على أساسه اللجنة المركزية.
س- ألم يكن واضحًا للثورة كل هذا؟ ثم ألم يكن واضحًا لها أن مؤامرة تدبر لتصفيتها؟
ج- لقد كان كل شيء واضحًا، وخاصة بعد قبول السلطة بمشروع روجرز، إذ إنه بات واضحًا أن السلطة تقوم بالإعداد لمؤامرة لتصفية العمل الفدائي، ولكن الأوضاع المحلية والعربية والدولية التي كانت سائدة لم تعط الثورة الفرصة الكافية، لتستعد لمواجهة شاملة مثل هذه وكان معروفًا لدينا أن السلطة تقوم بالإعداد لصلح منفرد، بعد أن تضرب القوة الأساسية للثورة الفلسطينية، وبعد أن تضرب الشعب ضربة عنيفة تخضعه لإرادتها فلا يعارض أي إجراء تصفوي تتخذه بعد ذلك لتصفية القضية الفلسطينية.
س- كيف تعتقد بأن الثورة تستطيع مواجهة مؤامرات المرحلة الجديدة؟
ج- لقد بانت تفاصيل المؤامرة ومكانها وأهدافها والقوى القائمة بها، كما أن القوى المتصارعة في الأردن قد تحددت بشكل واضح، وهذا الانقسام البارز في الأردن يجعل في الإمكان وضع خطة للدفاع عن الثورة ولإحباط المؤامرة بشكل أسلم، كما أن الظاهرة الإيجابية التي برزت أثناء المجزرة وبعدها، والتي تتمثل في استلام الجماهير للمبادرة والقيام بالعمل للدفاع عن الثورة وعن الشعب، قد جعل الثورة في مركز أقوى مما سبق.
لقد بدأت الجماهير تأخذ بزمام المبادرة، وتنتفض للرد والردع ضد قوى السلطة عندما تتحرك لضرب الثورة والجماهير أو اعتقالها أو الاعتداء عليها، إن توحيد القطاعات العسكرية لقوى الثورة كافة عنصر أساسي لمواجهة أية مؤامرة مقبلة، ولا شك أن خلق المؤسسات السياسية الواحدة التي تضع وتنفذ الخط السياسي الواحد للثورة أمر ضروري.
بالإضافة إلى ذلك فإن القوى الثورية العربية ملزمة بالدفاع عن الثورة؛ لأن هزيمتها أو تصفيتها تصفية لأكبر القضايا العربية في عصرنا الحاضر، التي تقوم بالدفاع عنها والنضال من أجلها، إن الدول العربية التزمت بشكل رسمي باتفاقية القاهرة، وهي مدعوة باستمرار للوقوف مع الثورة الفلسطينية، واتخاذ الإجراءات التأديبية ضد السلطة الأردنية التي تخرق الاتفاقية، لو على الأقل بفرض حصار اقتصادي، كما فعلت ليبيا على الأردن وممارسة ضغط سياسي عليه.
س- ولكن هل تعتقد بأن الدول العربية ستقوم بمثل هذا؟
ج- لا شك أننا نطالب بذلك ونعلن بهذه المطالبة أمام الجماهير العربية حتى نضع الدول العربية أمام مسؤولياتها التاريخية، وحتى تتحمل هذه الجماهير بقواها الوطنية المخلصة المشاركة في مسؤولية، الدفاع عن الثورة الفلسطينية وحمايتها.
ونحن في هذه المرحلة لا بد لنا، بعد أن قيمنا أخطاءنا واستفدنا من الدروس، أن نعيد تنظيم أنفسنا على كل المستويات السياسية والعسكرية ووضع التخطيط السليم لمواجهة احتمالات الموقف في المستقبل.
س- ماذا تعني إعادة بناء التنظيم وعلى أي أساس؟
ج- نحن مدعوون إلى اتباع سياسة أكثر حزمًا ومجابهة أشد للقوى المتآمرة، وهذا يفرض إعادة تنظيم كوادرنا ومؤسساتنا السياسية والعسكرية، بشكل يضمن سرية العمل وتعبئة الجماهير وتسليحها بشكل أوسع وتصليب الوحدة الوطنية بين كل فصائل الثورة، ضمن إطار برنامج عمل سياسي تفصيلي، ووضع خطة المواجهة على أساس تقديرات عسكرية وسياسية للقوى المضادة، كما إننا مدعوون إلى مزيد من الاهتمام والتلاحم مع القوى السياسية في الأردن، وخلق جبهة وطنية مع الثورة الفلسطينية؛ لتكون هذه القوى السياسية الوطنية قادرة على التحرك، وممارسة العمل الثوري بشكل يضمن سلامة الأوضاع في الأردن، حسب متطلبات المرحلة الحالية.
س- ما دمت قد تطرقت إلى موضوع الوحدة الوطنية، فماذا تعني الوحدة الوطنية في رأيك، وما هي العقبات التي تقف في سبيلها؟
ج- الوحدة الوطنية في مفهومنا هي إستراتيجية وليست تكتيكًا لخدمة أهداف مرحلية، ويصعب على أية ثورة أن تضع إستراتيجيتها على أسس سليمة، إن تناست أو أهملت معرفتها بإمكانياتها البشرية والمادية والسياسية والعسكرية، هذا مع ضرورة مقارنة هذه الإمكانيات وعلى كل المستويات المحلية والدولية، حتى تتمكن من تقدير موقفها الإستراتيجي في الصراع مع أعدائها وخصومها والقوى المضادة لها، والوحدة الوطنية في الساحة الفلسطينية أخذت في اعتبارها طبيعة الصراع وطبيعة نضالنا التحرري الذي يفرض أول ما يفرض تحالف كل القوى المعادية، لإسرائيل والصهيونية والإمبريالية الأمريكية، والوحدة الوطنية التي قمنا منذ سنين بالعمل من أجل تحقيقها كانت تأخذ في اعتبارها هذه الضرورات.
وعلى ما يبدو أن هناك عقبات تقف أمام هذه الوحدة الوطنية رغم اتفاق كل فصائل المقاومة على برنامج عمل سياسي لها، ولكن رغم ذلك كانت الممارسة لكثير من هذه الفصائل على المستوى السياسي والعسكري تختلف من فصيل إلى آخر، وذلك منطلق من التكوين الأيديولوجي المتعدد الفصائل المقاومة، الذي كان ينعكس (والمفروض ألا ينعكس في مرحلة التحرر الوطني) على الممارسات التنظيمية لهذه الفصائل.
يضاف إلى ذلك أن الارتباطات العضوية والتنظيمية لعدد من المنظمات بواقع عربي وبأنظمة عربية مختلفة في مفاهيمها السياسية، قد انعكس بصورة خلاف في كثير من الأحيان بين هذه الفصائل، وجعل موقف الكثير من الدول العربية يتأرجح بين الدعم والمعارضة لهذا الفصيل أو ذاك، ولو استطاعت هذه الفصائل أن تتحد في إطار واحد وقامت بممارسات حسب برنامج العمل السياسي، لانعكس ذلك بشكل إيجابي على الواقع الجماهيري والرسمي العربيين.
ولا شك أن عامل الخطر والخوف (التشديد من أبو اللطف) ومجابهة التآمر الذي أصبح واضحًا، سيكون لها الأثر في الإسراع بهذه الوحدة، على أساس خلق کیان عسكري واحد للثورة الفلسطينية وتحت قيادة واحدة.
كما أن توحيد المؤسسات السياسية باسم اللجنة المركزية عامل هام في تحقيق الوحدة الوطنية، لأنه يجعل بالإمكان وضع كل المخططات وتنفيذها من خلال هذه الأجهزة السياسية والعسكرية، بشكل يضمن وحدة العمل والممارسة والموقف السياسي الموحد، والقاعدة الجماهيرية غير الموحدة.
س- ولكن على أي أساس؟
ج- على أساس برنامج عمل سياسي مفصل يطرح كل القضايا الاجتماعية والسياسية والعسكرية والفكرية والثقافية، ضمن إطار مرحلة التحرر الوطني.
س- هنالك عناصر قيادات في كل المنظمات لا توافق على هذا الخط؟
ج- نحن أمام اختيار ثوري واحد، فإما الوحدة الوطنية على أسس تفصيلية تتناول كل القضايا والمهام، أو إن الصراع بين هذه الفصائل سيؤدي حتمًا إلى كارثه وطنية وقومية، ولهذا لا بد من اتخاذ كل الإجراءات واتباع كل الوسائل للإقناع والالتزام بخط الثورة، ولو كان ذلك يضمن الأغلبية فقط، ولتبق الأقلية منعزلة.
س – هناك حديث يدور في هذه الأيام حول الدولة الفلسطينية، وهنالك إشاعات كبيرة حول هذا الموضوع، وهناك من يقول بأن دولًا عربية تدعم المشروع، فماذا ترى في مشروع الدولة الفلسطينية؟
ج- الدولة الفلسطينية المسخ: أعتقد جازمًا أن هذه الفكرة لم تطرح ولم تعرض بشكل رسمي محدد من قبل أية جهة من الجهات، إلى أية فئة عربية أو فلسطينية، كما لم تطالب بقيام هذه الدولة لا الثورة الفلسطينية ولا القوى الوطنية أو القومية، ولكن الإمبريالية الأمريكية بدأت بعد مجزرة أيلول في الأردن حربًا نفسية ضد الثورة الفلسطينية، هادفة من ذلك ضربها وشل إرادة العمل لديها وإثارة بلبلة فكرية بين صفوفها القيادية والجماهيرية.
ولقد بدأت القصة أثناء المجزرة حين التهبت مشاعر الجماهير الفلسطينية بالعداء ضد السلطة الأردنية، خاصة داخل الأراضي المحتلة، فبرز هناك من ينادي باتخاذ إجراءات مضادة، كردة فعل للأعمال الإجرامية التي مارستها السلطة الأردنية ضد الشعب والثورة الفلسطينية، وكان أن نادى بعض من الزعماء التقليديين بضرورة إقامة دولة فلسطينية، وحظيت هذه الدعوة بقبول محدود لدى بعض الناس؛ لأن هذه الفكرة كانت منطلقة من عامل الخوف والحفاظ على الذات وصيانة الأمن الاجتماعي للشعب الفلسطيني، ولقد استغلت الإمبريالية الأمريكية والصهيونية هذه الحالة النفسية للجماهير الفلسطينية، وبدأت تشيع إشاعات حول مشروع دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وكانت ذكية في إشاعاتها لأنها تعلم أن هذا المشروع الوهمي يراود أحلام الناس في مرحلة عصيبة مثل هذه، ولقد استهدفت الإمبريالية والصهيونية من ذلك:
1- تعميق النزعة الإقليمية، الفلسطينية منها والأردنية، وخلق انقسام بين أوساط الشعب، وتعميق الخلافات في الرأي حول هذا المشروع الوهمي، فيكون هنالك معارض ومؤيد فتتوجه اهتمامات الناس إلى الدفاع عن وجهات النظر هذه، وننشغل بمشروع وهمي ليكرس له جزء من الناس جهودهم، منصرفين عن الجهد الرئيس في مقاومة التآمر والاحتلال الصهيوني.
2- تشويه الشعار الحقيقي الذي رفعته الثورة الفلسطينية منذ انطلاقها؛ لتوهم الناس والرأي العام العربي والعالمي أن الثورة الفلسطينية قد تخلت عن شعارها الأساسي، ألا وهو بناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية التقدمية، الذي نادت به الثورة لتقوم على أنقاض الكيان الصهيوني، وفي كافة الأراضي الفلسطينية بعد تصفية إسرائيل من خلال عملية الكفاح المسلح.
3- بلقنة المنطقة العربية وتشجيع الأقليات فيها على المناداة باستقلال ذاتي؛ لتصبح المنطقة العربية عبارة عن كيانات سياسية متعددة ومتناقضة تتنافى ووحدة الأمة العربية وآمالها، في تحقيق هذه الوحدة من خلال الكفاح المسلح والثورة الشعبية، وستساعد هذه السياسة إسرائيل على التدخل والتأثير في هذه الكيانات وابتلاعها في الوقت المناسب.
4- إيهام الجماهير أن الثورة الفلسطينية قامت لإزالة آثار العدوان فقط، ولخلق كيان فلسطيني هزيل في الضفة والقطاع، وأنها لن تستمر في كفاحها لتصفية الكيان الإسرائيلي وتحرير فلسطين بكافة أراضيها، وبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية على أنقاض الدولة الصهيونية.
المراجع:
الوثائق الفلسطينيه العربية،1971، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 176، 177، 178، 179.
دراسات عربية، السنة السابعة، العدد 4، بيروت، شباط/فبراير، 1971، ص 2.