حديث صحفي خاص للسيد شفيق الحوت، مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت 1970
حديث صحفي خاص للسيد شفيق الحوت، مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت 1970
س - الثورة الفلسطينية عربية الهوية والبعد والمعنى، وإن كانت فلسطينية المنطلق والإطار، أي: إنها جزء من الثورة العربية الشاملة، هذا يجعل مجابهتها للأنظمة العربية القائمة أمرًا لا مفر منه، كيف تنظرون إلى احتمالات هذه المجابهة ونتائجها؟
ج - كما في السؤال الأول، أجد نفسي مرة أخرى ملزمًا بالتدقيق بالسؤال، بل واستجوابه؛ لأن الطريقة التي طرح بها ليست طريقة موضوعية وتحمل من الإيحاء والمغالطة ما لا بد لي من التعليق عليه، فإذا كانت الثورة الفلسطينية كما وصفت في السؤال، وهي كذلك ويجب أن تتأكد هويتها هذه، فلماذا يفترض السؤال حتمية المجابهة بيننا وبين الأنظمة العربية؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أليس من المغالطات الكبرى موضوعيًا اعتبار الأنظمة العربية القائمة متشابهة في موقفها من الثورة الفلسطينية والثورة العربية الشاملة؟
وإذا كان البعض يرى في الأنظمة القائمة في العربية المتحدة وسوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر واليمن الجنوبية، نفس ما يراه من الأنظمة في الدول العربية الأخرى، فعن أي ثورة عربية يتحدث السؤال؟ ربما يجيب هؤلاء بأنهم يتحدثون عن ثورة عربية محتملة وكامنة، فإذا كان كذلك فكيف يريدون منا أن نجيب على السؤال دون أن يحددوا مفهومهم لتلك الثورة غير المنظورة؟ أو على الأقل كان عليهم أن يشيروا إلى خط ما من الخطوط الثورية المطروحة في الساحة حتى تقيم الحوار، بعد هذا لا يبقى لي من مجال كبير للرد على السؤال؛ باعتباره غير مستقيم على أسس موضوعية، سوى القول بأنني على ضوء الواقع والموجود أرى أن الثورة الفلسطينية تتكامل كجزء من الثورة العربية مع بعض الأنظمة وتتناقض مع أخرى، وليست المجابهة محتملة إلا ضد الأنظمة المتواطئة بحكم تكوينها مع الإمبريالية العالمية، وخصوصًا مع أمريكا، أما نتائج المجابهة فهي من غير شك، وبحكم منطق حركة التاريخ، إيجابية وإلى جانب الثورة.
س - هل بدأت تتكون بوادر نظرية ثورية بالثورة الفلسطينية، وهل لكم أن تحددوا عناصرها الأساسية أو تكشفوا لنا عن منحاها العام؟
ج - الثورة الفلسطينية، هي ثورة تحرير لوطن مغتصب، وهي لذلك تجمع حولها أعرض قاعدة شعبية ممكنة، بغض النظر عن المدى والعمق الذي يمكن أن تساهم به هذه الفئة أو تلك، أو هذه الطبقة أو تلك، مع إيماني الخاص بأن الطبقة الفقيرة هي أكثر الطبقات عطاء وتضحية في هذه الثورة، الأمر الذي–بسبب الوعي الاجتماعي الذي يسود المنطقة-سيترك بصماته على أي محتوى فكري أو اجتماعي للثورة الفلسطينية.
وإذا ارتضينا استعمال التعابير السياسية الشائعة بشكل عام، فإن الثورة الفلسطينية-حكمًا–ثورة يسارية، فهي بطبيعة العدو الذي تتصدى له معادية للاستعمار، معادية للصهيونية العنصرية، معادية للرجعية العميلة، وبالتالي فهي ثورة تقدمية وطنية، وإذا ما توخينا الأمانة في تقييم ما هو قائم الآن في الثورة الفلسطينية من الناحية الفكرية، فلا يمكننا الزعم بأننا تجاوزنا مرحلة الحوار والصراع الذي يجري فوق أرض ساخنة من الكفاح المسلح.
ولا شك أن الثورة الفلسطينية ستخرج بتجربة ثورية خاصة شبيهة بالتجربة الجزائرية، بمعنى أن التجربة لن تخرج بها من الإطار العربي العام للثورات التي شهدتها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، ستكون التجربة الفلسطينية في الوطن العربي، كتجربة كوبا وكوريا أو فيتنام في العالم الشيوعي، ولا أتصور أن بقدرة أي فصيلة ثورية فلسطينية أن تخرجها من إطارها القومي.
س - تشدد بعض الاتجاهات المرتبطة بأنظمة عربية معينة على خط ما تسمية بالقطرية في العمل الفلسطيني، هذا التشديد يفترض من هذه الاتجاهات وهذه الأنظمة أنها تقوم بالممارسة الوحدوية على مختلف المستويات، وهذا غير حاصل في الواقع العملي الملموس، كيف تعللون هذا العرض للقطرية، الذي لا ترافقه ممارسة وحدوية حقيقية؟ وكيف تحددون وضع الثورة الفلسطينية بين القطرية والوحدوية؟
ج - لا بد لكي يستقيم السؤال موضوعيًا من الإشارة بأن موضوع القطرية والوحدوية قد طرحه، بالإضافة إلى من أشار إليهم السؤال، مناضلون وحدويون يستهدفون بالفعل تحذير الثورة الفلسطينية من الوقوع في المنزلق الإقليمي، بعد أن أصبح مثل هذا الوقوع شبه حتمية ثورية في الوطن العربي، أو أن يقول البعض غير ما يمارسون، فهذه شيزوفرينيا سياسية شائعة في نضالنا السياسي، بغض النظر مما تحمل من هويات أيديولوجية وسياسية، وهي أيضًا مأساة قومية وقضية يجب التركيز على كشفها لأن الإقليمية الجديدة، بغض النظر عن محتوى النظام الذي تتبناه، هي في النهاية خصم للحركة الوحدوية وتقف منها موقف التناقض، الذي سیشتد أکثر وأكثر مع الأيام.
أما بالنسبة للثورة الفلسطينية فلا خوف عليها لعدة أسباب منها:
أولًا: رفض العدو الإسرائيلي لخصومة الشعب الفلسطيني وحسب، وتجاوزه في الخصومة للأمة العربية ككل، هذا إذا لم نعكس الكلام ونضعه في صيغته الإيجابية بأن هذه هي نظرة الأمة العربية للعدو.
ثانيًا: لأن طبيعة الثورة الفلسطينية تفرض–موضوعيًا-على الجوار العربي أن يكون في المعركة، وأن يتأثر بنتائجها سلبًا وإيجابًا.
ثالثًا: لأن شعب فلسطين، بعد مأساة ٤٨، انتشر في الوطن العربي وحيث لم يتوافر الكم الفلسطيني توافر النوع، الأمر الذي ربط الأمة أو زاد في ربط الأمة العربية بهذه القضية.
رابعًا: لأن شعب فلسطين، تاريخيًا، لم يرفع راية نضالية إقليمية على الإطلاق، وكما ساهم في ثورات أشقائه، أفسح المجال الرحب لهؤلاء الأشقاء للمساهمة في ثورته، بل وفي قيادة هذه الثورة أحيانا.
خامسًا: لأن الثورة الفلسطينية، بقيادتها الجديدة المغايرة تمامًا للقيادة التقليدية العشائرية التي قادتنا إلى النكبة، تدرك حقيقة الدور الذي يمكن أن تؤديه كطليعة عربية، وتدرك بالتالي الدور العربي الحاسم في هذه القضية، ومن هذا كله، نستنتج أن الثورة الفلسطينية إن لم تكن جزءًا من الثورة العربية، أو المدخل الجديد لها، فلن يكون في قدرتها أن تصمد وتستمر وتحقق بالتالي الأهداف التي قامت من أجل تحقيقها، إن الفلسطينية اليوم هي هوية سياسية أكثر منها هوية إقليمية، ولولا متطلبات الضرورة الإستراتيجية لإعلان رفضنا للكيان (الإسرائيلي)، ولا سيما على المستوى الدولي، لما كان يهم شعبنا كثيرًا أن يشير إلى فلسطينيته مكتفيًًا بعربيته.
س - كيف تنظرون إلى قيام جبهة ثورية واحدة عربية يهودية، تشترك فيها العناصر اليهودية التقدمية المعادية للصهيونية، خارج إسرائيل وداخلها؟ وهل تعملون لقيام مثل هذه الجبهة وكيف؟
ج - عندما نتحدث عن العرب فإننا نتحدث عن شعب أو أمة لها مقومات الوجود القومي، فهل ينطبق هذا المفهوم على اليهود؟ أي: هل اليهود شعب أو أمة؟ أم إن اليهودية ليست سوى دين كأي دين آخر على وجه الكرة الأرضية؟ فأنا أعرف أن حركة المقاومة الفلسطينية تتعاون وتتعامل عبر جبهات ومؤسسات وأحزاب مختلفة، مع أشخاص يدينون بشتى أنواع الديانات ومنهم كذلك يهود، ولكن هؤلاء أنفسهم يقدمون أنفسهم لنا وللدنيا كلها بهوياتهم القومية كفرنسيين أو ألمان أو روس أو أمريكان...إلخ، ونذكر منهم على سبيل المثال المفكر مكسيم رود انسون، والصحفية آنيا فرانكوس، والحاخام برغر، وغيرهم.
إذن فالحديث عن عرب ويهود في جبهة واحدة ينطوي على خطأ في النظرة الأساسية لبعض الحقائق البديهية، وهي محاولة لجمع ما لا يجمع، على كفة تضع قومية، وفي كفة أخرى تضع عقيدة دينية، وهذا-موضوعيًا-غير مقبول، أما بالنسبة ليهود إسرائيل فالأمر في رأيي أشد خطورة؛ لأن اليهودي الذي وفد إلى إسرائيل، رغم وعيه للحقائق السياسية التي رافقت نشأة هذه الدولة، فإنه لا يمكن أن يكون تقدميًا أو ثوريًا، إلا إذا ابتدأت تقدميته وثوريته بإنكار هويته العنصرية ورفضه للكيان العنصري الذي فرض بالقوة والاغتصاب، غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن من ولدوا في إسرائيل، أو من وفدوا إليها نتيجة للتضليل أو الاضطهاد يتحملون جميعًا مسؤولية الجريمة الكبرى، وقد يكون من بينهم من يمكن قبوله في حركة المقاومة الفلسطينية الهادفة لإعادة الحق في فلسطين، ولكشف زيف المحاولة الصهيونية الكاذبة لحل ما يسمى بمشكلة اليهودي المضطهَد (بفتح الهاء).
عندما تتكلم عن اليهود أو اليهودية، تطرح في المقال المسلمين والإسلام، والمسيحية والمسيحيين، ولا يجوز أن تطرح مقابل ذلك العرب والعروبة؛ لأن الاعتراف باليهود كافة إنما هو اعتراف بأهم أساس من أسس الحركة الصهيونية العنصرية، وبالتالي بداية الانحراف في مفهومنا التقدمي لثورتنا غير العنصرية.
س - كيف تنظرون إلى فكرة الدولة الفلسطينية الديمقراطية كحل لمشكلة فلسطين؟
ج – لقد كان قيام دولة إسرائيل بقوة السلاح والاغتصاب والخديعة، خطأ ارتكبته القوى الاستعمارية والعنصرية والرجعية، بحق المسيرة التاريخية أكثر من أي شيء آخر، وكلنا يدرك أن أي حرف لمسيرة التاريخ عن مسارها الطبيعي المحكوم من قبل قوانين عامة لا تتغير، إنما يفرض حتمًا قيام الثورة كأداة لتصحيح الخطأ، والعودة بحركة التاريخ إلى مسارها الطبيعي، من هنا فإن فكرة الدولة الفلسطينية الديمقراطية تؤمن تصحيح هذا الخطأ، فهي تعيد فلسطين إلى الوجود، فلسطين الأرض والاسم والتاريخ.
كذلك تعيد فلسطين الشعب، الشعب بتكوينه التاريخي الذي جاء نتاجًا طبيعيًا لحركة التطور الاجتماعي في تلك البقعة عبر السنين، يبقى بعد هذا قضية انتماء هذه الدولة الفلسطينية الديمقراطية، وهو موضوع حساس وعام ويثيره أعداء هذه الفكرة بين فترة وأخرى بقصد استفزاز الثورة الفلسطينية والرأي العام العربي بشكل عام، كما قلت في بداية جوابي إن زوال الكيان الإسرائيلي، وإعادة الكيان الفلسطيني، إنما هو تصحيح لمسيرة التاريخ، ومن الطبيعي إذن، مع إعادة هذا الكيان إلى الوجود، أن نعيد معه علاقاته وانتماءاته الطبيعية والتاريخية، إذ لا يمكن أن تكون فلسطين كإسرائيل الآن جسمًا غريبًا في المنطقة، أو امتدادًا للحضارة الغربية في قلب المنطقة العربية؛ فهوية فلسطين الديمقراطية وانتماؤها لا يمكن أن تكونا خارج الحيز الجغرافي والتاريخي الذي نحيا في إطاره، وأي حديث عن تفصيلات الأجهزة في الدولة الفلسطينية المذكورة، يبقى في رأيي هامشيًا وغير مهم، إذا ما أنفقنا على المبادئ الأساسية وحلنا بينها وبين أي تناقض مع قوانين حركة التاريخ العامة.
س - هناك شبه إجماع على نفس التنظيم في حركة المقاومة، نعتقد-بالإضافة إلى ذلك-بأن النقص الأساسي في هذه الحركة، هو انعدام أو غموض المنظور السياسي الأيديولوجي العام، وذلك أن التنظيم لا يتم ولا يكمل إلا وفقًا لموضوع هذا المنظور، إن كنتم موافقين، فكيف تحددون هذا المنظور؟
ج - إذا كان المقصود بالمنظور الأيديولوجي أن يكون لحركة المقاومة نظرية متكاملة، تتناول نظرتها الواضحة لجميع ظواهر الحياة، ابتداء من كيفية نشأة الحياة في الكائن ذي الخلية الواحدة، متكاملة، وانتهاء بوجود أو عدم وجود الله، فأنا طبعًا من غير الموافقين على ضرورة ذلك، أما إذا كان المقصود بالمنظور الأيديولوجي برنامجًا سياسيًا يتناول القضايا الحياتية الأساسية والنظرة العامة للمبادئ الأساسية، التي تفرز بين قوى الثورة والتقدم من جهة، وقوى الرجعية والتخلف والاستعمار من جهة أخرى، فهذا موضوع آخر، ولا أظن أن هناك من بين فصائل الثورة من يختلف عليه، ولا أدري إلى أي مدى تورط بعض المثقفين الثوريين من أبناء فلسطين وغيرهم في الخلط بين متطلبات ثورة التحرير الوطني والتحرير الاجتماعي.
وقبل أن يبادر واحد من هؤلاء للتجني والاتهام بأنني أفصل بين هاتين الثورتين أو أني لا أرى ما بينهما من روابط عضوية لا مفر منها، فإني أبادر للقول بأني مع إدراكي لهذه الحقيقة، أرى أنه من الممكن لثورة التحرير الوطني أن تنمو وتنتصر ضمن برنامج سياسي عام، ودون نظرية متكاملة كالنظرية اللينينية الماركسية مثلًا، ومع ارتقائنا لسلم المطالب الاجتماعية، لا بد أن نرتقي ببرنامجنا السياسي على طريق اكتمال النظرية الثورية، بكلمة أخرى لست من المؤمنين بأنه بلا نظرية متكاملة لا تقوم ثورة تحرير، فاغتصاب الأرض من قبل سلطة أجنبية كفيل بأن يحرك الشعب للثورة على هذا المواقع، وكاف-كمحرك-لاستمرار هذه الثورة وتأمين النصر فيها.
س - هل تعتقدون بأن من الممكن انتصار الثورة الفلسطينية دون ثورة عربية شاملة تقضي على مختلف أشكال التخلف والرجعية والارتباط بالإمبريالية والاستعمار؟ واإن كنتم تعتقدون بهذا الترابط بين الثورتين، فكيف تحددون طبيعته؟ وكيف تنظرون إلى واقعه ومستقبله؟
ج - إني من المؤمنين بأن الثورة الفلسطينية قادرة على تحقيق عدة أمور على طريق النصر:
أولًا: إبقاء القضية الفلسطينية حية وحامية ومحط أنظار واهتمام العالم بأسره.
ثانيًا: إبقاء الكيان الإسرائيلي مزعزعًا غير قادر على تأمين الحد الأدنى من الأمان المطلوب من قبل سكانه.
ثالثًا: تخفيف الهجرة إلى إسرائيل وضرب مشاريعها السياحية.
رابعًا: تمزيق أوصال إسرائيل ومواقعها الإستراتيجية ونشر حالة الرعب بين الجنود والسكان على حد سواء.
خامسًا: نشر الوعي الثوري المضاد لإسرائيل عبر الوطن العربي، وكشف الحقيقة الصهيونية عالميًا، أما تصفية الكيان الإسرائيلي، وهو الهدف الإستراتيجي للثورة، فلا يمكن إلا أن يكون مهمة قومية تتحمل مسؤولياتها الأمة العربية بأسرها بشكل أو بآخر، وأظن أنه فيما سبق من حديث حول علاقة الثورة الفلسطينية بالحركة الثورية العربية في الأجوبة السابقة، ما يغطي باقي السؤال.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 392، 393، 394 ، 395.
صوت فلسطين، العدد ٢٨، بيروت، آيار، ١٩٧٠، ص ۱۰.