الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول الدورة الثابتة للمجلس الوطني الفلسطيني، وحول أوضاع الثورة الفلسطينية

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول الدورة الثابتة للمجلس الوطني الفلسطيني، وحول أوضاع الثورة الفلسطينية

س- ما هو تقويمك للمجلس الوطني الثامن الذي عقد في القاهرة في أوائل شهر آذار؟

ج- لم يكن ينتظر من المجلس الوطني الثامن أن يكون تاريخيًا، خصوصًا أن عددًا من القنابل الموقوتة والألغام كان مزروعًا لنا هناك، لقد كان جزءًا من المؤامرة على الثورة الفلسطينية أن تتفجر هذه القنابل الموقوتة والألغام خلال اجتماع المجلس.

ما نجحنا في عمله هو منع حدوث ذلك، منعنا تفجر أي أزمة.

ما حدث فعلًا في المجلس كان يختلف كليًا عما نقلته وكالات الأنباء.

كان المجلس الوطني الثامن أكثر إيجابية من أي من المجالس السابقة وذلك للأسباب التالية:

1- كان أول مجلس أقر صيغة للوحدة الفلسطينية (الوطنية)، عن طريق إقرار برنامج سياسي شامل، وقد بحث في البرنامج السياسي أربع ساعات في لجنة الوحدة، ووافق المجلس الوطني عليه بعد ذلك، كذلك وافق المجلس على الهيكل التنظيمي باستثناء نقطتين تتعلقان بطريقة انتخاب اللجنة التنفيذية، أينتخبها المكتب السياسي أم المجلس الوطني بأكمله؟

2– ساد المداولات جو ديمقراطي حقيقي، سمح بالتعبير عن جميع وجهات النظر في الساحة الفلسطينية، وهذا في حد ذاته أحد التعابير الديمقراطية الأكثر أصالة في الوطن العربي.

3- أقر المجلس الوطني، أول مرة، شعار "فتح" الداعي إلى تأسيس دولة ديمقراطية في فلسطين، ومع أن المجالس السابقة بحثت في هذا الهدف إلا أنها لم تقرره، إن هذا إنجاز عظيم لا سابقة له، وحادث حضاري.

4- هناك ناحية أخرى إيجابية في المجلس الوطني، وهي أنه دعا إلى المؤتمر الشعبي الموسع الذي حضره ضمن آخرين، نحو مئة وعشرة من الزعماء الأردنيين الوطنيين، ولذلك مغزى مهم، أنه يظهر قدرة الثورة الفلسطينية على اجتذاب هؤلاء الزعماء، بينما يشن النظام الأردني عليها حرب إبادة، وبكلمة أخرى، كان المؤتمر الشعبي لطمة لأولئك الذين يدعون بأن الثورة فقدت مركزها في الأردن.

س- ما هو جواب الثورة الفلسطينية عن الحل السياسي الذي يدعى (مشروع السلام للشرق الأوسط)؟

ج- الجواب في بقاء الثورة كعنصر أساسي وحاسم على المسرح، لن تقبل إسرائيل صيغة أي سلام ما دامت الثورة الفلسطينية عاملًا فعالًا على المسرح؛ لأنها في هذه الحالة لن تحقق هدفها الأساسي في الأمن.

إن للشعب الفلسطيني الكلمة الوحيدة والفاصلة في حقوقه التاريخية والثقافية والسكنية والممتلكات، وتدرك الصهيونية العالمية والإمبريالية ما يتضمنه ذلك تمام الإدراك.

س- تحتفل الثورة الفلسطينية في هذا الأسبوع بمرور ثلاث سنوات على معركة الكرامة، التي وقعت في ٢١ آذار 1948.  فهل تعلق على ذلك؟

ج- إن الثورة التي كانت قادرة على استرجاع الكرامة في معركة الكرامة، على الرغم من كل الظروف المعاكسة التي واجهتها في ذلك الحين، قادرة أيضًا على شق طريقها وإحراز النصر على الرغم من كل المؤامرات والألغام.

س- في خطاب ألقيتة على الشباب الفلسطيني في عمان يوم 30 كانون الثاني١٩٧٠ قلت: "كانت 1969 سنة المؤامرات الدولية، ورد هذا القول في صحيفة "فتح" الإنكليزية (السنة الثالثة، عدد 3، في 6 شباط-فبراير–1970)، وقد أثبت الزمن أن رأيك كان صحيحًا، فماذا تخبئ سنة ١٩٧١ للثورة الفلسطينية؟

ستكون ١٩٧١ سنة الملاحم، خلالها سيتقرر مصير الشعب العربي بأسره، لا شعبنا الفلسطيني فقط، لعدة أجيال مقبلة.

س- ماذا حدث فعلًا في الأردن في أيلول الماضي، وكيف أثر ذلك في الثورة؟

ج- ما حدث في أيلول الأسود لم يكن مجرد هجوم قام به النظام الأردني العسكري على الثورة، بل محاولة إبادة جماعية للشعب الفلسطيني، وقد خططت للمحاولة وأخرجتها ووجهتها وكالة الاستخبارات المركزية، ففي رسالته عن (الوضع العالمي) التي ألقاها نيكسون أمام الكونغرس في شباط الماضي، اعترف بأن أشد خطر على السلام في العالم منذ أن تسلم الحكم في سنة ١٩٦٨ كان حوادث أيلول في الأردن.

 ويكشف هذا القوى التي واجهتها الثورة في أيلول الماضي وقهرتها، جاء اعتراف نيكسون متأخرًا ستة أشهر، تأخر ستة أشهر في إثبات اتهامنا للولايات المتحدة بالاشتراك، حين وجدنا في مستشفى الأشرفية بعمان عريفًا من جنود البحرية الأمريكيين اسمه «مارك لانرز» ورقمه (٢٣٥٦٩٤٩).

لم تهزم الثورة الفلسطينية في أيلول الماضي عسكريًا ولا سياسيًا، بل أظهرت المواجهة أن الجيش الأردني لم يستطع تحطيم المقاومة مع أنه استعمل ما يعادل ۱۲۰ ألف طن من المتفجرات، وما كان الجيش الأردني ليستطيع استعمال هذه الكمية من الذخيرة ضد الثورة الفلسطينية، لولا موارد الولايات المتحدة غير المحدودة، أوقعت قوى الثورة الفلسطينية نحو ٧٠٠٠ إصابة في الجيش الأردني، وبكلمة أخرى قضت الثورة الفلسطينية في أيلول على ١٠% من مجموع القوات الأردنية المسلحة، وقد اعترف الملك حسين نفسه بوقوع ٢٠٠٠ إصابة خطرة في صفوف جيشه، وخسر الجيش الأردني في عمان وحدها 91 دبابة معظمها من طراز باتون، حطم منها ٣٨ دبابة تحطيمًا تامًا والدبابات الباقية عطلت، أيد هذه الأرقام ما قامت به الولايات المتحدة من سد النقص، فقد أرسلت إلى الأردن ٤٠ دبابة باتون و٥٠ محركًا من محركات هذه الدبابة، كذلك فقد الجيش ١٢٠ سيارة أخرى، لولا شحنات الذخائر من الولايات المتحدة، ومنها شحنات جوية متواصلة لا سابقة لها، لما استطاع الجيش الأردني تحمل عبء القتال.

 كانت أعباء الثورة في أيلول الماضي ثقيلة أيضًا، فقد تعهدت بالعناية بعائلات أكثر من ٢٤٠٠ قتيل، وبمعالجة نحو ۱۰۸۰۰ جريح، وتعهدت بإعادة بناء مخيمات اللاجئين التي قصفتها المدافع مثل مخيم الوحدات في عمان الذي بلغ الدمار فيه نحو 80%، تحملت مسؤولية ۲۰۰۰۰ فلسطيني حجزوا بين شهر وستة أشهر، ومسؤولية عائلاتهم، تعهدت بالاهتمام بالناس الذين هربوا من الزرقاء وإربد وعمان والرمثا نتيجة الهجوم البربري.

 بلغت خسائر الثورة المادية 10500000 جنيه إسترليني، وكانت حصة (فتح) من ذلك 8500000 جنيه إسترليني، ولم يعوض سوى جزء من هذه الخسارة، وخصوصًا من الجزائر وليبيا. أما لجنة الإنقاذ العربية فلم تبدأ عملها إلا بعد أربعة أشهر، في الوقت نفسه كان الحكم الأردني يتلقى المعونة العسكرية والمالية، فقد وصله منها منذ أيلول ما يعادل ١٠٥ ملايين جنيه إسترليني، ويشتمل هذا المبلغ على ثمن الذخائر التي سلمت في أيلول.

س- هل الرقم 3400 قتيل والرقم ۱۰۸۰۰ جريح في صفوف قوات الثورة العسكرية؟

ج- كلا، كانت معظم الإصابات بين المدنيين، ولإعطائك فكرة أقول إن خسائرنا بلغت ۹۱۰ من المقاتلين، بينهم ٨٢٦ من (فتح).

س- لماذا قبلت الثورة الفلسطينية إنهاء القتال في الأردن وعقد اتفاقية مع النظام الأردني في القاهرة يوم ۲۷ أيلول؟

ج- إن الهجوم في أيلول كما أخبرتك، لم يكن موجهًا ضدنا كثوار فلسطينيين، بل كان محاولة لإبادة الشعب الفلسطيني بأسره، حين ضربوا المخيمات بالمدافع، كانت غايتهم إفناء شعبنا، ونسائنا وأطفالنا، فكان علينا أن نمنع ذلك وأن نحول دون خلق "يمنين"، ومن الصفات المميزة للثورة أن ترجع خطوة لتتقدم خطوتين، والمهم أن يكون التراجع منظمًا ومدروسًا، ثم لا داعي إلى القول إن النظام لا يستطيع التعايش معنا كما أثبتت الحوادث ذلك، وإن ثورة الشعب لا يمكن أن تغلب أبدًا.

س- كيف تعلق على الادعاءات بأن الثورة الفلسطينية قد انتهت، أو أنها على الأقل قد اختفت؟

ج- للهجوم على الثورة الفلسطينية أوجه كثيرة، وفيما عدا الهجوم العسكري، هناك الهجوم المالي والإعلامي والنفساني الذي يهدف إلى جعل الشعب يعتقد أن الثورة قد انتهت، أو أنها أكملت دورها، أو غير قادرة على تحقيق الأمال المعقودة عليها، لكن مضت ستة أشهر منذ أيلول والثورة باقية هنا بكل قادتها وجنودها المناضلين، طبعًا هناك من يندب الثورة! إن ما يدعى مشروع السلام لا يمكن تنفيذه ما دام الشعب متمسكًا بالثورة، لذلك فإن جزءًا من المؤامرة هو جعل الشعب يعتقد أن الثورة قد انتهت.

 زادت قوى الثورة عددًا منذ أيلول سأضرب مثلًا واحدًا: خسرنا في أيلول ۹۱۰ من المقاتلين لكن ترك ٤٥٠٠ جندي الجيش الأردني منذ ذلك الحين وانضموا إلى صفوف الثورة الفلسطينية، وهؤلاء علاوة على المتخرجين من مخيماتنا للتدريب العسكري، في ١١-١٢ شباط، بعد مرور خمسة أشهر على أيلول الأسود، أثبتت الثورة الفلسطينية أنها باقية ومتحدية، هذا ما حدث في جبل هملان في عمان بعد أن ادعي بأن الثورة الفلسطينية سلمت أسلحة الميليشيا، ففي الساعة الخامسة والنصف من مساء ذلك اليوم تسلل نحو ۲۰۰۰ جندي إلى هملان ليضعوا أيديهم على مخازن أسلحة الميليشيا، فاكتشفوا أننا لا يمكن أن نخدع بتسليم سلاحنا، قمنا بهجوم مضاد، وضربناهم بالصواريخ والمدافع الثقيلة، وأغلقنا مطار عمان ٤٨ ساعة، وأصبنا ثلاث طائرات.

 بلغت خسارتنا ۱۳ قتيلًا، وخسارتهم ۷۰ قتيلًا وكثيرين من الجرحى، بكلمة أخرى: إن الثورة التي بدأت في أواخر الخمسينيات، وانطلقت في سنة ١٩٦٥ حين كان الشعب لا يزال نائمًا، الثورة التي استمرت في سنة ١٩٦٧ حين كان الشعب لا يزال مذهولًا، والثورة التي كانت قادرة في أيلول الماضي أن تنجو من الإعدام، هذه الثورة لن تنتهي أبدًا أو تخضع.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية،1971، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 218، 219، 220.