حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول بعض قضايا حركة المقاومة الفلسطينية
حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول بعض قضايا حركة المقاومة الفلسطينية
(فتح، دمشق، 16/5/1971)
س- تردد وكالات الأنباء فكرة تشكيل حكومة فلسطينية تعترف بها الدول الصديقة فما هي صحة هذه الأنباء؟
ج- حتى الآن لا علم لنا بمثل هذا الموضوع إطلاقًا.
س- كانت لتصريحاتكم عن تشكيل دولة علمانية ديمقراطية في فلسطين بعد تحريرها، تجمع المسلمين والمسيحيين واليهود، أثرها المدوي في جميع أنحاء العالم، فهل تعتقدون بإمكانية التعايش مع اليهود ضمن هذه الدولة، وهم يؤمنون بالفكرة الصهيونية إيمانا أعمى؟
ج- إن الذي ندعو إليه هو إنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين تضم الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهود، يعيشون فيها بمساواة وبعدل وإخاء، وإن إقامة مثل هذه الدولة هو الحل العادل لمثل هذه القضية المعقدة، وهي ليست حلًا عربيًا فقط ولكنه حل ينقذ اليهود من براثن الأطماع الصهيونية والإمبريالية العالمية، التي تتخذهم الآن كمخلب قط لتنفيذ مأربهم في احتلال بلادنا والسيطرة على هذا الجزء الإستراتيجي من العالم، وهو منطقة الشرق الأوسط، ولا ننسى كذلك الثروات التي تتمتع بها المنطقة، والتي يأتي فيها البترول على رأسها حيث يتواجد ٨٥% من احتياطي العالم تحت ترابها، في الوقت الذي فشلت به الآمال للحصول على هذا البترول من المناطق الشمالية المتجمدة.
س- رددت بعض وكالات الأنباء عن تشكيل جيش فلسطيني يقف بجانب الجيوش العربية في معركة التحرير، فهل بدأتم بتشكيل هذا الجيش؟
ج- لدينا جيش وهذا الجيش بأقسامه الثلاثة : (النظامية-الفدائية-الميليشيا)، ومنذ انطلاقة الثورة وجميع العناصر المقاتلة في ثورتنا تقوم بواجبها الأساسي ضد العدو الصهيوني، وهي حتمًا ستستمر في دورها منفردة أو بالاشتراك مع بقية الجيوش العربية متى حانت ساعة القتال.
س- أتعتقدون أن محاولة تصفية العمــل الفدائي، التي يتولى الجيش الأردني تنفيذها، قد توقفت بعد الوساطة العربية لحل النزاع؟
ج- مع الأسف لم يتوقف النظام الأردني في مخططه لتصفية الثورة الفلسطينية، وهذا منطلق بالضرورة من خلال الارتباطات التي تربط هذا النظام مع القوى الإمبريالية والصهيونية العالمية، وبالخصوص مع المخابرات المركزية الأمريكية التي اتخذت قرارًا بتصفية الثورة الفلسطينية، وما تصريحات المسؤولين الأمريكيين انطلاقًا من رسالة نيكسون إلى تصريحات روجرز وغيره من مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية، إلا الدلالة الأكيدة التي كشفت عن هذا الترابط وهذا المخطط، وكذلك الإمدادات العسكرية والمادية الأمريكية التي تصل باستمرار إلى السلطة الأردنية لتنفيذ مخططها التآمري ضد الثورة الفلسطينية.
لقد وقعنا مع هذا النظام اتفاقيتي القاهرة وعمان، وشهد عليهما الملوك والرؤساء العرب وممثلوهم، ومع ذلك لم تلتزم السلطة الأردنية بشيء، وهذه شهادة السيد باهي الأدغم رئيس لجنة المتابعة من قبل الملوك والرؤساء العرب، وكذلك شهادة العميد أحمد حلمي رئيس اللجنة العسكرية للرقابة.
وقد أدان مؤتمر ممثلي الملوك والرؤساء العرب-الذي عقد أخيرًا في القاهرة-الحكومة الأردنية وطالبها بالكف عن ضرب الثورة الفلسطينية، التي أشار لها المؤتمر كأنبل ظاهرة عربية بعد هزيمة حزيران، معركة أيلول وما تلاها ليست صراعًا بين الثورة الفلسطينية والملك حسين؛ لأن النظام الأردني لم يكن في هذه المعركة الدامية إلا أداة.
أما حقيقة الصراع فقد كان مع الولايات المتحدة الأمريكية والأجهزة العسكرية والاستخبارات، وقد اعترف نيكسون بذلك نفسه في رسالته، التي قال فيها: إن أخطر ما مر على رئاسته في حوادث أيلول في الأردن، وقد كان بنفسه على ظهر حاملة الطائرات (سراتوكا) في البحر الأبيض المتوسط أثناء الحوادث.
س- ألا تزالون عند رأيكم السابق بحصر نشاط العمل الفدائي في الأرض المحتلة؟ أم إنكم توافقون على ملاحقة الصهاينة في أقطار أخرى خارج الأراضي المسلوبة؟
ج- نحن لنا إستراتيجية خاصة وهي تعتمد بالأساس على العمل داخل أرضنا المحتلة، وكل ما يصدنا من الوصول إلى هدفنا في تحرير أراضي وطننا السليب فلسطين، والأراضي العربية الأخرى، لا نملك إلا أن نقاوم لتستمر مسيرتنا الثورية التحريرية.
س- أتعتقدون أن مواجهة حاسمة ستحصل مع العدو هذا العام؟
ج- أنا لا أقول هذا العام ولا أحدد الزمن؛ لأن هذا لا يجوز عسكريًا، ولكن حتمية الصدام مع العدو الصهيوني آتية لا محالة، فهذا العدو المتعجرف الشرس لا يمكن أن يوقف شره وأطماعه في أرضنا المحتلة، إلا بمواجهة عسكرية حاسمة.
س- كم عدد الضحايا في الأحداث الأخيرة بالأردن؟
ج- من أيلول حتى الآن أكثر من ٢٢ ألف قتيل وجريح، هذا غير المعتقلين في السجون الأردنية، ومن الغريب أن شعبنا الصامد البطل يواجه في نفس الوقت إرهابا آخر متوازيًا ومتشابهًا في الأرض المحتلة، حيث الشهداء والجرحى والمعتقلون بالآلاف.
س- كم عدد المعتقلين في الأراضي المحتلة؟
ج- عددهم يزيد عن سبعة عشر ألفًا، وهذا غير معسكر الاعتقال الجديد الذي أنشأته سلطات الاحتلال لسكان غزة في منطقة أبو زنيمه (سيناء)، وفي هذا المعتقل يجمعون لا المعتقلين فقط ولكن عائلاتهم كذلك، على غرار معسكرات الاعتقال النازية.
س- هل تنفذ السلطات اللبنانية اتفاقية القاهرة بدقة أم أن هناك بعض المتاعب في تنفيذها؟
ج- ليس هناك مشاكل بيننا وبين الإخوة اللبنانيين، ونحن نكن لإخواننا اللبنانيين شعورًا صادقًا؛ لأن عدونا واحد ونصرنا ومصيرنا واحد وعزتنا واحدة.
س- هل تقوم الدول العربية مجتمعة ومنفردة بالتزاماتها المالية نحو العمل الفدائي؟
ج- في الحقيقة إن الكثير من الدول العربية لا تقوم بواجبها تجاه الثورة الفلسطينية، ولكن هذا لا يعني أن بعض إخواننا لا يألون جهدًا في دعم الثورة الفلسطينية وتقويتها.
س- اقترحت صحيفة عربية أن يطرح في مؤتمر القمة العربي المقبل، مشروع تخصيص ٣٪ من دخل البترول العربي كله للعمل الفدائي، فهل تعتقدون بإمكانية تنفيذ هذا الاقتراح؟
ج- هذا الاقتراح أتركه للملوك والرؤساء العرب، فالثورة الفلسطينية تحتاج الكثير، وعلى سبيل المثال تتلقى الثورة الفيتنامية ١٠٠ قطار مساعدة كل (٢٤) ساعة، أي ما يعادل قطارًا كل ربع ساعة، والثورة مثل الاتون كلما أعطيتها تقول هل من مزيد؟ ونحن نتمنى تحقيق ذلك.
س – هل ستشتركون في مؤتمر القمة العربي الذي دعت إليه مراكش؟
ج - نحن لم نبحث الموضوع بعد في اللجنة المركزية.
س- هل تفكرون في الاتجاه نحو الصين الشعبية لأخذ المزيد من الأسلحة؟
ج- إن الصين الشعبية لم تقصر مع الثورة الفلسطينية في هذا المجال، وهي لن تقصر حتمًا في المستقبل، وذلك لطبيعة العلاقات الأصيلة بين الثورة الفلسطينية والصين.
س- فكرتكم الثورية تمشت في عروق الجيل الجديد من أبناء الشعب العربي في سائر أقطاره، فهل تعتقدون أن هذا الجيل المتحفز سيقبل بالحلول السلمية التي يسعى إليها البعض؟
ج- لقد قلت ردًا على سؤال سابق: إن الصراع حتمي بيننا وبين العدو الصهيوني المدعوم من الإمبريالية العالمية، وهي هجمة جديدة تتعرض لها أمتنا العربية، مثل الهجمة التترية والهجمة الصليبية التي وردت بكل ثقلها على هذه المنطقة، فكان مصيرها الفشل والزوال، وهذه الهجمة الصهيونية الجديدة هي جسم غريب في أمتنا العربية ستلفظه حتمًا مثلما لفظت الهجمات السابقة، وقد سألني مرة أحد الصحفيين، وأنا أخرج إحدى دورات أشبالنا، بعض الأسئلة وكان جوابي أن أشرت إلى هؤلاء الأشبال وقلت: سيرفع أحدهم علم أمتنا العربية على شاطئ البحر في يافا، ونحن نسمي هذا الجيل جيل النصر، الجيل الذي سيصل إلى البحر، مليون طفل ينبتون اليوم في حقل الدماء وعيونهم للبحر شدت ليس يعنيها الوراء.
س- أنتم من دعاة الوحدة العربية وبناتها فكيف استقبلتم قرار الرؤساء الثلاثة السادات والأسد والقذافي، بقيام دولة الجمهوريات العربية؟ وهل هذا ما كنتم ترغبون بتحقيقه أم كنتم تريدونها خطة أكثر التحامًا؟
ج- الحقيقة أنا عشت بجوارحي وبنفسي قبل أن يستشهد الرئيس جمال عبد الناصر، هذه الخطوات الوحدوية التي أعتبرها خطوات على الطريق الطويل لتوحيد أمتنا العربية كلها.
س- قلتم الآن قبل أن يستشهد الرئيس جمال عبد الناصر لماذا تعنون بكلمة الاستشهاد؟
ج- إننا نعتبر الرئيس جمال عبد الناصر هو أحد شهداء أيلول الأسود.
س- زرت بيت إسعاد الطفولة في لبنان، واجتمعت بالأشبال من أبناء أسر الشهداء وحدثتهم واستمعت إليهم، وقد أعجبت كثيرًا بالفكرة وطريقة تنفيذها، فهل هناك مساع لإنشاء بيوت في جميع المخيمات؟
ج- أكيد، وللأسف فإن جميع ما أنشئ في الأردن خاص بالأشبال حطمته أيدي البرابرة في الأردن.
س - المغتربون طاقة ضخمة لإمداد الفدائي بالدعم المادي، فلماذا لا تعين لجان دائمة تظل تعمل في المهاجر؟
ج- هذه فكرة جيدة، ولكن نرجو من إخواننا في المهاجر أن يقوموا بهذا العبء عنا، خاصة ونحن في أتون لهيب المعارك التي تواجه الثورة الفلسطينية بصفة مستمرة وعلى أكثر من جهة، وعلى سبيل المثال وأنا هنا فقد حدثت خلال الساعات الأخيرة معركة ضارية، على الحدود اللبنانية-الفلسطينية استشهد فيها ثمانية من خيرة أبطالنا، وهناك كما ترون من البرقيات التي لدينا فإن لنا قاعدة محاصرة في شمالي الأردن من قوات السلطة العميلة، واعتقل بعض شبابنا في غزة كما أن قافلة للجرحى وصلت أو ستصل من جرش إلى درعا، وهذا جزء بسيط تواجهه الثورة.
س- لقد ذكرت وكالات الأنباء أنكم صرحتم بأن العمل الفدائي لا يستهدف الإطاحة بالحكم الأردني، رغم أن الملك حسين لا يزال مصرًا على ما يبدو على تنفيذ خطة إجلاء الفدائيين من الأردن، وبأدق تعبير يعمل على إنهاء الوجود الفلسطيني في الأردن، فهل لكم أن توضحوا لنا هذا الأمر؟
ج- لقد أجبت على هذا السؤال وقلت إن هدف الثورة الفلسطينية وعملها الأساسي هو مع عدونا الصهيوني، ولكن الثورة الفلسطينية لا يمكن ولا يعقل أن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لتصفيتها، من أي جهة كانت أو لتنفيذ أي مخطط، ونقاتل في سبيل إزالة أي عائق يقف أمامها في مسيرتها من أجل تحرير تراب وطننا فلسطين.
س- تردد إن العمل الفدائي قد توقف داخل الأرض المحتلة بانتظار خطوة عمل جديدة، قيل إنكم عاكفون على دراستها حاليًا، فهل لنا أن نعرف ولو بعض ملامح هذه الخطة حتى نستطيع أن نطمئن إلى استمرارية العمل الفدائي والوجود الفلسطيني في الأردن؟
ج- لم يتوقف العمل في داخل الأراضي المحتلة، وكما أشرت قبل قليل إلى المعركة التي استشهد فيها ثمانية من رفاقنا، وكما أعلن أمس عن قتل ثلاثة من الضباط الصهاينة الكبار في الأرض المحتلة، والمعارك المستمرة الدائمة في قطاع غزة، ولكن بلا شك فإن هذه المعارك التي تقوم بها قوات السلطة الأردنية ضد ثوارنا جزء من أهدافها هي إعاقتنا وشل جزء من فعالية قواتنا وثوارنا وحماية العدو الصهيوني، كما قالت هآرتس، الصحيفة الصهيونية في أحد أعدادها إن ما حدث في الأردن كان يعجز رئيس أركاننا أن يحصل على هذه النتيجة.
س- نرجو أن تعطينا فكرة واضحة عما يدور الآن في الأردن بين المناضلين من قوات الثورة والسلطة الأردنية؟
ج- مع الأسف ما زالت القوات الملكية الأردنية تقوم بمهاجمة قواعدنا وثوارنا وحتى دورياتنا المتوجهة نحو الأرض المحتلة أو الخارجة منها، وثوارنا الآن يواجهون النار على أكثر من جبهة (وذكر الأخ أبو عمار حادثة حصلت في عجلون عندما كان يعبر الثوار النهر، وكيف فتحت النار عليهم من العدو الصهيوني، ومن قوات المسلطة الأردنية في آن واحد، وذكر حادثة أخرى عندما كان في أحد المواقع في دبين وهاجمت طائرات الميراج تلك المنطقة بالوقت الذي كانت المدافع الأردنية تقصف نفس الموقع).
س- من الواضح أن وجود العمل الفدائي مهدد الآن في الأردن، ما هي الخطوات التي ستنفذ لضمان استمرار العمل الفدائي والوجود الفلسطيني بالأردن؟
ج- الضمان الأول هو بنادقنا، والضمانة الثانية هي موقف أمتنا العربية المطالبة الآن بتحمل مسؤولياتها التاريخية.
س- لقد كثر التحدث عن الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية فما هي صحة هذه الشائعات؟
ج- في يقيني، كما يشاع عن الدولة الفلسطينية، لا أساس له من الصحة، وإنما هي عملية تهيج وإثارة لإخواننا الأردنيين في شرق الأردن ضد الثورة الفلسطينية، وهي أكذوبة أطلقتها أمريكا لتحقيق مآرب معينة، ولتكسب فيها القوى المنفذة للمخطط الأمريكي في الأردن.
س- ما هي تطلعاتكم نحو المستقبل؟
ج- ثورة، ثورة، ثورة، حتى النصر.
س- في إحدى افتتاحيات صحيفة (فتح)، موضوع حول إقامة جبهة وطنية أردنية فما هي هذه الجبهة المقترحة؟
ج- إن السلطة العميلة في الأردن من ضمن ما خططت له تنفيذه، هو شق وحدة الشعب في أردننا الصامد البطل، وإن إقامة الجبهة الوطنية الأردنية التي نشجعها وندعو لها، هي لكي تأخذ جماهيرنا في الأردن دورها الطليعي في النضال من أجل جميع الأهداف والغايات والمصالح لجماهير شعبنا، في الساحة الأردنية.
س- ما هي توصياتكم للجالية العربية في المهجر؟
ج- أن يكونوا للثورة ومع الثورة وأن يستمروا في دعمهم لهذه الجمرات من شعبهم العربي، التي تحترق وتنير للأجيال القادمة طريقها نحو التحرير والحرية والكرامة، وأنا من موقعي هنا أتوجه إليهم باسم الثوار من أمتهم، الذين يقفون على خطوط التماس الأولى مع هذا العدو الصهيوني الإمبريالي والاستعماري، أن يكونوا رسلًا لأمتنا العربية وأمثولة حية في الترابط والتآخي والتعاون؛ للمحافظة على تراثها ومستقبلها في هذا الظرف الدقيق والمعركة الضاربة التي تخوضها أمتنا العربية، في صراعها الحضاري من أجل الوجود، ولتأخذ أمتنا مكانها الطبيعي في مسيرة الإنسانية جمعاء، كما كنا دائمًا وأبدًا طليعة من طلائع التحضير الإنساني خلال ثلاثة عشر قرنًا.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية،1971، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 377، 378، 379،380.