الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، بمناسبة حوادث الأردن الأخيرة

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، بمناسبة حوادث الأردن الأخيرة

عمان، 16/6/1970

س - ما رأيك يا أخ أبو عمار في أن بعض الناس باتوا يقولون إن "فتح" معتدلة؟

ج - من المعروف أن هنالك اختلالًا كبيرًا في المقاييس والمعايير التي تستخدم داخل الوطن العربي، إن الثورة الشعبية المسلحة التي رفض شعارها منذ عام ١٩٥٨، تهدف أول ما تهدف إلى إعادة توليد فكر الإنسان العربي الجديد، وإعطائه المقاييس الصحيحة التي تقاس بها الأمور.

إن غالبية الجماهير العظمى تعتقد أن "فتح" حكيمة وموضوعية، والحكمة هي إجادة التصرف، بحيث يكون الوصول إلى الهدف مضمونًا، وإذا كان بعض الناس يقصدون أن "فتح" معتدلة بمعنى أننا نستخدم العنف بمسؤولية، فهذا أمر نعتز به، ويشرفنا حينئذ أن نكون معتدلين.

ونحن في "فتح" نعتقد أن الآمال شيء، والواقع شيء آخر، وأن جماهيرنا لم تعد ترضى بمتطرف في الكلام، لا يحقق شيئًا في تبديل الواقع، ولذلك فإن قيادة "فتح" تنظر دومًا إلى الأمور بجدية، وترفض المغامرة، وإذا تتبعت يا أخت ليلى مسيرتنا منذ بداية عملنا المسلح، فسترين أننا لم نتخل عن أي موقع من المواقع التي استطعنا الوصول إليها، إلا إننا إلى جانب التمسك والحفاظ على ما تحققه من مكاسب، ندرس الخطوة التالية بدقة، فنحن ثورة ليس مسموحًا لها في الوقت الحاضر أن تنتكس، إذ إن هذه الثورة-كما تعلمين-هي فجوة النور الوحيدة المتبقية للأمة العربية بعد الخامس من حزيران/يونيو.

إن الذين يتحدثون عن الاعتدال، لو درست تصرفاتهم وتحليلاتهم، فستجدينها منطلقة من مبدأ السرعة بالوصول إلى الأهداف، أي الملل من طول طريق النضال، ولكننا في "فتح" من خلال دراستنا لكل التجارب الثورية في العالم وجدنا أن الصفة الأساسية، التي تميز بين الثائر الفاعل والثائر العاجز، في القدرة على تحمل آلام النضال ومشاق الطريق، ومن ينسى هذه الحقيقة سوف يكون عاجزًا عن التقدم خطوة واحدة، ونحن دائمًا تحت كوادرنا النضالية، على أن يكونوا جريئين على خوض النضال، وعلى أن يتعودوا أن يمسكوا الجمر بأيديهم لفترة طويلة.

إن المتسرعين بالوصول إلى الأهداف، هم يشابهون أولئك الذين يفرضون على أولادهم السير قبل أن تنضج عضلاتهم وعظامهم، فتتقوس رجلا الطفل إذا مشى قبل أوانه.

وأنت تعلمين أننا في "فتح" نرفض الفكر المزور والشعارات المزورة، أي الأفكار والتصرفات التي لا نستطيع إدخالها في دنيا الأعمال والممارسة والتنفيذ، ولذلك فإننا في "فتح" مضطرون إلى خلق الظروف الملائمة والمناخ الثوري لأي قضية نريد تجسيدها، ثم ننطلق لتنفيذها، ومن هنا فإننا كثيرًا ما نحس أن الوقت بالنسبة لنا بضاعة نادرة يجب أن نستغلها بدقة، يضاف إلى ذلك يا أخت ليلى، أننا في "فتح" إذا قلنا شيئًا تحركت الجماهير لتنفيذه.

إن بعض الناس الذين يريدون أن يميزوا انفسهم عنا، عن طريق سلوك تصرفات توحي للجماهير أنهم متطرفون، فهم يفعلون ذلك وهم يعلمون أن ردة فعله داخل الجماهير ليست واسعة النطاق، نحن مسؤولون عن الجماهير، ونرفض دفع الجماهير إلى أي موقف لا تحصل به الجماهير على مكاسب، إن كومونة باريس لا يجوز للثائر أن ينساها، وكذلك عمال المناجم في الأرجنتين وكيف قضي عليهم، يجب أيضًا ألا ننساها.

وإننا فخورون أنه بالرغم من معرفة العالم أن للقوة دورها الأساسي في الساحة العربية-الفلسطينية، إلا إننا استطعنا أن نقنع العالم أننا ثورة إنسانية، تحترم الإنسان أينما كان، وأنا أعتقد أن الوقت قد حان للبدء بالحديث عن العنف المسؤول، الذي يحترم الإنسان ويقوم من أجل الإنسان.

س - كم هو عمر الثورة الفلسطينية اليوم بعد المؤامرة؟

ج - من الأمور اللافتة للنظر في هذه الثورة، هي قدرتها على تحقيق انتصارات ناضلت الشعوب الأخرى فترة من الزمن من أجلها، لو قيست بثورتنا للاحظنا الفرق الزمني الكبير بيننا وبينهم، بدرجة أننا لم نتعرض حتى الآن إلى نكسة، الأمر الذي يعتبر صفة أساسية لأي عمل ثوري يحدث، فالصمود والنهوض قضايا يجب أن تكون القيادات الثورية قادرة عليها، نظرًا للنكسات الكثيرة التي يتعرض لها العمل الثوري.

أما نحن، فلو استطعنا إنهاء مرحلة المشردين الهائمين، والحصول على القاعدة الآمنة، التي تعتبر منتصف الطريق النظري للثورة خلال عام واحد من النضال بعد عام ١٩٦٧.

بعد ذلك جاءت أزمة 4/11/1968، وهي مواجهتنا الأولى للسلطة في الأردن فاستطعنا الحفاظ على بقائنا، ووقعنا اتفاقية 5/11/1986، التي أعطت الثورة مكاسب كثيرة، إلى جانب بعض السلبيات.

ثم جاءت مواجهة 10/2/1970، فرفضنا أي اتفاقية، وثبتنا أقدام الثورة، ثم جاءت مواجهة 8/6/1970 واستطعنا أن نفرض عددًا من الأمور التي تعيد الطريق إلى إقامة القاعدة الارتكازية الثورية.

إنني أشعر أن ثورتنا بالذات تدخل عمر العطاء الكبير، ومن الأمور التي تؤلم يا أخت ليلى، أن الثوار القياديين مطلوب منهم أن يصمتوا عن كثير من الأمور؛ لأن الصمت يكون ضروريًا من أجل جني أكبر النتائج من الانتصارات التي تصنعها الثورة، وإذا قدر لي أن أعيش وأن أقابلك بعد عدة أشهر، فسأحدثك عن عمر الثورة الحقيقي.

لأننا في هذه المواجهة، حققنا انتصارًا كبيرًا، وجني ثمار هذا الانتصار يحتاج إلى الأشهر القليلة القادمة، والحديث عنها قبل حدوثها ربما يضيع الشيء الكثير.

س – كيف تقارن حرب حزيران (يونيو) بما حدث؟

ج – لأول وهلة عندما أتذكر حرب حزيران (يونيو)، وما حدث أخيرًا، تبرز بعض المقارنات العددية البسيطة، وهي أن عدد من قتل من أبناء شعبنا على يد السلطة يكاد يكون ثلاثة أضعاف ما قتلته السلطة من الصهاينة في حرب حزيران (يونيو)، ويساوي في نفس الوقت ثلاثة أضعاف ما خسرته بعض الجيوش العربية في تلك الحرب، يضاف إلى ذلك التعبئة النفسية التي عبئ بها الجنود الكادحون الأبرياء، لقد كنت أتألم وأنا أرى أولئك الجنود المعبئين تعبئة إجرامية مضللة، لقد كانوا يطلقون النار لأنهم لا يعلمون أننا نناضل من أجلهم، وهذه قضية يجب أن ننجح في إقناع كثير من أدوات السلطة بها، إلا أنهم أخذوا بعض كتائب الجيش وعزلوها عدة أشهر حتى منعوا عنها أجهزة الراديو؛ كي يجيدوا تعبئتها بقضايا ليست صحيحة.

أنت تعلمين أن الخامس من حزيران (يونيو) لم ينزل إلينا هكذا فجأة من السماء، والذين صنعوا الخامس من حزيران (يونيو) ما زالوا يمارسون نفس الأسلوب ونفس العقلية.

س - هل تتوقع أن تواصل الدول العربية المطالبة بالحل السلمي؟

ج- نحن تعلمنا أن الثوار عليهم أن يخلقوا الحقائق، ثم يبنوا عليها حتى يسقط الاستعمار والإمبريالية والذين تلتقي مصالحهم معها، والعملاء، والخونة، وبالتالي حتى يسقط الحل السلمي وترجع فلسطين كاملة، لا بد من خلق الشعب الواعي المنظم والمسلح.

إننا سائرون في طريق خلق هذه الحقيقة واقعًا لا كلامًا على الورق، حينئذ سنبني الحقيقة الكبيرة، أي: الثورة العربية الشاملة.

س - الكل يتحدث من دور أمريكا، ألا تعتقد أن بريطانيا لها دور في المؤامرة؟

ج - عندما تتحدث من الاستعمار تركز على أمريكا لأن أمريكا في اليوم زعيمة المعسكر الاستعماري والإمبريالي، وهذا لا ينفي دور الدول الاستعمارية الأخرى، فهذا المجتمع الاستعماري مترابط وتقوم بين أعضائه علاقة جدلية، وعلاقة الكل بالجزء.

إن أمريكا بسبب وجود مراكز الاحتكارات العالمية فيها، فإن المخططات تنبثق دائمًا منها، وعلى الآخرين أن ينفذوا، إن بريطانيا مثلًا عليها أن تستأذن أمريكا في تصرفاتها، وإذا سقط الاستعمار الأمريكي فستسقط حينئذ كل القوى الاستعمارية المرتبطة بها، بينما إذا سقط الاستعمار البريطاني مثلًا، فهذا لا يعني انتهاء الاستعمار الأمريكي، من هنا يأتي الدور التاريخي للثورة الفلسطينية إلى جانب الثورة الفييتنامية، بأنهما معًا يصارعان اليوم الاستعمار الأمريكي، أي بتوجيه القرية إلى رأس الاستعمار.

س - بصفتك رئيس المجلس التنفيذي، ورئيس اللجنة المركزية لحركة المقاومة، ما هي القوى التي أنقذت الثورة؟

ج - لقد تغيرت في ذهني تصورات لأشياء كثيرة من خلال الممارسة، والحديث عن الجماهير وعن الشعب ليس شيئًا شاعريًا أو خياليًا، إن القوى التي غيرت مجرى الأحداث في الجماهير المسلحة التي انطلقت صامدة تدافع عن طليعة الثورة العربية.

إن صمود شعبنا هو الذي حسن الموقف، ولولا الصمود الجماهري الرائع لتغيرت النتائج، عندما قصف جبل التاج، ذهبت إلى هناك وأنا أعد في الطريق لإلقاء كلمة في الجماهير من الآلام ومن التضحيات والصمود، إلا إنني فوجئت أن أحدًا من الناس لم يشْكُ إلي شيئًا، ولم تكن الجماهير متألمة بشكل سلبي، وإنما كانوا يطالبونني بمتابعة السير، ويقولون إن تضحياته هي ثمن الانتصارات التي سيصنعوها، إن من عاش الأحداث الأخيرة في الأردن يدرك المعنى العميق القائل:

"إن الجماهير في الحصن الحقيقي للثورة، وإنها هي التي تصنع التاريخ"

طبعًا ساعد تدخل القوى الوطنية العربية على تقليل الخسائر وعلى حسم النزاع بفترة أقصر.

س - ماذا كان دور حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"؟ ألا تشتاق لـ"فتح" يا أخ أبو عمار؟

ج - لو أنك ترجعين يا أخت ليلى، إلى محاضر جلسات اللجنة المركزية فسوف تجدين الدور الأساسي الذي قامت به حرکتنا، ولقد تأثرت كثيرًا عندما أصرت جميع الجهات والمنظمات على تسجيل هذا التقدير لحركتنا بعد انتهاء الأزمة.

لقد أثبتت الأحداث أننا كنا مدركين لطبيعة المرحلة والأعداء والقوى المضادة، وأن هذا الإدراك انعكس بإعداد القوى الثورية والأساليب النضالية القادرة على مواجهة الموقف، إن إذاعتنا المحلية التي قامت بمجهود أساسي في عمان، كانت معـدة منذ فترة طويلة لهذا الموقف، كما أن خطط المواجهة أثبتت أننا تحملنا دورنا كتنظيم أساسي إلى جانب بقية أخوة النضال والكفاح، إن الشعب يعرف تمامًا دورنا، إلا أن القوى المضادة هي أكثر الناس خبرة بضراوة المواجهة التكتيكية والنفسية والإستراتيجية والعسكرية التي واجهناهم بها، أما عن شوقي لـ"فتح" يا أخت لیلی، یا الله! صدقيني إن هدف "فتح" هو أن تخلق الراية التي تنهي التشرذم والفرقة، فإذا كنت تقصدين "فتح" التي تشمل جميع أدوات الثورة، والتي تجسد الوحدة الوطنية بكل أبعادها النضالية، فإنني بغاية الشوق إليها.

س - هل تتوقع محاولات في لبنان لضرب الثورة؟

ج - من الواضح أن لنا تحليلًا وتقييمًا جديدين لأوضاع الساحة العربية كلها، لقد تفهمت السلطة في لبنان تحليلاتنا، وقررت أن تتكيف معها، وأن تحقق هذا العمل الثوري، لن تحدث محاولة ضرب، أما إذا لم تصل السلطة في لبنان إلى القناعة بالعيش مع الثورة والثوار، فستكون هناك مواجهة، أحب فقط أن أؤكد هنا في هذا المجال، أننا في الثورة الفلسطينية لن نتراجع عن موقع حصلنا عليه، إن مواقعنا في مواقع الجماهير، ولذلك فإننا لن نهزم في لبنان؛ لأن الشعب اللبناني وجماهيره هي التي تريدنا ،ن نكون حيث نحن، وستثبت الأيام كيف ستعطي الجماهير في لبنان عطاء ثوريًا كبيرًا، إذا أحسنا إيضاح الصورة للجماهير، وأقنعناها أننا نموت من أجلها.

س - ما رأيك في إحراق السفارة الأردنية ببيروت؟

ج - إن مبادرة التحرك الجماهيري لإعلان قضيتها على تصرفات السلطة في الأردن من خلال التمركز في السفارة في بيروت ظاهرة نحييها، إلا إن إحراق الأشياء والمبنى الذي يدفع شعبنا ثمنها من الضرائب أمر لا يمكن أن ينسجم مع مصلحة الجماهير.

قضية أخرى لا أرضاها، هي إنزال العلم الأردني ورفع العلم الفلسطيني مكانه، إن هذين العلمين يجب أن يرفرفا جنبًا إلى جنب، لتؤكد وحدة أبناء الضفتين بشكل خاص، والأمة العربية بشكل عام.

 س - كيف ترى مستقبل العلاقات الأردنية مع الثورة الفلسطينية؟

ج - إن مستقبل العلاقات مرهون بقدرة السلطة على فهم التاريخ.

إن مدافع معركة فالمي جعلت فیلسوفًا كفوته يقول: "لقد انتهى في أوروبا عصر، وبدأ عصر آخر" وإن ما جرى حتى الآن في الأردن، وما جرى في الخامس من حزيران/ يونيو، يعني انتهاء شيء في الساحة العربية وبداية شيء آخر، إننا نأمل أن يدرك الجميع هذه الحقيقة التاريخية وأن يعلموا أن الأغوار هي باب الأمة العربية للتاريخ، حيئئذ يمكن أن تنظر إلى المستقبل نظرة تفاؤل.

أما إذا أصر الجزار على استمرار حمله للسكين، فسوف نضطر لحل التناقض الذي يصبح تناقضًا عدائيًا بالعنف المسؤول، بدلًا من الحوار المسؤول.

س - ما هي الرجعية برأيك؟

ج - من الملاحظ أننا في حركة "فتح" نتجنب استخدام اصطلاح: (الرجعية)، والسبب هو أن الممارسات غير الناجحة لكثير من القوى المخلصة التي سبقتنا انعكست بتشويه كثير من الاصطلاحات، بحيث أصبح لها مدلولات غير مدلولها اللفظي، مثلًا اصبحت كلمة رجعية لا تطلق فقط على الذين يقفون ضد الشعب وآماله وانفتاحه على التطور التاريخي والتراث التاريخي، أعطت الممارسة الفاشلة للحزب الشيوعي الأردني تلك التي جعلت التناقض الأساسي هو الاتحاد، بحيث أصبحت كلمة رجعية تشمل القطاع الكادح من العمال والفلاحين المتدينين، إن هذه القوى التي تشملها كلمة الرجعية بالممارسة في قطاعات ثورية وأساسية في الثورة، كالقطاع البوذي في الثورة الفييتنامية، ولذلك ترين أننا في "فتح" نقول نحن ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والعملاء والخونة، ومن تلتقي مصالحه مع الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، نقول هذا الاصطلاح الطويل حتى لا نحمل على أكتافنا أخطاء ممارسات من سبقونا، لقد علمتنا التجربة يا أخت ليلى أن الأشياء التي تسقط جماهيريًا نتيجة سوء الممارسة تحتاج إلى وقت طويل، وجهد كبير لإصلاحها، أن نطرح اصطلاحًا جديدًا يعطي المعنى أسهل علينا من محاولة إصلاح ما أفسدته الممارسة الخاطئة.

س - ما هو أصعب قرار اتخذته خلال المؤامرة؟

ج - الأمر بقصف مراكز المدفعية التي قصفت مخيمات النازحين، والأمر بتحطيم أي دبابة تتقدم نحو عمان؛ لأنني أتمنى لهؤلاء الجنود، ولتلك الدبابات أن تتحطم وهي تواجه عدوها الصهيوني؛ لأن الكاسب الأخير هو الصهيونية والاستعمار، ولكن هنالك من يعلمون، ومن تأخذهم العزة بالإثم.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية، 1970، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص476، 477، 478، 479.

المحرر، بيروت، 17/6/1970.