الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول بعض المسائل المتعلقة بالثورة الفلسطينية

حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول بعض المسائل المتعلقة بالثورة الفلسطينية

 (كان السؤال الأول الذي وجهناه للأخ أبو عمار، يتعلق بالمحادثات التي تقوم بها العناصر الانهزامية والمتساقطة، لخلق ما يسمى بالدولة الفلسطينية، بمباركة من العدو الصهيوني، حول هذه النقطة، رد الأخ أبو عمار قائلًا):

لقد ظهرت بعد أحداث الأردن الأخيرة موجة من محاولات إقامة ما يسمى بالدولة الفلسطينية، والحقيقة أن هذه الموجة ليست جديدة، فقد سمعنا بعد حرب حزيران شيئًا مشابها لذلك، كما سمعنا خلال مشروع روجرز شيئًا شبيهًا لذلك أيضًا، والآن تتكرر هذه النغمة من جديد، وقد نما إلى علم الثورة أن هناك عناصر تتحرك الآن في الضفة الغربية وفي الأرض المحتلة، وتعمل بإيحاء من السلطة المحتلة لإقامة ما يسمى بهذا الكيان الهزيل، وبعض هذه التحركات ينطلق من فكرة طرحها يغئال آلون حول الحكم المحلي، وبعضها ينطلق من فكرة طرحها موشيه دايان تدعو لإقامة دولة مجردة من السلاح، ولقد ترددت هذه "النغمة" أيضًا في أوساط الأمم المتحدة بمناسبة الحديث عن الحلول السلمية وعن عودة يارينغ إلى المنطقة.

وسط كل هذه التحركات يهمني أن أعيد تأكيد موقف الثورة الفلسطينية الذي لا يتزعزع حيال هذه القضية، يجب أن يكون معروفًا أن الثورة الفلسطينية ترفض رفضًا قاطعًا أية محاولة لتأسيس ما يسمى بهذه الدولة المسخ، التي يريدون بواسطتها إلهاء الثورة الفلسطينية عن أهدافها، وأن (يسحبوا البساط من تحت أقدامها) بخلق هذا الكيان الهزيل المجرد من أي عامل من عوامل ومقومات الحياة والوجود، لقد حددت الثورة الفلسطينية هدفها، منذ أطلقت الرصاص قبل ست سنوات من الآن، وهي أنها ستظل تقاتل حتى يتم تحرير كامل التراب العربي المحتل، الذي يمتد الآن من القنطرة حتى القنيطرة.

لقد حملنا السلام لتحرر فلسطين، كل شبر في فلسطين، ولن نلقي هذا السلاح إلا بعد أن يحقق الهدف الذي من أجله حملناه، ولست بحاجة للتذكير بأن الثورة قد انطلقت قبل هزيمة حزيران، فهي بالتالي غير معنية بأية حلول تنتج عن هذه الهزيمة، وهي لا تنظر إلى هذه المحاولات إلا على أساس أنها مؤامرة ضد الثورة.

س - ولكن كيف ستواجه الثورة هذه المؤامرة؟

ج - إن الخطوات التي ستتخذها الثورة باسم شعبنا المناضل لمواجهة هذه المؤامرة كثيرة، ولا مجال للحديث عنها الآن، وكل ما أستطيع أن أقوله في هذه المرحلة هو: إن هذه الخطوات هي جزء من إستراتيجيتنا التي نسير عليها، والتي وضعناها منذ أطلقنا الرصاص في الفاتح من كانون الثاني عام ١٩٦٥.

س - لقد تم توحيد قوات الثورة العسكرية، فهل هناك أي برنامج سياسي لتطوير هذه الوحدة؟

ج - لقد سبق أن صدر قرار من اللجنة المركزية يقضي بوضع كافة القوات العسكرية للثورة بمختلف فصائلها تحت قيادة عسكرية واحدة، وقد تم بالفعل تنفيذ ذلك، وبدأت هذه الخطوات تأخذ مكانها في مختلف القطاعات، ويجري الآن العمل بصورة مستمرة لتطوير هذه الوحدة العسكرية وتعزيزها.

أما فيما يتعلق بوضع برنامج سياسي لتتخذ هذه الوحدة أبعادًا ومدى أوسع، فكما سبق وقلت في أكثر من مقابلة، فإن اللجنة المركزية توالي بحث هذه القضية.

وأستطيع أن أقول إن الملامح العامة والأساسية لهذا البرنامج قد تم الاتفاق عليها، ويجري البحث الآن في الخطوات النهائية لهذا البرنامج.

ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن صبغ الوحدة السابقة من خلال منظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية إنما كانت-كما أعلنا دائمًا-خطوات على الطريق، إننا نريد أن نصل إلى الوحدة الكاملة، إننا نريد أن تكون هناك عملية توحيد بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، وليست مجرد عملية تنسيق.

إن اللجنة المركزية توالي اجتماعاتها لتحقيق هذا الهدف الذي تتطلع إليه الثورة والجماهير.

س - تجري الآن محاولات مشبوهة لتمزيق وحدة شعبنا، عن طريق إثارة النعرة الإقليمية بين أردني وفلسطيني، فكيف يمكن إفشال هذه المحاولات؟

ج - تلجأ القوى المضادة للثورة إلى أكثر من أسلوب لتمزيق وحدة شعبنا، ومن هذه الأساليب إثارة النعرات الإقليمية بين أردني وفلسطيني، وبين جنوبي وشمالي، وحضري وبدوي.

ولقد اعتاد شعبنا، طوال السنوات الماضية على هذا الأسلوب، ولكن شعبنا كان دائمًا أعظم وأقوى من كل هذه المحاولات الشريرة، لقد صمد شعبنا أمام المؤامرات، ولقد ظل صامدًا شامخًا بوحدته بدمه الواحد، بآماله الواحدة وبمعركته الواحدة.

هناك حقيقة يجب أن تكون معروفة، وهذه الحقيقة هي أنه لا يمكن أن يصبح الشعب شعبين بمجرد أن تشرشل وضع حبلًا على جسر اللنبي ذات يوم.

إن حبل تشرشل لا يفصل شعبنا ولا يقضي على وحدة دمنا، إن الثورة الفلسطينية تؤمن إيمانا كاملًا ومطلقًا بالوحدة العربية الكبرى، ومن هنا فإن الثورة لا يمكن أن تقبل أو تتأثر أو ترضخ لهذه المحاولات.

إن الثورة الفلسطينية التي هي جزء أصيل وأساسي من الثورة العربية لا يمكن أن تؤثر على مسيرتها المحاولات المبذولة لإثارة النزعات والنعرات الإقليمية الضيقة.

إن شعبنا يرفض ما جاءت به معاهدات سايكس بيكو، وهو مؤمن بوحدته، مصمم على الحفاظ عليها مهما غلت التضحيات ومهما كان الثمن.

لقد كان شعبنا دائمًا شعبًا واحدًا، عاش الناس معًا، وناضلوا معًا، لقد حارب شعبنا أيام الغساسنة كشعب واحد، وحارب في مؤتة كشعب واحد، وفي عين جالوت حارب كشعب واحد، وفي اليرموك وفي حطين كشعب واحد، وفي الكرامة كشعب واحد، وسيظل شعبنا يحارب كشعب واحد، وسيواصل معركة التحرير كشعب واحد، رغم كل مؤامرات الأعداء ورغم كل مؤامرات القوى المشبوهة التي تقف من ورائها الصهيونية والمخابرات المركزية الأمريكية والقوى الاستعمارية الأخرى.

إن أهم شيء لإفشال مؤامرات التجزئة هو أن يزداد إیمان شعبنا كل شعبنا، بالوحدة المصيرية، وبأننا جزء واحد من الأمة العربية، دمنا واحد، وآلامنا واحدة، وأفراحنا واحدة.

بالإضافة إلى ذلك علينا أن نقوم بعمل متواصل بين صفوف الجماهير لتعميق هذه المشاعر، إننا بالمزيد من الخلق الثوري نستطيع أن نصنع التلاحم الحقيقي بين كل جماهير شعبنا.

وهذا التلاحم لا يتحقق بمجرد الأمنيات، أو بالكلام على صفحات الجرائد، إنه يحتاج إلى عمل متواصل وجهد كبير وتخطيط شامل يشترك فيه كل المخلصين من أبناء شعبنا.

إن المخابرات الأمريكية تحاول أن تدفع هذه الموجة إلى بلادنا، ولكنها ستنكسر حتمًا على صخرة وعيني الثوري ووعي جماهيرنا ووعي كل طبقات شعبنا.

فلنعمل بجهد متواصل وكبير، فهذه المؤامرة لا بد أن تفشل؛ لأن شعبنا لا بد أن يظل واحدًا متحدًا، إن وحدة شعبنا هي طريقنا إلى النصر، ولن نفرط بهذا الطريق.

س – منذ انطلقت الثورة تعددت فصائلها، وأعداء الثورة يحاولون عزل حركة "فتح" عن باقي فصائل الثورة؛ لأن هذه القوى وهؤلاء الأعداء يعرفون جيدًا دور حركة "فتح" الطليعي في الثورة الفلسطينية، وأن عزل "فتح" سيسهل بالنتيجة مهمة التصدي للثورة والسعي للقضاء عليها.

ولقد كثرت في الآونة الأخيرة هذه الحملة الحاقدة وكثرت الإشاعات التي تروجها القوى المعادية والتي تهدف كلها إلى عزل حركة "فتح".

ج - أنا أشبه هذه القضية بحكاية إبريق الزيت، إن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" هي بلا شك محور الثورة الفلسطينية، ومن هنا جاءت محاولات أعداء الثورة لعزل المحور، ولست بحاجة لأن أشرح معنى عزل المحور وأثره على استمرار الثورة.

ولقد رافقت هذه المحاولات الثورة منذ انطلقت، فلقد ظلت القوى المشبوهة تحاول أن تضع عبثًا جدارًا بين "فتح"، وبين سائر فصائل الثورة، ومن هنا فإن محاولات اليوم ليست ابنة ساعتها، وإنما هي امتداد للمحاولات التي بدأت منذ ظهرت الثورة الفلسطينية وحملت السلاح.

ويهمني أن أؤكد الآن أن " فتح " وكل فصائل الثورة متيقظة ومتنبهة لكل المحاولات، وهي تعرف بالضبط القوى التي تعمل ذلك وتروج له، ولكل هؤلاء أقول: إن العلاقات فيما بين فصائل الثورة وكل عناصرها أصلب وأقوى من أن تؤثر فيها كل هذه الأقاويل والإشاعات.

إن حركة " فتح " التي كانت أول من حمل السلاح، ستظل محور الثورة وستظل مرتبطة باستمرار مع كل حملة السلاح، مع كل فصائل الثورة.

س - قام الأخ أبو عمار، خلال الأسابيع الماضية، بجولة على عدد من العواصم العربية، فهل حققت هذه الجولة الغايات المرجوة منها؟

ج - إن الجولة لم تتم بعد، فلقد زرت بعض هذه البلاد العربية، وهناك برنامج لزيارة بقية الأقطار العربية، وأنا أعتقد أن الجولة التي قمت بها، والتي شملت الجمهورية العربية المتحدة وسوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب، قد حققت منجزات كبيرة على أكثر من صعيد، وعلى أكثر من مستوى، سواء على المستوى الرسمي، أو الشعبي، أو سواء على الصعيد السياسي أو غيره.

وهناك هدف آخر لهذه الجولة وهو إطلاع جميع إخواننا على مجريات الأمور في هذه المنطقة وعلى النتائج التي ترتبت على أحداث أيلول (الأسود)، ولقد تم خلال هذه الجولة أيضًا بحث جملة مواضيع تتعلق بالثورة الفلسطينية عسكريًا وسياسيًا.

وكل ما أستطيع قوله هنا هو إنني متفائل جدًا بهذه الجولة.

س - وماذا عن المستقبل؟ وما هو تصور القائد العام للثورة لطبيعة المرحلة القادمة؟

ج - لقد كان الهدف الأساسي للمؤامرة التي تعرض لها شعبنا في أيلول الماضي هو تصفية الثورة والقضاء على روح المقاومة الأصيلة في شعبنا، وهذه المحاولات، أعني محاولات تصفية الثورة، لا تزال مع الأسف مستمرة، فما زال هناك من يحاول تنفيذ ما عجزت عنه كل أحداث أيلول بكل بشاعتها.

إن أول شيء يجب أن يعرفه الجميع، ويجب أن يكون واضحًا للكل، هو أن شعبنا أقوى من كل المؤامرات، فلقد خرج شعبنا من المؤامرة وهو أقوى مما كان، لقد اكتسب خبرة واكتسب تجربة غنية جدًا، تجربة جماهرية وتجربة عسكرية وتجربة نضالية وتجربة سياسية أيضًا، وعندما نتطلع إلى المستقبل وإلى المرحلة القادمة لا بد أن نقيم كل ما حدث، ولا بد أن نستفيد من كل الدروس التي مرت بنا، سواء أكان ذلك قبل الأحداث السوداء أو خلالها أو بعدها.

في تصوري، إن مهماتنا للمرحلة القادمة لها ثلاثة جوانب:

القسم الأول يتعلق بطبيعة العمل سياسيًا.

القسم الثاني يتعلق بطبيعة العمل عسكريًا.

القسم الثالث يتعلق بطبيعة العمل تنظيميًا.

وفي خلال كل عملنا لا بد أن نضع في الحساب أن أحداث أيلول قد خلقت جوًا دوليًا وعربيًا وفلسطينيًا جديدًا. كما إن أحداث أيلول قد خلقت تجربة عسكرية جديدة يجب أن نوليها اهتمامًا كبيرًا، إن إستراتيجيتنا العسكرية الجديدة يجب أن تستفيد مما حدث، وما نقوله عن إستراتيجيتنا العسكرية نقوله أيضًا عن علاقاتنا بالجماهير، فإن السلبيات التي ظهرت يجب أن نقضي عليها، في نفس الوقت الذي علينا أن نطور فيه الإيجابيات.

وعندما نتحدث عن الجماهير فإننا نتحدث عنها على أساس أنها أثمن رأس مال للثورة، هذه الجماهير العظيمة التي كانت دائمًا معطاءة، والتي منحت ثورتنا كل ثقتها ودعمها وتأييدها، قدمت لها المال والرجال، قدمت لها الدم بلا أدنى تردد، وعندما نتحدث عن المستقبل ومعالمه وعندما نعرف أن جماهيرنا لا تقهر، لا نستطيع إلا أن ننظر بتفاؤل عظيم لمستقبل ثورتنا.

إن الجماهير تلقننا باستمرار دروسًا في العطاء وفي الصمود وفي البسالة، وتؤكد لنا مع كل صباح أن ليس هناك قوة قادرة على تكبيلها أو الحد من انطلاقتها الثورية، لقد مرت حتى الآن أربع سنوات على الاحتلال الإسرائيلي لبقية فلسطين، ومرت أكثر من ٢٢ عامًا على وقوع جزء كبير من شعبنا تحت نير الاحتلال، ورغم مرور هذه السنوات الطويلة فإن شعبنا لا يزال شامخًا يتحدى بإصرار وصلابة كل جبروت العدو وإرهابه، وما زال يناضل ويقاوم ويثور، حتى خلال أحداث أيلول، لم تتوقف عمليات جماهيرنا.

وخلال العيد، فقد احتفلت به جماهيرنا على طريقتها الخاصة، فقد غطت عملياتها أجزاء كبيرة من فلسطين، إن هذه الجماهير لها طبيعة معينة، فهي لا بد أن تكتب تاريخها وتكتب مستقبلها وتكتب انتصارها، عبر الدم وعبر التضحيات وعبر الوعي الثوري الصحيح، إن إيماننا بالجماهير يجب أن يتزايد، فهذه الجماهير تصنع كل يوم ملحمة من ملاحم البطولة، إنها تصنعها هنا في عمان، وتصنعها في كل يوم في الأرض المحتلة، إن الجماهير التي خرجت في غزة تودع شهيدها، وهي تحمل السلاح في قلب مدينة غزة وفي وضح النهار، أمام كل الطغيان الإسرائيلي، إن جماهير من هذا النوع لا يمكن أن يرهبها شيء، لا يمكن أن تنحني، ولا يمكن إلا أن تصنع النصر، من خلال إيماننا هذا بالجماهير، ومن خلال ثقتنا بقدرة الجماهير غير المحدودة، نتطلع إلى المرحلة القادمة، وهي مرحلة دقيقة وهامة وخطيرة، إنني اسميها مرحلة عنق الزجاجة، وفي هذه المرحلة فإن الثورة مطالبة بأن ترفع من كفاءاتها في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والتنظيمية، وفي نفس الوقت فإن الجماهير مطالبة بأعلى درجات الوعي والانضباط الثوري، أما بالنسبة للعمل العسكري في المرحلة القادمة، فأنا أفضل ألا أتحدث عنه، والفضل أن يتكلم هو عن نفسه، وأن تسمع الناس به على ألا تسمعه يتحدث.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص1024، 1025، 1026.