خطاب السيد الرئيس أمام المجلس التشريعي بمناسبة افتتاحه الدورة العاشرة
خطاب السيد الرئيس أمام المجلس التشريعي بمناسبة افتتاحه الدورة العاشرة
رام الله 8-3-2005
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة
والسلام على سيدنا محمد والتابعين
السيد رئيس المجلس التشريعي المحترم،
الأخوات والإخوة أعضاء المجلس التشريعي الموقر،
حضرات الضيوف الكرام،
نفتتح اليوم الدورة الجديدة للمجلس التشريعي، وقد احتفلنا بالأمس بيوم الديمقراطية في بلادنا، وهو اليوم الذي شهد عقد أول جلسة لمجلسكم الموقر في العام 1996م، الأمر الذي يتيح لنا القول بكل الفخر والاعتزاز: أننا نعيش هذا العام عام الديمقراطية في فلسطين.
وأود هنا ونحن نحتفل اليوم بيوم المرأة العالمي أن أتقدم بالتهنئة والتقدير للمرأة الفلسطينية في كل مكان، وهي تواصل القيام بدورها البارز في مسيرتنا الوطنية والتنموية.
لقد أثبتت الشهور الأربعة الماضية، والتي تلت رحيل الرئيس الخالد ياسر عرفات، أن الشعب يكون قوياً عندما تكون للقوانين قوة، حيث تصدت جماهير شعبنا ومؤسساتنا، وأنتم في مقدمتها، للمهمة التاريخية، وللأعباء الجسام التي خلقها ذلك الغياب الأليم، فخلال هذه الشهور تمت عملية انتقال سلسة وهادئة ونموذجية للسلطة، وجاءت كتعبير حي عن الوفاء لشهدائنا وجرحانا وأسرانا.
وانطلقت على إثرها ورشة عمل ديمقراطية شاملة، ستؤدي في ختامها إن شاء الله إلى تجديد نظامنا السياسي، بما يليق بهذا الشعب العظيم، وتطلعاته السامية. وبتقدير وإعجاب راقب العالم أجمع جماهير شعبنا وهي تتوجه إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية لتؤكد تأييدها للخيار الديمقراطي، والتعددية، ومبدأ تداول السلطة، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. وجاءت الانتخابات البلدية لتؤكد كذلك تكريس قاعدة الاحتكام لصناديق الاقتراع، ولتعمق الممارسة الديمقراطية في بلادنا.
إن ما قام به مجلسكم الموقر خلال السنوات التسع الماضية من دور تشريعي ورقابي رسخ قواعد متينة للتجربة الديمقراطية الفلسطينية. وإن مداولات مجلسكم ولجانه أسست وأرست ونشرت الوعي بالتقاليد الديمقراطية في أوساط شعبنا، وإن ما شرعتم من قوانين شكل ويشكل البنية التحتية لنهوض وعمل مؤسساتنا.
واليوم، ونحن نفتتح هذه الدورة وهي الدورة الأخيرة لمجلسكم قبل إجراء الانتخابات التشريعية في تموز المقبل، أحسب أن شعبنا ينتظر الكثير منكم، خاصة في مجال سن وإقرار القوانين اللازمة لتدعيم المسار الديمقراطي، وفي مقدمتها قانون الانتخابات، الذي نأمل أن يشكل إضافة جوهرية لتجربتنا، وفي هذا المجال فإنني آمل أن يأخذ مجلسكم الموقر بعين الاعتبار ضرورة العمل على ضمان تمثيل مناسب للمرأة، كي يتاح للمرأة الفلسطينية أن تقوم بدور في حياتنا السياسية، يرتفع إلى مستوى إنجازاتها ونضالاتها في مسيرة العمل الوطني، ويوفر الفرصة لاستفادة المجتمع من قدراتها وكفاءاتها، وكذلك أن يؤخذ بعين الاعتبار ضمان تمثيل أوسع شريحة من شرائح المجتمع الفلسطيني السياسي.
السيد الرئيس،
الأخوات والإخوة أعضاء المجلس الموقر،
أيتها السيدات والسادة،
منذ أن أقسمنا اليمين الدستورية أمامكم في الخامس عشر من كانون الثاني الماضي، ونحن نعمل وبالتعاون الوثيق مع الحكومة ومعكم من أجل تنفيذ برنامجنا الذي نلنا ثقة وتفويض الشعب على أساسه.
ولمّا كان عنواننا الرئيس هو سيادة القانون، وضمان الأمن للمواطن، فقد تحركنا على عدّة مسارات، أردنا الوصول من خلالها إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، والانتقال بوضعنا من دائرة الاستهداف والاتهام إلى موقع المبادرة والمبادأة والهجوم السياسي والدبلوماسي. وقد بادرنا على الفور إلى إجراء حوار مع مختلف الفصائل والقوى بهدف التوصل إلى اتفاق وتوافق وطني، يؤدي إلى "تهدئة" تسمح لنا بنزع الذرائع والمبررات لاستمرار العدوان على شعبنا، وتوفر لجماهيرنا فسحة لالتقاط الأنفاس لتضميد جراحها ولإعادة إعمار ما دُمّر خلال السنوات الماضية.
وبفضل روح المسؤولية العالية لدى مختلف القوى والفصائل، وبفضل التوافق على قاعدة احترام السلطة الواحدة، وسيادة القانون، وإنهاء الفوضى الأمنية، تمكنا من بلورة موقف وطني فلسطيني، سمح لنا بالانتقال إلى موقع المبادرة، وفتح آفاق العمل السياسي لتحقيق أهدافنا العادلة. وهنا لابد من الإشارة إلى لقاء القاهرة في الخامس عشر من هذا الشهر لتعزيز الوحدة الوطنية. وقد أثبتنا التزامنا وجديتنا باحترام تعهداتنا التي تكرّست في تفاهمات "شرم الشيخ" رغم استمرار الاحتلال وقلة الإمكانات. إلا أن التلكؤ الإسرائيلي غير المبرر في تنفيذ التزاماته ما زال مستمراً على صعيد إطلاق سراح الأسرى، وإعادة المبعدين، وضمان أمن المطاردين، وإخلاء مختلف المناطق في الضفة وصولاً إلى العودة إلى أوضاع ما قبل الثامن والعشرين من أيلول 2000م.
كذلك أكدنا لكل من اجتمعنا به قرارنا بمواصلة التحرك وبذل الجهد مع كافة الأطراف الدولية والإقليمية، لدفع إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، وبقية الاستحقاقات التي نصت عليها خارطة الطريق، وأهمها وقف النشاطات الاستيطانية التي يشكل جدار الفصل العنصري الآن أبرزها، وكذلك إعادة فتح المؤسسات الفلسطينية المغلقة في القدس المحتلة.
إن التلكؤ الإسرائيلي في تنفيذ الاستحقاقات يشكل تهديداً لما نجحنا في تحقيقه، ويعطي المبررات للمتربصين بعملية السلام برمتها.
وشدّدنا باستمرار على أن الجهد الأمني المنتظر منا يظل قاصراً وعاجزاً، دون مسار سياسي يطلق المفاوضات لتنفيذ استحقاقات خارطة الطريق، وللبدء بمناقشة قضايا الوضع النهائي وصولاً إلى الحل الذي رسمته قرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، ورؤية الرئيس بوش، بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف، فوق الأراضي التي احتلت العام 67، إلى جانب دولة إسرائيل، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية.
مع تأكيدنا هنا لرفضنا لفكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة. وينبغي لنا أن نلحظ باهتمام أن أداء مؤسساتنا خلال الشهور الماضية قد نقلنا إلى موقع المبادرة، لكسب التأييد، وربما شكل "مؤتمر لندن" علامة فارقة في هذا الاتجاه، فقد اتخذ انعقاده وهدفه، وحتى اسمه، ونتائجه مساراً نوعياً مختلفاً، حيث أشار إلى مرحلة جديدة من التفهم الدولي للموقف الفلسطيني، ومن التبني والدعم لمشاريع وخطط وبرامج السلطة في مختلف مجالات العمل الداخلي، مع تأكيده على المرجعيات المعتمدة لعملية السلام الشامل.
السيد رئيس المجلس،
الأخوات والإخوة أعضاء المجلس الموقر،
السيدات والسادة الحضور،
نستمع كثيراً هذه الأيام للجدل الإسرائيلي الداخلي حول خطة إخلاء قطاع غزة، وهنا فإننا نجدد موقفنا الذي يلقى تفهماً ودعماً دولياً كاملاً، بالتأكيد على جاهزية السلطة لتسلم كافة مسؤولياتها في المناطق التي يجلو عنها الاحتلال الإسرائيلي، و بالإصرار في الوقت نفسه على أن هذا الإنسحاب الذي يجب أن يكون شاملاً في قطاع غزة، ينبغي ألا يمس بأي شكل من الأشكال بالوحدة السياسية والقانونية بين جناحي الوطن في الضفة وقطاع غزة، كما ينبغي أن يكون خطوة مرتبطة عضوياً بمسار الحل الذي يقود إلى إنهاء الاحتلال لجميع الأراضي التي احتلت العام 1967، ومترافقاً بانسحابات إسرائيلية متزامنة في الضفة، ونشدد على رفضنا المطلق لمحاولات إسرائيل تكثيف نشاطها الاستيطاني في الضفة الغربية، تحت ستار الجدل الداخلي حول انسحابها من قطاع غزة. السيد الرئيس،
السيدات والسادة،
خلال الشهرين الماضيين، ومنذ تسلُّمنا لمسؤولياتنا، عملنا على تنفيذ ما طرحناه ونال ثقة الشعب من برامج تؤكد سيادة القانون، والإصلاح، وتوفير الأمن والأمان للمواطن.
وكان توحيد الأجهزة الأمنية وقيامها بممارسة مهامها ومتابعة أدائها، والسعي لضبط الفوضى الأمنية، ووقف التعديات على الأراضي العامة والخاصة، ومواصلة إجراءات الإصلاح الإداري جزءاً من خطة متصلة، نأمل بمواصلة تنفيذها بالتعاون الوثيق مع الحكومة الجديدة برئاسة أخي أبو علاء، التي منحتموها ثقتكم، والتي نتمنى لها كل النجاح والتوفيق في تنفيذ برامجها وأهدافها بالتعاون مع مجلسكم الكريم.
لقد حققنا نجاحات لا بأس بها في هذا المجال، وسنواصل الإيفاء بما التزمنا به مهما كانت العقبات والشوائب وبعض الأحداث التي حاولت تشويه الصورة بقصد أو بدون قصد.
إن الشهور القليلة القادمة التي تسبق إجراء انتخابات المجلس التشريعي تحمل معها مسؤوليات علينا جميعا التصدي لها وأبرزها:
أولا: مواصلة الجهد لتأكيد سيادة القانون، وإنهاء حالة الفوضى الأمنية، وضمان أمن المواطن في ظل سلطة واحدة وسلاح شرعي واحد، وترسيخ توحيد الأجهزة الأمنية، مع تكثيف برامج تأهيلها وزيادة فاعليتها، وإقرار القوانين الخاصة بعملها وصلاحيتها من قبل المجلس التشريعي.
ثانيا: تعزيز الحوار الوطني الداخلي لصياغة توافق وطني، يتأسس على ما أنجزناه في الأسابيع الماضية، ويشكل مدخلاً لمشاركة جميع القوى والفصائل في الحياة السياسية بمختلف أشكالها وأطرها، ويرتبط بهذا مواصلة الإعداد ومن جميع الجوانب لاستحقاق الانتخابات التشريعية المقبلة في موعدها، وكذلك لاستحقاق انتخابات المجالس المحلية. ومتابعة جهودنا لإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
ثالثا: تنفيذ برامج محددة في الشهور المقبلة لمواصلة تطبيق خطط الإصلاح الإداري والمالي، ورفع كفاءة الجهاز الحكومي.
رابعا: تنفيذ برامج محددة تستهدف خلق فرص عمل جديدة، واستخدام أمثل لمواردنا وللمساعدات العربية والدولية من أجل التخفيف من حدة وتفاقم الوضع الاقتصادي، ولإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي من مرافق ومساكن ومنشآت زراعية واقتصادية، والسعي لتوفير أوسع مظلة ممكنة من الرعاية الاجتماعية لأسر الشهداء والأسرى وللمواطنين الأكثر تضررا بالأزمة الاقتصادية، وكذلك خلق فرص عمل للجيل الشاب.
وأخيرا، فإنني إذ أعبر مرة أخرى عن تقدير شعبنا للدور التاريخي لمجلسكم في مسيرة الديمقراطية في فلسطين، أتمنى لكم التوفيق في هذه الدورة الجديدة، لمواصلة عملكم الخلاق المبدع في إرساء لَبِنات ودعائم دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
تحية لأرواح شهدائنا الأبرار ولجرحانا ولأسرانا، ولأخواتنا زوجات وأبناء الشهداء والمعتقلين والجرحى في هذا اليوم، خصوصاً أولئك البواسل القابعين خلف القضبان في سجون الاحتلال. تحيةً إلى أهلنا في مخيمات اللجوء والشتات وجميع أماكن تواجدهم.
بسم الله الرحمن الرحيم " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".. صدق الله العظيم..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.