الرئيسية » خطابات الرئيس محمود عباس »

خطاب السيد الرئيس في ندوة التضامن مع الشعب الفلسطيني في تونس

 

خطاب السيد الرئيس في ندوة التضامن مع الشعب الفلسطيني في تونس

29/11/2007

بسم الله الرحمن الرحيم

دولة الوزير الأول محمد الغنوشي،

الأخ الهادي مهني، الأمين العام للتجمع الدستوري الديمقراطي،

الإخوة مناضلي ومناضلات التجمع الدستوري الديمقراطي، تجمع الرئيس زين العابدين بن علي، المؤتمن على التغيير والتعمير

الإخوة مناضلي وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية،

السيدات والسادة،

تخفق قلوبنا بالحب لتونس الخضراء، ولشعبها العربي الأصيل ولقيادتها الحكيمة، وعلى رأسها أخي زين العابدين بن علي.

إن تونس في ماضينا وحاضرنا، حقيقة مشرقة، فلقد طرحت وعلى نحو مبكر وبشجاعة مواقف عملية بشأن القضية الفلسطينية، وأنقذت بكرم وإيثار قضيتنا وحركتنا الوطنية، حين استقبلت الثورة الفلسطينية وقائدها الراحل ياسر عرفات، مانحة إيّانا مساحة حركةٍ حرة مكنّت شعبنا وقيادتنا من مواصلة المسير نحو أهدافنا الوطنية.

فمن تونس كانت أولى خطوات العودة إلى الوطن، ومعها-بإذن الله-ندشن قيام دولتنا الفلسطينية المستقلة، فلتونس ولشعبها ورئيسها كل المحبة والعرفان.

أيها الحضور الكريم،

كم هو جميل ومؤثر أن تكون تونس المحطة الأولى بعد مؤتمر أنابوليس التاريخي، والأمر ليس مصادفة بل إنه في السياق المنطقي، لأن ما هو أهم من أنابوليس "ما سيليه"، ومنذ اليوم، نحن في وضعٍ جديد، وستكون تونس التجربة والدرس والصدق في التعامل معنا، في كل المراحل القادمة بإذن الله.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة الأعزاء،

منذ عودتنا إلى أرض الوطن، ونحن نواجه التحدي تلو التحدي، وما أن تنفتح نافذة من الأمل، حتى تفتح مقابلها نوافذ على المجهول، وبفعل إصرارنا على الحياة، وتصميمنا على التقدم نحو الهدف، تحملنا الكثير، وها نحن بحمد الله نعود إلى الصورة من جديد وإلى أولويات الاهتمام الدولي بعد أن تراجعت قضيتنا خلال سنوات قليلة مضت.

ومن هنا من تونس (توأم فلسطين وحاضنة آلامها وآمالها)، أقول لشعبنا الصابر الصامد المرابط في فلسطين، في الضفة، وفي غزة، وفي القدس، وفي المخيمات والقرى والمدن، وفي السجون والمعتقلات، وفي الوطن والمنافي:

إننا نبدأ معركة سياسية تفاوضية في غاية الجدية والصعوبة، والتعقيد، هدفها إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة فوق ترابنا الوطني وعاصمتها القدس الشرقية، وجنبًا إلى جنب مع الجهود المبذولة للتفاوض حول جميع قضايا الوضع الدائم: القدس، واللاجئين، والاستيطان، والحدود، والأمن، والمياه، حيث يتعين إنجازها خلال العام القادم، وأعني بالإنجاز التوصل إلى حلولٍ قابلةٍ للتطبيق الفوري.

كما كانت جبهتنا الداخلية مصدر القوة الرئيس لمفاوضاتنا وتحركاتنا السياسية ستظل بفعل الوعي الشعبي، والأصالة الوطنية، الأرض القوية التي نقف عليها في كل المراحل القادمة.

وإلى أن تتحقق أهدافنا الوطنية جميعًا، سندعم ونقوي بكل الإمكانات، صمود شعبنا على أرض وطنه، وتوفير مستلزمات هذا الصمود من كل النواحي، نسهر على أمن المواطن ومصالحه، نسهر من أجل توفير حياة حرة كريمة لكل الفلسطينيين، كي تكون دولتنا العتيدة دولة ديمقراطية حرة عصرية، يسودها القانون، وتحميها العدالة والمساواة.

إن إيماننا بالوحدة الوطنية، كأرض صلبة نقف عليها لن يتزعزع، وسنواصل عملنا المسؤول لحماية هذه الوحدة، وتخليصها من كل الشوائب العالقة بها.

إن كل حركة لنا في هذا الاتجاه، ستعتمد على الحوار والالتزام الجماعي بسيادة القانون، وأؤكد هنا أن الحوار وبناء البيت الداخلي يتطلب أول ما يتطلب تراجع الانقلابيين عن انقلابهم، والعودة إلى الشرعية.

وهنا اسمحوا لي أيها الإخوة، أن أشير إلى نقطة بالغة الأهمية، تتعلق بأهلنا وأحبائنا داخل الخط الأخضر وعن مصيرهم في الحل القادم.

إن أهلنا في الـ48 يتمتعون بشرف البقاء المتجذر على أرض وطنهم، ولهم شخصيتهم المميزة، وقياداتهم الشجاعة والمبدعة.

 

 إننا ندعم صمودهم وبقاءهم على أرض وطنهم، إننا معهم، مع تطلعاتهم وأمانيهم، ومع كل حقوقهم الطبيعية والمكتسبة، ولن نسمح لأي جهة أو معادلة أن تسلبهم أي قدر من هذه الحقوق، بل واجبهم علينا دعمهم الكامل في كل ما يتطلعون إليه وما يكفل حقوقهم، وأكرر هنا مرة أخرى الطبيعية والمكتسبة، فكما يواصلون دعمهم لنا من أجل إقامة دولتنا المستقلة على الأراضي التي احتلت في العام 1967، سنواصل دعمنا لهم في نضالهم المجيد للبقاء على أرض وطنهم، وتحقيق أمالهم بالعدالة والتقدم والمساواة.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

إن قضيتنا الفلسطينية فرضت حضورها وحيويتها ليس فقط بفعل نضالات شعبها وأمتها العربية والإسلامية، وإنما كذلك بفعل حجم التضامن العالمي المتجدد والمتنامي، مع نضالها المشروع لنيل حقوقها الثابتة غير القابلة للتصرف، وما هذا اليوم العالمي إلا شاهد حي على ما أقول، أؤكد لكم أيها الأشقاء الأعزاء أن استمرار دعمكم لنا، هو في واقع الأمر واحدة من الروافع القوية لكفاحنا وتحصيل حقوقنا.

وإذا كنا نلتقي اليوم في تونس، مع هذا الحشد الهام، فإننا بالأمس كنا في أنابوليس، حيث العالم كله ممثلًا بالدول والمؤسسات، جدد التزامه بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفع مستوى مشاركته في الجهود الحثيثة التي ستبذل لتجسيد هذه الحقوق فعلًا، على أرض الوطن وفي ظلال الدولة القادمة بإذن الله.

 

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

إننا نراجع بكل أمانه وموضوعية، الأسباب الكامنة وراء انهيار عملية السلام أو تجمدها لسنوات طويلة، ونراجع كذلك الأحداث التي رافقت وتلت هذا الانهيار لنرى، أن نزيف الدم لم يتوقف، ومساحات الدمار اتسعت على نحو غير مسبوق، ومعاناة الشعب الفلسطيني تضاعفت وتعمّقت، وبلغت مستوىً مخيفًا من الألم والتعقيد .

لم يكن الفلسطينيون وحدهم من عانى جراء هذا الانهيار، بل كذلك وبقدر متفاوت كل شعوب المنطقة، وحتى المصالح الإقليمية والدولية، ولقد خلصنا إلى أن الدرس الأهم من كل ما حدث، أنه في غياب التقدم على المسار السياسي، لا أمل في التقدم على أي مسار آخر، سواء الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

لم يكن انهيار عملية السلام فيما مضى، مجرد توقف لمفاوضات، أو إغلاقٍ، وإنما إعادة للأمور إلى ما دون الصفر، أي إلى ذروة الخطر، إذن لا بد من الذهاب الفوري نحو مفاوضات جدية يلمس تقدمها المواطن على كل الأصعدة فالشعب دائمًا هو الحَكم، وهو من يلتقط الإيجابيات ويحميها ويلتقط السلبيات ويحمّل قيادته مسؤولية معالجتها.

وهنا أقول لأؤكد وبكل مسؤولية وموضوعية: إن الفرصة الجديدة التي سنحت عبر إطلاق المفاوضات في أنابوليس يجب أن تستغل بإخلاص وجدية، لا أن تتبدد بالشكوك والمخاوف، فالسلام بين الشعوب يقوم على أساس الاتفاقيات والحقوق والوعي الناضج للمصالح المتبادلة، ومن خلال التجربة فإن الإسرائيليين لا يشعرون بالراحة، بينما الفلسطينيون على الجانب الآخر يشعرون بالقهر، والحرمان، وغياب الحرية والعدالة.

إن وقائع العقود الماضية أثبتت ذلك، ومنطق الحياة، والشراكة في المكان الضيق تحتم منح الفرصة الجديدة كل مقومات النجاح.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

ليتواصل تفاعلنا الإيجابي الخلاق في هذا الزمن، حيث العالم يضيق ويتقارب، ولتتواصل جهودنا المشتركة، وفعالياتنا المؤثرة، إذ إن الأمر لم يعد مجرد تضامن يشهر في المناسبات، إنّه مكوّن أساسي من مكونات معادلة القوى والحلول، لنواصل الحلم من أجل مستقبل آمن لكل الشعوب والأجيال، لنواصل التطلع إلى الأمام كي لا يشدنا التطلع إلى الوراء نحو متاهات اليأس وفقدان الثقة.

ومن تونس التي نحب، أوجه حديثي مرة أخرى وعلى نحو خاص لشعبنا الفلسطيني المرابط على أرض الوطن، والمنتظر في الشتات.

إنك أيها الشعب لم تقصر يومًا في العطاء والتضحية، وتجنبت، بل تجاوزت كل محاولات الشطب من الحياة والسياسة، وأنت أيها الشعب الذي رغم إمكاناته المحدودة، قام بعمل غير محدود من الصمود والثبات وتحمل المسؤولية، إنك تستحق الحياة، وتستحق المستقبل، وتستحق النصر.

إنني أدرك أن شكوكًا ترواد أذهان البعض، ناتجة عن فترة طويلة لم تنفذ الالتزامات فيها، في المواعيد المحددة، وإنني أقول لكم إن ما حدث في أنابوليس هو إعلان انطلاق المفاوضات على مرجعيات وأسس واضحة، ألا وهي مبدأ الأرض مقابل السلام، ورؤية الرئيس بوش، وخطة خارطة الطريق، والمبادرة العربية، في ظل رعاية دولية واسعة، وإن ذلك يتطلب منا ومن أشقائنا ومن الأسرة الدولية عملًا جادًا دؤوبًا، من أجل أن نحوَل ما بدأناه في أنابوليس إلى الهدف الذي ننشده.

إن زمن المزايدات الكلامية، يجب أن يولي إلى غير رجعة، وزمن أخذ الحقوق الفلسطينية رهينة في أيدي أصحاب الأجندات الخاصة والصفقات المريبة، يجب أن يولي كذلك، فهذا الزمن هو زمن الحقيقة لا الوهم، والحقيقة الناصعة، التي سطعت في سمائنا، وفي عقولنا، وأمام بصرنا، تقول: إن العالم كله أقرّ لنا دولة حقيقية، قابلة للحياة وللنمو والتطور، دولة عاصمتها القدس، دولة نحن جديرون بها، يبنيها شعبها لتولد منتمية منذ لحظاتها الأولى إلى القرن الحادي والعشرين، مجسدة أمل أمتها العربية بها، ومضيفة إلى دول العالم دولة نوعية طال المخاض قبل ولادتها، ولا مناص من أن تكون دولة حديثة ليس بمنطق الوقت، وإنما بمنطق العصر، وما توصل إليه من إبداع قيمي، وحضاري، وتنموي.

إن أملًا يملأ قلبي من خلال هذه الفرصة الجديدة، وثقة تتعزز في داخلي من خلال وعي صافٍ للمشهد العربي الواحد الموحّد، الذي رأيناه بالأمس القريب في أنابوليس، وسنظل نراه-بإذن الله-في كل المراحل القادمة، وفي كل قضايا الأمة.

في هذا اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أتوجه بتحية إعزاز وإكبار لمعتقلينا الذين لن يغمض لنا جفن قبل أن نخرج-بعون الله-آخر سجين منهم، إلى أرواح شهدائنا الأبرار، وذويهم الصابرين المحتسبين، الفخورين بذروة العطاء للوطن، وعلى رأسهم رمز نضالنا الرئيس الشهيد ياسر عرفات.

إلى أمتنا العربية والإسلامية، ولكل شعب في هذا العالم وقف معنا، وما يزال ووقفات أخي الرئيس زين العرب زين العابدين بن علي، لها كل المحبة والعرفان والوفاء، وأنتم يا أهلنا، لن نملّ من الثناء على وقفاتكم الأصيلة معنا في كل المحن والمنعطفات، وما أكثرها! إن هذه الوقفات نابعة من أصالة تونسية، عربية إسلامية عريقة.

لكم كل الحب والوفاء، ولتونس الخضراء وشعبها الأصيل كل أمنيات التقدم والازدهار، وأشكركم على استقبالكم ونتطلع إلى استقبالكم في عاصمتنا القدس.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.