كلمة السيد الرئيس إلى الشعب في الوطن والشتات بمناسبة هزيمة حزيران في رام الله
كلمة السيد الرئيس إلى الشعب في الوطن والشتات بمناسبة هزيمة حزيران في رام الله
5/6/2007
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"
صدق الله العظيم
أخواتي إخوتي، أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان،
عامٌ جديد، ندخله، بعد اكتمال أربعة عقود على حرب حزيران، تلك الحرب التي احتُل فيها ما تبقى من الأرض الفلسطينية، بالإضافة إلى أجزاء أخرى هامة من الأراضي المصرية والسورية..
ومنذ ذلك التاريخ الأسود، وشعبنا وأمتنا يدفعان ثمناً باهظاً لهزيمة كبرى، أحدثت تحولاً جوهرياً في واقع المنطقة، وأضافت جملة تعقيدات إضافية على الصراع العربي- الإسرائيلي الذي كان وما يزال جوهره القضية الفلسطينية، وحقوق شعبها..
وإذا كانت هزيمة حزيران، قد أوجدت أبعاداً ومعطيات جديدة للنكبة التي بدأت في العام 1948، إلا أنها في ذات الوقت ألقت على كاهل الشعب الفلسطيني بصفة خاصة، مهاماً نضالية كبرى، استطاع التصدي لها، وحمَل أعباءها بكل شجاعة وصبر، فردَّ على الهزيمة الكبرى، بتطوير أداءِ وفاعلية ثورته الوطنية، وتجاوَزَ آثارها التي أريد لها أن تكون تصفية نهائية لقضيته، وذلك بإشهار هويته الوطنية مقترنة بكفاح دؤوب من أجل استعادة حقوقه الوطنية المشروعة، فكان التحول التاريخي في مسار القضية، وأعني به تكريسها وبقوة، كقضية سياسية من الدرجة الأولى، قضية وجود شعب، قضية حاضر ومستقبل، بعد أن كادت تتحول إلى مجرد قضية إنسانية تُعالَج بالإغاثة والتشغيل والاحتواء والاستيعاب..
لقد كان ثمن تجاوز هزيمة حزيران باهظاً للغاية، إذ قدم شعبنا وأمتنا العربية آلاف الشهداء والجرحى وآلاف المعتقلين والمشردين، ولم تكن هذه التضحيات لتذهب سدى، بل راكمت لهذا الشعب رصيداً من الإنجاز ساعدنا على التقدم حثيثاً نحو بلوغ حقوقنا الوطنية غير القابلة للتصرف (حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف) وفي هذا السياق، وفر العطاءُ الشعبي، عبر الثورة الفلسطينية المجيدة، مضموناً قوياً لمنظمة التحرير الفلسطينية، كإطار وحدوي جامع يجسد العنوان الأوحد لحركتنا الوطنية، والعنوان الأكثر مصداقية لكافة القوى الوطنية الفلسطينية، الملتزمة بهدف الحرية والاستقلال.
أيتها الأخوات والإخوة،
الوقت غير مناسب للاستفاضة في تحليل نتائج وآثار نكسة حزيران في حياتنا على مدى العقود الأربعة الماضية، فعلينا أولاً وأخيراً أن نستفيد من دروسها، وأخذ العبر منها.
لقد أثبتنا عبر نضالنا بأننا لن نرفع الراية البيضاء رغم الصعوبات والتحديات والنكسات، فقد عمًق شعبُنا نهجاً كفاحياً مدروساً، بعيداً عن الانفعال والارتجال، وتقدمنا نحو أهدافنا عبر سياسةٍ عقلانيةٍ مسؤولة، تستند إلى حسابات صحيحة، توصِلُنا إلى حقوقنا، وتستقطب دعماً متنامياً لهذه الحقوق..
ولو أمعنّا النظر في برامج منظمة التحرير الفلسطينية التي وضعت وطورت بعد نكسة حزيران، والتي عملنا بهديها عقوداً متصلة من الزمن، فسنجدها الأكثر واقعيةً وتوازناً، وعلى قدر كبير من الفاعلية والتأثير، أدى إلى فتح أبواب العالم كله أمام عدالة قضيتنا، وحتمية حصول شعبنا على دولة مستقلة ذات سيادة، ولم يكن ذلك بفعل صحوة أخلاقية مفاجئة، وإنما لإدراك الجميع بأن الاستقرار الإقليمي والدولي يتطلب ولادة الدولة الفلسطينية المستقلة كمدخل لحل كل الصراعات في منطقتنا.
نعم، ونقولها بكل ثقة، لقد تجاوزنا الهزيمة بالثورة وها نحن رغم كل الصعوبات، نحث الخطى نحو الدولة كهدف أضحى قريباً، ولعل الصعوبات الكبرى التي نواجهها في هذه الحقبة الزمنية التي نعيشها، هي آلامُ مخاضٍ حتمي لا بد (وبعونه تعالى) من أن ينتهي لمصلحة قيام دولتنا العتيدة.
أيتها الأخوات أيها الإخوة،
كما عودتكم في كل لقاءاتي معكم، وأحاديثي إليكم، أن أُواصل وضوحي وصراحتي في ملامسة الأمور، والتفكير معاً في إيجاد الحلول الممكنة لها، فإني وبهذه المناسبة سأعاود الحديث من القلب إلى القلب، وأبدأ بهمومنا اليومية، فنحن نتابع ما يجري في مخيم نهر البارد في لبنان، وكذلك مخيم عين الحلوة، حيث تقوم بعض المجموعات المتطرفة التي لا علاقة لها بالنضال الفلسطيني، باستغلال المخيمات للقيام باعتداءات ضد الجيش اللبناني، مهددة حياة المواطنين الفلسطينيين الأبرياء في هذه المخيمات بالخطر..
إننا إذ نعبر اليوم عن بالغ قلقنا على حياة أهلنا في لبنان، الذين طالما قدموا التضحيات من أجل قضيتهم، فإننا واثقون من حرص الحكومة اللبنانية على حياتهم ومصالحهم، مؤكدين في نفس الوقت على إدانتنا لهذه المجموعة المسلحة..
وعلى صعيد وضعنا الداخلي، فإن ما يقلق الجميع هو ما اصطلح على تسميته بالفلتان الأمني، أو بتعبير أكثر تحديداً، وقوفنا جميعاً على حافة حرب أهلية، أولُ وأخطر مقدماتها، هو الاقتتال الكلامي غير المسؤول، والذي أدى إلى اقتتال دموي راح ضحيته العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى ناهيك عن تدهور مكانة قضيتنا في العالم، وتشويه صورتنا التي كانت طيلة مراحل كفاحنا الوطني ناصعة مشرقة ومشرفة. من البداية، عملت والعديد من إخواني، على وقف هذه الظاهرة وإلغائِها من الواقع الفلسطيني تماماً، ولقد أشرفت مباشرة على مئات بل آلاف ساعات الحوار لإنضاج تفاهم وطني يكون من الصفاء والوضوح عاملاً جوهرياً لإبعاد شبح الاقتتال إلى غير رجعة، ذهبت إلى الدوحة ودمشق، ومكة، والقاهرة بالإضافة إلى الحوار في رام الله وغزة، كنت مدركاً أن ما يوازي خطر الاحتلال ويزيد عليه، هو خطر الاقتتال، وبالفعل نجحنا في المرة الأولى، لنفاجأ باندلاع الاقتتال من جديد، وقد اتسمت الحلقة الثانية من الاقتتال بخطورة استثنائية كونها جاءت بعد اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
إن الوقت ليس مناسباً للحديث عمن يتحمل المسؤولية ومن يُلام ولا يلام، فما توصلنا إليه من تفاهم بعد الحلقة الثانية، يتطلب منا جميعاً إشاعة جو من الصفاء والإيجابية كي نمضي قدُماً نحو ترسيخ الوئام الداخلي وتعميق مشاعر الأخوة والتوحد، خاصة وأننا ما زلنا نواجه احتلالاً بالغ الشراسة، واستيطاناً متمادياً وتراجعاً مأساوياً في قضيتنا وفي الاهتمام الإقليمي والدولي بها. وجنباً إلى جنب مع تكريس التهدئة الداخلية، ونزع فتيل الانفجارات الظاهرة والكامنة، عملتُ بدأب وإصرار، من أجل بلوغ تهدئة شاملة مع الجانب الإسرائيلي، الذي يتخذ من الصواريخ غير المجدية بأي مقياس سبباً وذريعة للمضي قدماً في تدميرٍ منهجي لمرافقنا وممتلكاتنا، مع قتلٍ بلا هوادة فيه لمواطنينا، وبلغة الأرقام فإنه ومنذ انهيار الفصل الأخير من فصول التهدئة سقط منا عشراتُ الشهداء دون نسيان حقيقة أنه ومنذ اختطاف الجندي شاليط وشلالُ الدمِ لم يتوقف، إن الذين فقدناهم في ظل قضية الجندي يعَدون بالمئات من الشهداء وأضعافهم من الجرحى والمعتقلين..
ومع إدراكي لصعوبة الموقف، وتشابك القضايا، إلا أنني حرصت على تفكيك كل أزمة بعنايةٍ وصبر، مدركاً أهمية التهدئةِ الداخلية، والتهدئةِ مع الجانب الإسرائيلي من أجل مداواة جراحنا النازفة، وكذلك من أجل توفير الجهد والمناخ لخدمة قضيتنا التي تكاد تتوارى وتندثر وراء نار المواجهات والحرب والاقتتال..
نعم، إنني أسعى إلى تهدئة مع الجانب الإسرائيلي وبالتأكيد لا بد وأن تكون شاملةً ومتبادلة في غزةَ والضفة الغربية، وأسعى كذلك ومن خلال وجودي المباشر على أرض الأزمة ألاّ يظلَ قرار التهدئة والقتال والاقتتال في يد أفرادٍ أو مجموعات، تمنح نفسها حق تقدير الموقف نيابةً عن الشعب بأسره، وتمنح نفسها كذلك حقَ المبادرة بالقتال وبوسائل غير مجدية، دون علم المؤسسات الوطنية الرئيسة..
وبكل أسف، فإن الإعلان عن وقف التهدئة واستئناف القصف، يعطي إشارة على أن إدارة الصراع أضحت انفعاليةً وارتجالية، مما يُوقع المزيد من الخسائر المادية والمعنوية دون أن نجد أحداً في العالم يدين الرد الإسرائيلي الذي يكون غالباً أضعافاً مضاعفة لحجم المبادرة القتالية من الجانب الفلسطيني.
أدرك صعوبة الأمر، أدرك التعقيدات، أدرك التداخلات والمؤثرات المحلية والإقليمية، وحُمّى الأجندات المختلفة، أُدرك ذلك تماماً غير أنني لن أتوقف عن العمل.
أولاً من أجل أمن المواطن الفلسطيني أينما وُجد، وثانياً من أجل توفير المناخ المواتي للتحرك من أجل قضيتنا وحقوقنا في خضم هذا العالم المضطرب، فأي شعب لا يحسن إدارة قضيته يفقدُ نفسَه ويفقد قضيته!!!.
الأمر الآخر، الذي يؤرقكم ويؤرقني بالتأكيد، هو الحصار الاقتصادي والمالي والنفسي والجغرافي، فأنا لا أرى الحصار فحسب بل أعيشه معكم، وأعاني منه مثلكم، وأعمل ليل نهار بما في ذلك الذهاب إلى أبعد نقطة في هذا الكون من أجل إنهائه، أو على الأقل إرخاء قبضته المُطبِقة على أعناقنا، هنالك قرار دولي بمقاطعة حركة حماس بالمطلق، وهنالك قرار دولي بمقاطعة الحكومة، لكون حماس تحتل موقع الرئاسة فيها.
وهنالك تعامل انتقائي معنا، نرفضه من حيث المبدأ، ولكننا نحاول التعايش معه على مضض من أجل تغييرِه لأن البديل هو الإغلاق المطلق.. منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وحيث أردنا أن نوجه رسالةً جديدةً إلى العالم ندعوه فيها إلى تغيير مواقفه القديمة والتعاطي مع حكومة تلتزم ببرنامجٍ سياسي هو برنامج الرئيس، منذ ذلك الوقت، وحتى يومنا هذا وأنا أعمل ليل نهار، كي أُوفر ما أستطيع توفيره من مرتبات الموظفين، وبعض النفقات للمرافق العامة الضرورية، ورغم أننا استطعنا توفير بعض مستحقات لموظفينا ولمعتقلينا ولأسر شهدائنا، إلا أن الحصار ما يزال يضغط على قلوبنا وعقولنا، إنني أتابع الآثار الناجمة عن هذا الحصار، فأرى تدهوراً متسارعاً في كل نواحي الحياة، أرى تراجعاً قيمياً غير مسبوق في تاريخ مجتمعنا الفلسطيني الحافل بالحروب والأزمات والصعوبات، ولكن الغني بالقيم السامية والمآثر المشهودة.
وأرى عالماً من حولنا، إن أراد مساعدتنا فهو لا يستطيع، وإن استطاع فعلى نحو جزئي يجعل أزمات الحصار مستمرة، والمعاناة منه تتزايد وتتعاظم. ولكي أكونَ صريحاً معكم، فقد عمدت إلى ترتيبات خاصة لعلها تثني الكثيرينَ عن التذرع بمقاطعة الحكومة، كون حماس تقف على رأسها، وعبر هذه الترتيبات يصل إلينا بعض ما نحتاج، وسأواصل الحركة مع وزير المالية بهذا الاتجاه آملين أن نوفق..
نعم أهلي الأعزاء، إنها مأساة يومية تمَس كل الفلسطينيين، مأساة الحصار فوق مأساة الاحتلال، ونحن لا نألُو جهداً لمعالجة ما نواجه.
إخوتي أخواتي،
إن خسائرنا على امتداد العام ونصف العام الماضي، لا حصر لها، ليس الأمر مجرد خسائر في الاقتصاد والسياسة، بل إنّ هنالكَ أموراً أكثر فداحةً وضرراً، كالمشاكل الاجتماعية، والهجرة المتزايدة وتعطيل عمل مؤسساتنا التي ترمز إلى كياننا السياسي والوطني، والتي نسعى لأن نطورها لتصل إلى مستوى مؤسسات الدولة، ومركز هذه المؤسسات جميعاً هو مجلسنا التشريعي، المنوط به وضع التشريعات للسلطة والمجتمع، والقيامَ بالرقابة على الأداء، وكذلك وضعَ الموازنةِ وإقرارها والرقابة على تنفيذها، إن هذا كله لم يعد متاحاً، فالمجلس التشريعي قيد الاعتقال والتجميد، وهذا ما يؤلم وما يرتِب علينا عملاً مضاعفاً من أجل معالجةِ هذه المعضلة، وعدم التوقف عن المطالبة بإطلاق سراح النواب والوزراء ورؤساء وأعضاء البلديات والقادة دون شروط.
أخواتي إخوتي،
لنصبرَ، ولنصمد، إذ رغم كل الصعوبات ما زالت لدينا مساحة من الأمل، فالعالم كله يُجمع على حتمية ولادة الدولة الفلسطينية، كأساس للاستقرار الإقليمي والدولي، وهذا أمر لا يستهان به.
والعالم كذلك، ينظر في أمر تطوير مساعداته لنا، وجزءٌ كبيرٌ من مسؤولية توفير المناخ الملائم لقدوم هذه المساعدات واقع على عاتقنا، موقفاً وسلوكاً، ونحن لا نألُو جهداً لإيجاد العلاج الملائم لهذا الجزء من الأزمة..
بعد أيام سألتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي على أرض السلطة الوطنية، وإذا كان الإسرائيليون يحبذون ضغطَ جدول الأعمال إلى الحدود الدنيا، فإن من واجبي كرئيس منتخب للشعب الفلسطيني، ألا أترك قضية دون طرحها بقوة على بساط البحث والضغط من أجل أن توضع على أجندة الحل.
سأعرض بوضوح، أذى الجدار على معظم القرى والمدن في الضفة، مجدداً رفضي المطلق له ورفضَ العالم بأسره. ومع الجدار سَأطرح بقوة قضية الاستيطان حيث الاستغلال البشع للأوضاع من أجل بناء المزيد من المستوطنات أو توسيعها وسأعرض قضية المعتقلين فلا بد من أن تُفتح أبواب السجون كي يعانق أبناؤنا نسائم الحرية في بلدهم.
سأعرض قضية أموالنا المحتجزة، والتي تسبب لنا كوارث اقتصادية مستديمة، أبرز مظاهرها عجزُنا عن توفير أبسط مقومات الحياة لموظفينا ومرافقنا..
وسَأُلِحُّ على ضرورة فتح مسار تفاوضي كي لا نظل جميعاً عالقين في دائرة عنف لا تهدأ لأن غياب العمل السياسي مقابل هذا الحضور الكثيف للعمل العسكري، سيزيد الأمور تعقيداً دون أن يصل أي طرف إلى أي مستوىً من مستويات الحسم..
لقد دأبت في كل لقاءاتي السابقة مع الإسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين وغيرهم من المعنيين بالأمن والاستقرار في المنطقة، على طرح هذه القضايا جميعاً كونها من احتياجات شعبنا وأولوياته.
إخوتي أخواتي،
نستذكر حزيران المأساة، وقدرُنا أن نتجاوزه بالصبر والتصميم والعمل والتقدم نحو الهدف، ولئِن سُجل حزيران في تاريخ الشرق الأوسط والعالم، كهزيمة كبرى منيَ بها العرب أمام إسرائيل، فإن تمردنا على هذه الهزيمة رغم كل الصعوبات ربما يعادل خسارتنا في تلك الحروب أو ربما (إن أذن الله) أن نسقطها من الذاكرة بإنجاز كبير هو إنهاء احتلال الأراضي العربية والفلسطينية وقيام دولتنا المستقلة، واستعادة قدسنا، وحل قضية لاجئينا حلاً عادلاً مقبولاً وعملياً على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.