خطـاب للسيد ياسر عرفــات في أثناء زيارته لبغــداد يحمّل فيه أمريكـا مسؤولية الغارة الإسرائيلية على المفاعل العراقي، ويندد بردات الفعل العربية والدولية التي جاءت دون مستوى الحدث.
خطـاب للسيد ياسر عرفــات في أثناء زيارته لبغــداد يحمّل فيه أمريكـا مسؤولية الغارة الإسرائيلية على المفاعل العراقي، ويندد بردات الفعل العربية والدولية التي جاءت دون مستوى الحدث.
بغداد، 17/9/1981
أيها الإخوة، يسعدني أن نتقابل في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا العربية، وخاصة أمام هذه الاعتداءات الإسرائيلية على ثورتنا، وعلى القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية، وعلى الشعبين اللبناني والفلسطيني في جنوب لبنان، مستخدمة أحدث الأسلحة الأمريكية والتي يواجهها الشعبان اللبناني والفلسطيني جحيمًا يوميًّا، برًّا وبحرًا وجوًّا.
أقول في هذا الوقت الذي أسمّيه الزمن العربي الرديء، ليس فقط هذه الاعتداءات التي تجري ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني في جنوب لبنان، ولكن أمتنا العربية الآن أمام منعطف تاريخي كبير وخطيـر، خاصة بعد هذا الحـدث الخطير، بعد هذه الغارة الإسرائيلية الأمريكية، وأنا أقول الإسرائيلية الأمريكية وأنا أعني تماما هذا القول، الغارة الأمريكية الإسرائيلية ضد المفاعل الذري العراقي، وعندما نقول ضد المفاعل الذري العراقي فهي ليست موجهة للعراق فحسب، ولكن هذا عمل موجه ضد الأمن القومي لأمتنا العربية كلها.
وكما قال أحـد أساتذة الجامعة العبرية، بعد الغارة، وهذا الكلام سمعناه وقرأناه، قال بكل وقاحة: (من قال إن العرب يستطيعون وقف تصدير النفط، نحن الذين نستطيع أن نوقف تصدير النفط)، وهذا الكلام ليس صدفة إطلاقًا، ما حدث ليس عبقرية «إسرائيلية» ما حدث هو عمل أمريكي نفذته عناصر إسرائيلية، بالتكنولوجيا الأمريكية والأسلحة الأمريكية. أقول أيها الإخوة: إن ما حدث هو عدوان أمريكي نفذته عناصر من الكيان الصهيوني، مستخدمة أحدث أنواع التكنولوجيا التي أنتجتها المصانع وآلة الحرب الأمريكية أمس ليلًا، قبل أن آتي إليكم في زيارتي هذه، كان لديّ وفد برلماني بريطاني جاؤوا يكلمونني عن المبادرة الأوروبية، قلت لهم: الآن هناك شيء أهم؛ لأن ما حدث هو نقطة انعطاف في تاريخ أمتنا العربية، فهناك شيء اسمه قبل الغارة الأمريكية »الإسرائيلية» على المفاعل الذري العراقي، وهناك شيء اسمه بعد هذه الغارة. أنا أعتبر أن هذا الحدث هو أخطر ما مر على أمتنا العربية، يحدثونني: ألا تعتقد أن عام ٦٧ كان أخطر؟ قلت لهم: لا، في ١٩٦٧ احتلوا أراضينا، أراضي عربية، احتلوا سيناء كلها، احتلوا بقية فلسطين، احتلوا أجزاء من سورية، احتلوا أجزاء من السعودية، وهي جزيرة السناطير التي تقع قبالة شرم الشيخ، ولكن ما حدث في هذه العملية الأمريكية، وأنا أصر على تسميتها الأمريكية » الإسرائيلية »، سلبنا شيئا خطيرًا جدًّا، وهي محاولة سلب إرادتنا في التقدم وفي التطور، وسلب أمتنا، أمننا، وأمن أجيالنا القادمة. إن أمتنا العربية أمام محك تاريخي خلال الأسابيع القليلة القادمة، إما أن تثبت أنها قادرة على مواجهة التحدي بتحد مقابل وتحد مواجه له، أو أن أمتنا العربية وهذا الجيل بالذات يحكم على أجيالنا أن يعيشوا عبيدا، ممنوعًا عليها التطور، ممنوعًا عليها التقدم، ومحكومة دائما بالذراع الأمريكية الإسرائيلية الطويلة لتستعبدها.
بعد الغارة، وقف الأعداء يتبجحون، من يقدر على أن يقطع البترول؟ العرب لا يستطيعون ذلك، نحن الذين نستطيع. يمكن لأي مصنع للحديد الصلب في أية دولة عربية أن يعتبر خطرًا على الأمن الأمريكي، لاحتواء المنطقة والسيطرة عليها، وبالتالي يضرب، وممكن أكثر من هذا، فمعهد تكنولوجيا متقدم متطور يخرج مهندس كمبيوتر أو إلكترونيا، لذا يجب أن يدمَّر، ومن هنا حين أقول هذه الأشياء لا أقولها فقط كلمات عابرة، ولكن أنا أضرب جرس الإنذار لأمتنا العربية كلها؛ حتى تستيقظ، ليس فقط الشعب الفلسطيني الذي هو تحت المطرقة، فهذه الأمة من المحيط إلى الخليج تحت المطرقة، وتحت التهديد، فما حدث لا يمس الأمن الإقليمي للعراق. ما حدث يمس الأمن القومى لأمتنا العربيـــة، ومن هنا، كما قلــت قبــل قليل، على أمتنا العربيــة كلها أن تأخـذ الموقـف المسؤول موقفًا تاريخيًّا، نكون أو لا نكون. نحن في الثورة الفلسطينية اتخذنا قرارنا، سنظل نقاتل ونقاتل حتى آخر طلقة لدينا، وحتى آخر طفل، وحتى آخر طفل في يده حجر داخل الأرض المحتلة، أقول هذا الكلام أيها الإخوة، في ظل هذه الظروف الصعبة، هذا الزمن العربي الرديء؛ لأنه، لغاية الآن، لا نستطيع أن نقول إن ردة الفعل في أمتنا العربية في مستوى الحدث، إن الذي حدث هو دون مستوى الحدث الذي وقع، فلا يكفي أن يجتمع وزراء الخارجية العرب ثم يخرجون بهذا البيان، فهذا الشيء غير كافٍ، كفانا بيانات نحن نريد موقفًا عربيًّا شاملًا مسؤولًا وموحدًا أمام هذا الخطر الداهم الذي يهددنا، ويهدد مستقبلنا ومستقبل أطفالنا، هل ستكون أمتنا العربية على هذا المستوى في مواجهة الحدث؟ هذا السؤال مطروح، هل سنكون على مستوى التحدي الذي قذف بوجهنا؟ هذا السؤال مطروح. هل ستستطيع أمتنا العربية أن تتجاوز مشاكلها الداخلية لنواجه هذا العدو مجتمعين؟ هذا السؤال مطروح. لما قلنا -نحــن الفلسطينيين- هذا الكلام في سنة ١٩٤٨، لم يصدقنا أحد، وجاءت 1956؛ لتعطي دليلًا صغيرًا، ثم جاءت سنة ١٩٦٧ لتعطي دليلًا أكبر أن هذا العدو يريد أن ينشئ، كما يقول في تلموده وكما كتب لفترة طويلة على مدخل الكنيست «الاسرائيلي»: "هذه أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات" هذا الكلام لست أنا الذي أقوله، ولكن الذي يقوله هو العدو الصهيوني. وحين أقول العدو الصهيوني، نقول إنه عبارة عن آلة حرب للذراع الحربية الأمريكية، نقطة متقدمة ورأس جسر للاستعمار الأمريكي الإمبريالي في منطقتنا، حتى نعرف من هو هذا العدو الذي نواجهه. أقول هذا الكلام -أيها الإخوة- لأنه حتى نضع في حسابنا كم هو حجم، وما هو نوع هذا العدو الذي نواجهه. إنها ليست إسرائیل فقط، فلو كنا نقاتل «إسرائیل» لكنا أنهيناها منذ زمن، نحن نقاتل أمريكا، متمثلة بهذا الجسر المتقدم الصهيوني الإسرائيلي، وأظن ما سمعتموه وما قرأتموه وما قاله ريغان للسفراء الذين قابلوه في واشنطن قبل عدة أيام، يكشف المأساة، ويكشف المؤامرة في نفس الوقت، المؤامرة كلها، ما قاله يجب أن ينشر على الرأي العام العالمي؛ حتى تعرف أمتنا العربية بالضبط ما يحدث، حتى تعرف أمتنا العربية كيف تواجه مصيرها، أن تكون أو لا تكون. ومع ذلك أنتم تعرفون بهذه الأسلحة البسيطة أسقطنا له أربع طائرات، وآخرها هي الطائرة التي قتل فيها ابن الجنرال ايتان الذي هو برتبة كولونيل، وكأنهم يحتقرون عقـــــــــــولنا حين يقــولون إنه مــــــات وهو في طائرة تدريب (كولونيل في طائرة تدريب) وهم كانوا طوال الليل يبحثون عن جثته بين صيــدا وصــور في البحر، حتى وجدوه. بهذه الأسلحــــة البسيطة في الشهر الماضي، أسقطنا لهم أربع طائرات، هذا هو المقاتل في الثــورة الفلسطينية، هذا هو المقاتل في الثورة الفلسطينية، الذي يواجه الجحيم اليومي من البر والبحر والجو، يواجه أحدث آلة حرب أمريكية إسرائيلية، وكما أنتم تشاهدون « فيليب حبيب » يقوم بجولاته المكوكية وبكل وقاحة وصفاقة، قال إن بيغن لن يوقف الغارات الجوية. أقول له: من طلب إيقافها؟ كما أنني لن اوقف قصف المستعمرات الصهيونية؛ لأننا لا نؤمن أن من ضربك على خدك الأيسر أدر له خدك الأيمن، صحيح أننا لا نملك طائرات لضربه، ولكن أینما تصل صواريخنا سأضربه، لقد كانت آخر عملية في غزة، أين تصل قنبلتي اليدوية سأضرب، وأين يصل الكلاشنكوف سأضرب، ولكن –للأسف- أن يكون كل هذا يحدث في هذا الزمن العربي الرديء، نقول هذا الكلام يا إخواننا؛ لأنه فعلًا نحن نواجه شيئًا لا يقتصر فقط على مستقبل الشعب الفلسطيني.
أيها الإخوة، أشعر أن الكلمة قد فقدت معناها، ماذا سنذكر؟ ١٥٠ مليون عربي، أغنى أمة في العالم، أهم موقع إستراتيجي، لو نجمع أسلحتنا، طيراننا أكثر من طيرانهم. الكلمة فقدت معناها في هذا الزمن العربي الرديء، ماذا يمكن أن نقول؟ ماذا نقول لأجيالنا القادمة، لم نكن بمستوى المسؤولية، لم نكن بمستوى الحدث، هذا السؤال مطروح كما قلت في بداية كلامي، على كل حال هو يعفي من المسؤولية، إننا فقط « نتلاوم » ونقول هذه مسؤولية الأمة العربية، نحن مسؤوليتنا في الثورة الفلسطينية نعرفها، ولا يؤثر علينا هذا الحدث أو غيره من الأحداث، صحيح أننا في الآخر من لحم ودم، وجزء من هذه الأمة العربية، وما يصيبها يصيبنا، وما يصيبنا يصيبها، ولكن علينا أن نأخذ مسؤوليتنا. إننا نحاول قدر الإمكان أن نخلق موقفًا عربيًّا موحدًا في مواجهة هذا الحدث، وهذا ما نقوم به، أو ما أقوم به وإخوانی في هذه الجولات، منذ أن حدث هذا الشيء ولكن في نفس الوقت، وكما تعرفون الذي تطاول وضرب المفاعل الذري العراقي، ثم لم يحدث له ردة فعل بالمستوى المطلوب. معنى ذلك أن كل ما هو دون هذا الخط الأحمر أصبح مباحًا دوليًّا وعربيًّا ومحليًّا، ونحن ندرك هذا الكلام إدراكا كاملًا، ما معنى هذا الكلام الذي أقوله أيها الإخوة؟ والذي يقوم بهذه العملية ثم لا يرى ردة فعل عالمية بالمستوى المطلوب، ولا ردة فعل عربية بالمستوى المطلوب، معنى ذلك أنه أخذ جوازًا للتحرك والتصرف والضرب في كل الاتجاهات تحت مستوى الخط الأحمر الذي تجاوزه طبعًا.
نحن -للأسف- ليس لدينا خط أحمر ولا خط أصفر، دمنا الأحمر هو خطنا الأحمر، ومن سوء حظ الثورة الفلسطينية أن ليس لديها خطوط حمراء، طبعا هذا الكلام لا يؤثر فينا، مقاتلونا يعرفون هذه الحقيقة أن دمنا الأحمر هو خطنا الأحمر، ومع ذلك هذه هي المعجزة داخل الوطن المحتل وخارجه. أقول لن نتلاوم ولن نتباكى؛ لأن ذلك لا يجدي، المطلوب هو العمل والتحرك على كافة المستويات وبكل الطرق والسبل، هذا ما هو مطلوب، وهذا ما نفعله الآن.
ونحن أمامنا فى الثورة الفلسطينية شيء أقوله، ومن فخري أن أقوله، إن قرارنا في الثورة القتال حتى النصر، هذا هو قرارنا في الثورة الفلسطينية، وعندما نقول هذا الكلام لا نقول عاطفة؛ لأن شلال الدم لا يتوقف لحظة واحدة منذ أن انطلقت الثورة، امس ثلاثة أبطال في السجون الإسرائيلية قتلوا، وبذلك يكون مجموع ما قتل هذه السنة ثمانية: ثلاثة أمس، وخمسة من أول السنة حتى الآن، ثمانية أبطال قتلوا داخل السجن من هذا المقاتل داخل سجون الاحتلال إلى هذا الطفل، الذي حول حجارة بلادنا إلى قنابل يدوية، بحيث أجبر العدو الصهيوني على إصدار قوانين بأن من يرمي حجرًا على دبابة يسجن ثلاثة أشهر وغرامة ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار، انظروا كم هو الحجر مرعب، هذه الدولة التي لديها كل آلة الحرب، كم هي تخاف من هذا الحجر، إلى هذا المقاتل في الثورة الفلسطينية في القوات المشتركة الذي يعرف أن ليس لديه خطوط حمراء، وأن خطه الأحمر هو دمه الأحمر، إلى هذا البطل الذي اسمه نعيم خضر الذي قتلته الأيادي التي تأتمر بإمرة الصهيونية العالمية وبأمر المخابرات الأمريكية لتقتل هذا المناضل والذي اسمه نعيم خضر في أوروبا، هذه هي الثورة الفلسطينية بعظمتها التي تقاتل على كل الجبهات، جبهاتنا العسكرية داخل الأرض المحتلة، وخارجها، في جميع المجالات، تقاتل في أمتنا العربية؛ من أجل أن توحدها، على الأقل موقف واحد من أجل مصيرها، لأن هذا هو إحدى مسؤولياتنا الأساسية في الثورة الفلسطينية. قبل قليل كنت مجتمعًا مع إخواني في التنظيمات، قلت لهم: نريد الطلاب من أجل أن يلتحقوا بالتعبئة العامة، وطبعًا نحن نطالب بغير الطلاب أيضا، وبعضهم سألني: هل يمكن إعادة الملتحقين بالتعبئة العامة إلى وظائفهم؟ قلت لهذا البعض: الذي يقاتل لا يسأل عن الوظيفة، وفخرنا كذلك حين قلنا التعبئة العامة جاءنا هؤلاء الأبطال من طلابنا أعدادًا فاقت توقعاتي أنا على الأقل، ويسقط شهداء منهم، وما زال يسقط منهم تحت قذف في أتون المعركة أتون الصراع العربي الإسرائيلي فلذات أكبادنا وخيرة كوادرنا الطلابية، ليس من أجل أن يحموا الثورة الفلسطينية، ولا من أجل حماية لبنان، لأننا نعتبر أنفسنا في هذا الخندق المتقدم ليس دفاعًا عن الثورة الفلسطينية، ولا دفاعًا عن لبنان؛ وإنما دفاعًا عن الأمة العربية من المحيط إلى الخليج. هذا هو فخرنا في الثورة الفلسطينية والقوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية؛ فنحن نقاتل في هذا الخندق المتقدم دفاعًا عن الأمة العربية كلها، دائمًا يسألونني، حين أقول الماراثون، ولا أحد يصدق ما أعنيه، بعضهم يعتبر ما أقول هو شعر، الآن يعرفون قيمة ما أقوله حول الماراثون الذي نحن نقاتل فيه. هذا الكلام أيها الإخوة هو المطلوب منا جميعًا أن نعيه، أن نعيه بقلوبنا، بعقولنا؛ لأن هذا الطريق الذي سرنا فيه هذا الطريق هو طريق العزة والكرامة، ولم يجبرنا أحد عليه، ونحن لم نغشّ أحدًا حين انطلقنا بالثورة، لم نقل إننا سنفطر في تل أبيب، كثيرون في بعض الحروب العربية قالوا سنفطر في مكان ونتعشى في تل أبيب، نحن قلنا: حرب الشعب الطويلة الأمد، لم نغشّ ولم نخدع أحدًا، هذا هو شلال الدم ما زال يتدفق من أحرار هذه الثورة.
المراجع:
وفا ، بيروت، ملحق خاص، 18/6/1981ص 2،15.
الوثائق الفلسطينية العربيه للعام 1981، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 278، 279،280،281.
مواضيع ذات صلة