خطاب السيد ياسر عرفات في المؤتمر التاسع لمنظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية.
خطاب السيد ياسر عرفات في المؤتمر التاسع لمنظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية.
طرابلس،11//1970
أيها المناضلون الشرفاء
يسرني ويشرفني بأن أقف بينكم الآن؛ لأنكم ثوار ومناضلون، تمثلون شعوبًا شريفة حرة، ومناضلة أصيلة في سبيل حريتها، وأشعر بالفخر والاعتزاز لقائكم هذا، وما شعرت أنني كنت بعيدًا عنكم في أي لحظة، أثناء الكفاح المرير الدامي الذي يخوضه شعبنا العربي الفلسطيني، في مسيرته النضالية الطويلة الشاقة، بل لقد شعرنا وأحسسنا ولمسنا دائمًا وأبدًا بكم معنا، ونحن معكم نقاتل في خندق واحد وفي معركة واحدة، وإن اختلفت مواقع القتال جغرافيًا، سواء في روديسيا، أو في فييتنام، أو في فلسطين، أو في كمبوديا، وفي بوليفيا ولاوس وفي الكونغو وأريتريا، وغيرها من مواقع الثورات في العالم، كلنا في معركة واحدة قوية متراصة ضد الإمبريالية والاستعمار و الصهيونية والعنصرية، نؤلف فيما بيننا هذه الجبهة العريضة والواسعة القوية، في مجابهة التحدي لقوى الاحتكار والاستغلال والاستعباد؛ ليعيش الإنسان إنسانًا بكامل حقوقه وحريته وكرامته وعزته، والثورة الفلسطينية باعتبارها إحدى هذه الثورات العالمية، جزء لا يتجزأ من النضال التحرري الذي تخوضه شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تخوض اليوم معركة قاسية وشريفة ومريرة، حيث واجه ثوارنا بحزم وشجاعة وكبرياء وصمود، أعتى هجمة استعمارية إمبريالية صهيونية، خططت لها دوائر الاستخبارات الأمريكية، ومولتها دوائر المال الاستعمارية، ونفذها للأسف العملاء في السلطة والجيش الأردني، وبرغم شراسة الهجمة التي تمت على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، كانت القوة التي هاجمت مدينة عمان وحدها مؤلفة من ثلاث فرق: الفرقة المدرعة الثالثة، والفرقة الميكانيكية الرابعة، وفرقة المشاة الأولی، بجانب كتائب المدفعية والطائرات، بلغ مجموع عددها حوالي ٤٠ ألف جندي بدباباتهم وأسلحتهم ومدافعهم، وبالرغم من ذلك القتال الدامي استطاعت إرادة شعبنا وتضحياته وتصميم ثوارنا وصمودهم، أن يفشلوا هذه المؤامرة الدنيئة ليقف شعبنا مرفوع الرأس ثابتًا في مواقعه الثورية، التي عاهدكم أيها الثوار الشرفاء أن يظل فيها لا يتزحزح عنها، إلا بعد أن يسقط شهيدًا أو ينتصر، وذلك كله بالرغم من دعم وتأييد وتحرك الأسطول السادس الأمريكي والتهديد بالإنزال وإعداد الفرقة ٨٢ الأمريكية.
لقد قدم شعبنا دفاعًا عن ثورته في مواجهته الأخيرة في الأردن، عشرين ألفًا بين قتيل وجريح بجانب آلاف المساكن التي دمرتها مدفعية العملاء وقذائفهم، التي كانت تأتيهم عبر جسر جوي أقامته الطائرات الأميركية لتمويل المؤامرة و إمدادها، وما زال هذا الجسر الجوي قائمًا لتعويض خسائر العملاء في الأردن، وفي إصرار متواصل ليبدؤوا من الثورة الفلسطينية معركة أخرى منتظرة، اللهم فاشهد أني قد بلغت.
وهم يظنـون أن الوقـت والظـرف في منطقتنا العربية الآن، هو ظـرف مناسب لإكمال جميع مؤامراتهم، حيث قامت أحـداث عدة جسام في منطقتنا كان على رأسها الخسارة الكبيـرة التي خسرتها أمتنا العربيـة، بوفـاة الزعيم البطل المرحوم جمال عبد الناصر، ولكن أمتنا العربية التي أنجبت عبد الناصر وأنجبت خالد بن الوليد وصلاح الدين وغيرهم من الأبطال، هذه الأمة التي سارت في مسيرة النضال الطويلة بتصميم وعزم، لقادرة على سحق جميع أنواع المؤامرات ولقادرة على مواجهة التحدي بتحد أقوى وأصلب لترسم طريقها بأحرف من نور ونار، على درب الحرية والتحرير والانتصار، إان أمتنا العربية تنظر بثقة و اعتداد كبيرين للمستقبل، مستقبل أجيالنــا المقبلة وأطفالنا، لا بل مستقبل الشعــوب جميعها، الشعوب المحبة للحرية والمساواة والإخاء، الشعوب المحبة للسلام المبني على العدالة والمبني على الكرامة، وليس السلام المزيف الذي ينادي به البعض في محاولة لخنق حرية الشعوب وإرادتها، ولوأد تطلعها وانبعاثها وتطورها وبنائها، وشعبنا العربي الفلسطيني الثائر الذي يخوض معركة ضخمة عالية شرسة، والذي حمل السلاح في مواجهة كل المؤامرات التي تواجهه، حمل السلاح بعد أن فقد العدالة لاسترداد الحقوق ولاستعادة أرضه فلسطين، التي طرد منها من خلال العهود والقرارات والاجتماعات، التي مثلت فصولها في أروقة وقاعات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، التي لم يأخذ شعبنا منها إلا مزيدًا من اللجوء ومزيدًا من التشرد، لقد حمل شعبنا السلاح وهو أشد ما يكون إيمانا بالسلام المبني على العدالة والسلام لكل الشعوب وليس سلام الاحتكارات والمحتكرين، وليس سلام الاستعمار والمستعمرين، لقد حملنا السلاح في يد، وغصن الزيتون في اليد الأخرى، غصن الزيتون الذي قدمناه من خلال الشعار الذي طرحه ثوارنا ومقاتلونا، عندما أعلنوا أن هدفهم هو تحرير أرض فلسطين لإنشاء الدولة الديموقراطية الفلسطينية، التي يعيش فيها الجميع: يهود ومسيحيون ومسلمون، في مساواة وعدل وإخاء، دولة لا مكان للحقد أو الكراهية أو التعصب أو العنصرية فيها.
ولا يسعني في هذه المناسبة إلا أن أشكر جميع المناضلين الشرفاء، الذين وقفوا بشرف وقوة مع ثوارنا وثورتنا في هذه المناسبة، وأشكر ليبيا التي أتاحت لنا هذه المناسبة لنلتقي بكم، أتاحتها لنا بقلب ووجدان وضمير وفكر، وثوارنا الذين يقاتلون الآن على أكثر من جبهة وفي أكثر من موقع، مصممون على السير في طريقهم الطويل الشاق، في مسيرة حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد، مهما غلت التضحيات ومهما زادت صعوبة الطريق، مواكب وجحافل يرفعون أكاليل الغار في ثورتهم المظفرة، حتى يتحقق الانتصار الكبير، ونحن في طريقنا هذا نحتاج إلى شيء هام متمازج ومختلط، هو نقطة من دم ونقطة من عرق ونقطة من حبر، عاش كفاح الشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
عاش كفاح الشعوب من أجل الحرية والتحرير، المجد والخلود لشهدائنا الأبرار،. وإنها لثورة حتى النصر.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 950، 951.
الثورة، طرابلس، 12/11/1970.
مواضيع ذات صلة