حديث السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، حول بعض جوانب حركة المقاومة الفلسطينية
حديث السيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، حول بعض جوانب حركة المقاومة الفلسطينية
تونس، 18/11/1970
س- عبد الجليل دمق (الصباح):
نحن سعداء بلقاء الأخ المناضل، نحييه تحية النضال ونبادر بسؤاله عن صحة الثورة الفلسطينية، وإذا قلنا (الثورة) فمعنى هذا صحة صفوف الثورة وصحة وحدة الثورة، ونسأل بالمناسبة عن مشروع وحدة قوى الحركة التي تقاوم في الجبهة وفي النضال السياسي والعسكري؟
ج - أبو عمار:
الحقيقة إن الثورة الفلسطينية ستظل صحتها ليست على ما يرام، ما دامت بعيدة عن أرضها، ففي الوقت الذي نصل فيه إلى التراب الفلسطيني المحرر نستطيع أن نقول إن صحتنا جيدة، وغير هذا سيظل الجسد معذبًا وستظل هذه النفس قلقة، طالمًا هي بعيدة عن التراب الفلسطيني المغتصب، ولكن رغم كل هذا ورغم ما تعانيه الثورة الفلسطينية، ورغم الآلام التي تعترض طريقها، إلا أنه يجب أن تعرف شيئًا واحدًا: وهو أن طريق الثورات ليس مفروشًا بالورد أو الرياحين، وهذا الطريق مفروش بالتعب والدم وبأجساد الشهداء، نحن كنا نقول كلمة وهي شعار لنا للثورة الفلسطينية: إن فلسطين راحت بأبخس الأسعار، ولنتذكر أن أجدادنا في الحروب الصليبية سقط منهم على أبواب القدس سبعين ألف شهيد.
من حقنا أن نسأل هذا الجيل: كم شهيدًا سقط دفاعًا عن القدس عندما احتلت؟ ورغم فداحة الثمن الذي دفعناه في أحداث عمان، والذي بلغ حوالي 20 ألفًا بين قتيل وجريح، إلا أن الثورة الفلسطينية خرجت وهي تحمل تجربة غنية، تجربة مليئة، وتحمل شيئًا آخر، نحن نقول إن معركة الكرامة كانت إثباتًا للثورة الفلسطينية، أما معارك عمان فقد كانت إثبات الشعب الفلسطيني.
س- عبد الجليل دمق (الصباح):
صحيح، هناك بعض الملاحظين لاحظوا هذه الملاحظة، وقالوا إن ثورة فلسطين وما تبعها من مؤتمر القمة، وما انعقد من أجله مؤتمر القمة ومن أجل المعركة التي قامت بعمان، قد نتج عنها انبعات الدولة الفلسطينية بقيادة (فتح)، دولة النضال، إلا أن دولة النضال هذه قد قيل حولها الكثير، وأبرز ما قيل كان يدور حول التأثر الموجود في صفوف الثورة، مما لا يتماشى طبعًا مع مقتضيات الثورة التي رفضت الاستسلام، والتي تريد أن تواصل القتال، فما هو الحل للقضاء على التناثر في صفوف الثورة؟
ج - أبو عمار:
إنني أختلف معك في نقطة الدولة، وللإجابة عليها بعدئذ، نحن نقول إننا في ثورة الآن، الثورة الفلسطينية.
يجب أن نعرف شيئًا واحدًا ونتكلم بصراحة وبعيدًا عن الدبلوماسية وعن السياسة الملتوية، نحن واقعنا كثورة فلسطينية، أن ثمة تتداخل كثيرًا فيما بيننا، يحكمه التناقض العربي ولذلك ليس غريبًا أن تجد في الثورة الفلسطينية هذه التناقضات، وكان أمامنا حلان لحل هذه التناقضات، إما أن نستخدم الأسلوب الجزائري، وإما أن نستخدم الأسلوب الفييتنامي، ونحن فضلنا حتى الآن أن نستخدم الأسلوب الفييتنامي، وهذا يعني أن نجمعهم ديمقراطيًا في بوتقة واحدة، وطبعًا هذا الكلام ليس سهلًا عندما نطبقه؛ لأننا كما قلت نحن نعالج تناقضات ليست هيئة، هي تناقضات الأمة العربية التي لا يجب أن تقضي علينا، وهذه التناقضات دخلت بطريقة أو بأخرى إلى الساحة الفدائية، إلى ساحة الثورة الفلسطينية وعبقرية الثورة الفلسطينية.
إنها حتى الآن استطاعت أن تثبت أمام كل هذه التناقضات، وأن تخترق طريقها وأن تثبت وجودها، المعركة الأخيرة نقول إنها من ضمن الدروس والعبر التي استفدناها، وتذكروا أن يوم 16/9/1970، أي قبل المعارك في عمان، التي بدأت في 17/9/1970، ففي يوم 16/9/1970 شكلت قيادة وانتخب قائد واحد للثورة الفلسطينية ولرئاسة الأركان، طبعًا كان الوقت ضيقًا؛ لأن نجسد هذا الواقع أو هذه القرارات إلى واقع عملي، ولكن من خلال المعارك وبعد المعارك استطعنا أن نثبت هذا المفهوم، ونرفع شعار وحدة البنادق وهذا الشعار نحن مصممون على أن نرسخه، وعلى أن يأخذ المجال الكامل في كل المناطق التي تمارس الثورة فيها عملها، سواء كان داخل الأرض المحتلة أو الأرض المحيطة بالأرض المحتلة.
وهنا نخرج بسؤال آخر وهو: هل وحدة البنادق كافية؟ هنالك "في" آراء مختلفة بالثورة الفلسطينية، أكون متطفلًا أو متجاهلًا للحقيقة إذا أردت القول بأننا نستطيع أن نقضي بجرة قلم على كل التناقضات الفكرية، أو على كل الخلافات الفكرية، ولكن نحن الآن في سبيل وضع حد أدنى يتفق عليه الجميع كميثاق، ونحن قد وضعنا ميثاقًا في المجلس الوطني الفلسطيني، والآن نحن ندرس هذه النقاط كلها لنصل إلى حد أدنى، ولنصل إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من وحدة الفكر داخل الثورة الفلسطينية.
ولكننا بالنسبة للعمل العسكري قد حققنا-ومصممون على أن تحقق، تحقيقًا كاملًا-وحدة البنادق ووحدة العمل العسكري، وظهرت آثاره في أكثر من مكان، وعلى سبيل المثال ما حدث في لبنان، فبعد الحوادث التي حدثت في الأردن استفدنا من التجربة وقمنا بعدة تغييرات جذرية وأساسية في لبنان، فأغلقنا كل المكاتب المتناثرة وأبقينا في كل مكان أو مخيم مكتبًا واحدًا يمثل الثورة الفلسطينية، هذا جزء من الوحدة التي نراها ثم قلنا لا يذكر اسم التنظيم الذي قام بعملية عسكرية، ولكن تصدر جميع البلاغات العسكرية باسم الثورة الفلسطينية، وهذا من خلال وحدة العمل العسكري ونحن على الطريق.
س- عبد الجليل نمق (الصباح):
لو تسمح بالنسبة للعمل العسكري، لاحظنا في هذه المدة خلال معركة عمان أن العمل المعسكري داخل الأرض المحتلة قد تقلص كثيرًا، فهل يدل هذا على أن الثورة في داخل الأراضي المحتلة يجب أن تكون علاقتها كبرى مع الثوار الفلسطينيين، وهذا ما هو غير موجود حسب ما لاحظناه من العمل العسكري؟
ج - أبو عمار:
بالعكس هذا يدل دلالة أكيدة وواضحة على الرباط العضوي بين أهلنا بالأرض المحتلة وأهلنا خارج الأرض المحتلة، فالثورة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له جميع الجسد بالسهر والحمى، ولكن جسد الثورة أصيب في منطقة من مناطقه فبقية الجسم كان تعبًا لأن الثورة واحدة، كانت تعاني في الحرب الدائرة بالأردن فكانت تعاني عملية تصفية؛ ولذلك كل الثورة بكامل أبعادها وبكامل تفرعاتها كانت منصبة ناحية النقطة التي تريد أن تصفي الثورة؛ لأن ما حدث في الأردن كان عملية مؤامرة، وللأسف شارك فيها بعض الأطراف في الأردن وداخل الجيش وداخل السلطة، وهذه المؤامرة نحن نتهم فيها المخابرات المركزية الأمريكية بأنها خططت لها ومولتها، ولقد أعلن نفس البيت الأبيض الأمريكي بأنه سيعوض الجيش الأردني كل الخسائر التي لحقته في المعارك الأخيرة، ودفعوا لهم أثناء وجودنا في القاهرة خمسة ملايين دولار كدفعة أولى، ما حدث في الأردن كان عبارة
عن عملية تصفية تريدها العناصر المناوئة والقوى الخفية التي تريد أن تجابه الثورة، الثورة الفلسطينية كانت في معركة مصير، أن تكون أو لا تكون في الأردن، قطعًا في معركة المصير انشلت فيها أجزاء كثيرة، انشلت الأجزاء الموجودة في لبنان، لأنها كلها كانت مشدودة شدًا كاملًا، شلت الأجزاء الموجودة في سوريا ونحن كنا نقاتل في حدود سوريا، شلت الأجزاء الموجودة داخل الأرض المحتلة فيها كانت أنظارها مشدودة إلى ما يحدث من معارك عنيفة، وما حدث من معارك أظن أنكم قد اطلعتم عليها من بعض المراسلين الحربيين، قالوا كانت أشد بكثير من معارك الحرب العالمية الثانية، وأكثر من معارك فييتنام.
س- عبد الحي صغير (لاكسيون):
كنتم قد لمحتم في حديثكم أن الثورة قد كسبت انتصارًا جراء المحنة الأخيرة في الأردن، تقصدون أن الحل الذي وصلتم إليه من شأنه أن يضمن مستقبل الثورة ويدعم كفاحها إلى النصر النهائي.
ج - أبو عمار:
ما من شيء دون جد والضمانة الوحيدة ترتبط بشيء، كم نحن مصممون على هذه الطريقة وكم نحن أقوياء وكم أيدينا قوية على الزناد، زناد البنادق التي لولاها لما كان ممكنا أن يستمع إلينا كائن من كان، حتى شعبنا ما كان من الممكن أن يسير وراء هذه الثورة لولا أنها أثبتت وجودها، فإثبات الوجود انطلق أول ما انطلق من خلال ما قدمه هذا الشعب من ضحايا وما تمسك به من تصميم على استمرار النضال، والنضال المسلح بغض النظر عن الضحايا التي يمكن أن يدفعها والثمن الذي يمكن أن
يدفعه، أن نقول إن هذا شيء مضمون لا نستطيع أن نقول إن هذا الشيء مضمون، والضمانة الوحيدة هي كم نحن مصممون على أن نسير في طريق الثورة، وهناك أعداء كثر لهذه الثورة والثورة الفلسطينية ثورة غير عادية وأعداؤها كثيرون، أعداؤها كثيرون، أعداؤها على المجال العربي وأعداؤها على المجال العالمي، أظن أن المجال لا يتسع كي أذكر كل شيء ولكن أنا لمحت عن هؤلاء الأعداء ليس إلا، وهذا يتطلب منا مزيدًا من الحذر ومزيدًا من اليقظة ومزيدًا من الوعي الثوري والانضباط الثوري.
س- المنصف بن فرج (العمل):
إلى جانب الكفاح المسلح هل جندتم لخوض المعركة الدبلوماسية التي تعتمد المراوغة السياسية؟ في هذا المعنى هناك سؤال صغير آخر، هل أنتم موافقون على المقابلة التي جرت بين الملك حسين ويغالل الون؟
ج - أبو عمار: قطعًا، نحن لا نوافق على المقابلة التي جرت بين الون وحسين إطلاقًا، ولكن نحن نقول شيئًا آخر وهو: إنه لا يمكن في اعتقادنا على الأقل أن هذا العدو يعطينا شبرًا من الأرض من أجل سواد أعيننا، وفي اعتقادنا أن هذا العدو الذي هو مبني أساسًا على نظرية التوسع، منذ أن جاء إلى منطقة عربية، لا يريد ولا يبتغي ولا يخطط إلا للتوسع، ولما ننظر ونتعمق في دراسة هذا العدو الصهيوني نجد أنه مبني على عملية التوسع والعدوان، الدورة الاقتصادية كل عشر سنوات، هناك دورة اقتصادية في إسرائيل كل عشر سنوات، وهذه الدورة "تيجي تقف" عند نقطة لا بد أن تفجر فيها صراعًا بينها وبين من حولها، لذلك أنتم تلاحظون أن كل عشر سنوات لهم معركة مع الأمة العربية.
إنني أقول إن هذا العدو بني على التوسع "وبدي أشبهه بالضبط بشركة الهند الشرقية" التي بدأت في منطقة في بمباي بالهند ثم توسعت لتصبح قابضة محتلة احتلالًا كاملًا لكل شبه القارة الهندية، أنا أقول: إن إسرائيل الآن لا تمثل جسرًا للاستعمار والإمبريالية في بلادنا فقط، ولكنها تمثل الدور الذي مثلته شركة الهند الشرقية "اللي" بدأت بقاعدة صغيرة ثم انطلقت لتحتل كل الهند.
الآن "لما نشوف" ونقرأ الوثائق التي عثر عليها في 1956 "ونشوف" الدوائر التي ترسمها الصهيونية، وتخطط للاستيلاء عليها أولًا بأول، نجد أن فيه خطًا أولًا وخطًا ثانيًا وخطًا ثالثًا ليصل لعابها إلى البترول العربي الموجود في الخليج العربي، وفي السعودية وفي قطر ثم يصل لعابها كذلك إلى مكة، وحتى الآن وبكل وقاحة يتحدثون عن خيبر وغير خيبر.
فهذه الأشياء وعندما نرى "أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات" فليس عبثًا عندما يقال: إن هناك أحزابًا داخل إسرائيل ترفع شعار إسرائيل الكبرى، هذا ليس عبثًا يا إخوان، إذن، لا بد أن نعرف طبيعة هذا العدو العدوانية أي: هذه الطبيعة العدوانية التوسعية، نحن من هذا المنطلق نقاتل لأننا نحن مؤمنون أننا لن نأخذ شبرًا دون أن ندفع له ثمنًا، ولكن شيء آخر نقوله وهو: إن الحرب وسيلة من وسائل السياسة، يعني إذا كانوا يريدون الانسحاب من أراضي ١٩٦٧ نحن لا نقول لهم لا تنسحبوا، ولكن نحن نعترض أن يكون الانسحاب ثمنه هو جسد الثورة الفلسطينية، أما إذا الدول العربية استطاعت أن تحقق انسحابًا من الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة ١٩٦٧، هل الثورة الفلسطينية ستقول لا؟ طبعًا لا نقولها، ولكن هي تقول لا إذا كان ثمن الانسحاب كما قلت هو جسد الثورة الفلسطينية أو هو مصالح الشعب الفلسطيني.
س- عبد الجليل دمق (الصباح):
إن إسرائيل كانت تعتمد دائمًا على خلق القضايا الهامشية لتغطية القضية الرئيسة، فهل يكون من مصلحة الثورة الفلسطينية، أن تقاوم القضايا الهامشية أو تساعد على حل القضايا الهامشية، لأن احتلال الأراضي العربية غير الفلسطينية إنما هي قضية هامشية، فيكون إذن من مصلحة الثورة أن تساعد على تصفية القضية الهامشية؟
ج - أبو عمار:
نحن نقول نقطة، نحن لا نعترض على أي أسلوب طالما الأسلوب يحفظ الأرض، وإن هذا الجيل ليس من حقه إطلاقًا أن يفرط بالأرض، الأرض هذه ليست ملكي ولا ملكك ولا ملك هذا الجيل، هذه الأرض ملك الأجيال القادمة نحن ليس من حقنا أن نفرط فيها، إن الأجيال القادمة ستسألنا، فالعملية ليست هامشية إطلاقًا ولكن العملية الهامة ألا نضيع في الهامشيات على حساب القضية الأساسية.
س- إسرائيل تعتمد دائمًا القضايا الهامشية، ومن القضايا الهامشية ربما التي تعتمدها إسرائيل، الأعمال التي تقوم بها بعض العناصر المتطرفة، التي تجعل منها إسرائيل قبة (أي حاجة كبيرة) كخطف الطائرات مثلًا، هذه كلها قضايا هامشية تطمس القضية الرئيسة، فما هو موقف الثورة من العناصر المتطرفة التي تخلق هذه القضايا؟
ج - أبو عمار:
نحن أعلنا رأينا، نحن ضد هذه الأعمال التي لا تفيد الثورة، ونحن ضد خطف الطائرات؛ لأنها ما أفادت الثورة، بالعكس فقد أضاعت لنا رصيدًا تعبنا سنوات طويلة حتى نفهم الرأي العام العالمي ما هي حقيقة الثورة الفلسطينية، إن كل الثورات العالمية كالفييتناميين يستطيعون أن يسرقوا الطائرات في لحظة، ولكن لم يفعلوا، ونحن نستطيع أيضًا.
س- القضية ليست مسألة اختطاف الطائرات، وإنما هي أعمال العناصر المتطرفة فإذا لم يكن اختطاف الطائرات فأعمال أخرى، فما هو موقف الثورة من العناصر المتطرفة؟
ج - أبو عمار:
هناك نقطة كما قلت لك، حتى الآن نحن نستخدم الأسلوب الديمقراطي داخل الثورة، وحتى الآن نحن محققون نجاحات كبيرة في هذا الأسلوب الديمقراطي.
فنحن نحاول أن نقوم اعوجاج من يحاول أن ينحرف بالمسيرة، بغض النظر أين يكون الانحراف، شرقًا أو غربًا، شمالًا
أو جنوبًا، فنحن لا نريد إطلاقًا أن يعكر طريقنا أي معكر.
ج - أبو السعيد:
نحن بالحقيقة نفهم الأمور الهامشية بشكل آخر غير عمليات الطائرات، عمليات الطائرات "في" أشياء جزئية وبسيطة، والأساليب التي يتبعها العدو الإسرائيلي في جر القضية الفلسطينية إلى المواقع الهامشية، ليست في هذا المجال وحده إنما في مجالات أخرى، مثلًا أن تنجح في جعل القضية الفلسطينية قضية لاجئين، هذه قضية هامشية تبعدنا عن حقيقة المعركة، أن تجعل القضية الفلسطينية هي قضية فقط محصورة بينها وبين الحكومات العربية، هذه قضية هامشية، تسعى إسرائيل لتبقى على الهامش بعيدين عن لب الموضوع، القضية الهامشية في أن تشغل الثورة القاسطينية في معارك جانبية تبعدها عن هدفها الأساسي وهو النضال في داخل الأراضي المحتلة والتحرير، هذه قضية هامشية، وسواء إسرائيل وحتى الإمبريالية العالمية تعمل على دفعنا بهذا الاتجاه، وقد نجحوا لغاية 1/1/1965 عندما انطلقت الثورة الفلسطينية، لذلك نحن في هذا المجال "عم نبعد الثورة الفلسطينية عن القضايا الهامشية"، وأعتقد أننا حققنا نجاحًا كبيرًا في هذا الموضوع، أما موضوع الطائرات ومواضيع أخرى كاحتلال فندق الأردن في جزء من الهامشيات، يعني إنها ليست هي هامشية إستراتيجية وإنما تكتيكات معينة تزول آثارها بمقدار ما ترتفع حدة الصراع، ومعركة عمان صهرت كثيرًا من هذه المواقف وكشفت كثيرًا من هذه الأمور وأظهرت للجماهير معنى العمل الجزئي والعمل الإستراتيجي.
س- محمد قاسم المسدي (شريط الأنباء):
ألا ترون أن التحول الذي سجل في الرأي العام العالمي في الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة بعد مصادقتها على اللائحة الأفرو-آسيوية المتعلقة بأزمة الشرق الأوسط؟ ألا ترون أن هذا التحول يعد كسبًا للقضية الفلسطينية؟
ج - أبو عمار:
الحقيقة إننا لا نعتبره كسبًا لشيء واحد، السنة الماضية نحن أخذنا قرارًا أقوى منه، وإن كنا أخذناه على إثر عرض تقرير ميتشيلمور في لجنة اللاجئين، ولكن كان القرار رغم أنه قوي إلا أنه كان من خلال لجنة اللاجئين ميزة هذا القرار أنه لأول مرة منذ سنة ١٩٥١ يذكر كلمة الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وإن كان أضعف من السنة الماضية، "إحنا" نقول: رغم إيماننا بالكفاح المسلح كطريق التحرير، إلا أن أي كسب نستطيع أن نحصل عليه سواء في المجال العالمي الرسمي أو في المجال العالمي الشعبي لدى أصدقائنا، حتى لدى الناس الذين لا يتفهمون قضيتنا، "إحنا" نعتبره خطوة على الطريق ولكنه ليس كل شيء، الشيء الأساسي هو الذي يتعلق بنا نحن كيف نتصرف، "وقديش احنا" على استعداد أن ندفع تضحيات وأن نضحي في سبيل هذه الأرض، ونريد أن نرى هذا الغريب الذي أتى من بلاد بعيدة هل هو أكرم و"الا نحن أكرم" في التضحية من أجل هذه الأرض، هذه نقطة هامة جدًا.
س - الهادي الغالي (قسم الأخبار بالإذاعة):
بعدما تدعمت الثورة الفلسطينية ومرت بأزمات، هل تعتقدون بأن سياسة المراحل بهذا الشكل من خلال الانتزاع شيئًا فشيئًا من العدو، يعني كمرحلة على الأقل لإيجاد الدولة والأرض، ثم للانطلاق لكسب مراحل أخرى جديدة، هل ترون بأن سياسة المراحل مجدية للثورة الفلسطينية بعدما تبلور كيانها؟
ج - أبو السعيد:
الحقيقة موضوع المراحل أو سياسة خذ وطالب، مع أنها أثبتت نجاحات كثيرة في مناطق أخرى وفي ثورات أخرى، ولكنها لا تتفق إطلاقًا حتى على المستوى الإستراتيجي مع الثورة الفلسطينية؛ لسبب بسيط أن الثورة الفلسطينية لیست في أرضها ككل، يعني عندما كان النضال التونسي كان الشعب التونسي في كل الأرض التونسية، ولكن الشعب الفلسطيني ليس موجودًا في كل الأرض الفلسطينية، هناك على جزء من الأرض الفلسطينية كيان اسمه إسرائيل، وهذا الكيان مدعوم بالولايات المتحدة الأمريكية وأصدقائها في العالم، وبالتالي سياسة المراحل لا يمكن أن تطابق سياسة المراحل، التي تتخذ في أمكنة أخرى مثل الفييتنام أو كوريا، من الممكن أن يأخذوا سياسة المراحل لأن الشعب موجود في المنطقتين، فهناك العملية هي إزالة نفوذ، إزالة النفوذ الأمريكي من كوريا الجنوبية، فالعملية هي عملية اعتبارية وليست عملية مادية، بينما بالنسبة لنا فإن جزءًا من بلادنا محتل بنظام، وبجيش، وبمؤسسات، وبقوى معادية، هذه القوى المعادية ليست بسيطة لأنها تعتمد على قواها الذاتية، وعلى قوى الحركة الصهيونية العالمية، وهي قوى مؤثرة عالميًا، وعلى قوى الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا وأصدقائها، لذلك فإن إنشاء أية دولة في منطقة صغيرة، من الضفة الغربية، (هي كل مساحة فلسطين ٢٨ ألف كيلو مترًا مربع هي ليست قارة أو شبه قارة) إنشاء دولة على أي جزء من فلسطين هو معنى هذا أنك تضع الشعب الفلسطيني في مكان يموت فيه، مكان محاصر وميت، لا مقومات اقتصادية ولا مقومات نضالية ولا مقومات قتالية ولا مقومات اجتماعية، وفي نفس الوقت يقابله عدو راسخ الأركان، فكيف يمكن أن نعيش معه على سياسة المراحل؟ فهو دولة موجودة، المراحل بالنسبة لنا هي نضال لا يجزأ مرحليًا؛ لأن هذا النضال مستمر ضد هذه الدولة، ولذلك وجود الدولة الفلسطينية معنى هذا وجود كيان دولي فلسطيني عليه أن يلتزم بمقررات دولية، وبحسن جوار وبعدم اعتداء وبميثاق الأمم المتحدة وو...إلخ، وبالتالي هو تسليم باستمرار وبقاء وشرعية الوجود الإسرائيلي، معنى هذا أننا بهذا نبيع الوطن إلى إسرائيل مقابل إنشاء دويلة في منطقة اسمها الضفة الغربية، سياسة المراحل لا تنطبق إطلاقًا على الثورة الفلسطينية.
س- الهادي الغالي:
الثورة الفلسطينية دائمًا متخوفة من جيرانها الدول العربية، الأردن وحتى سوريا، فالصاعقة نفسها التي هي ذات صبغة بعثية وقع حلها حسب الأخبار الأخيرة، حتى إن أراضي الجولان ليس فيها كفاح كما نرى من المنطلقات التي تنطلق منها الثورة الفلسطينية في الأردن نفسه، أريد أن أصل إلى نتيجة أن الثورة الفلسطينية في الظروف الحالية متخوفة دائمًا من جوانبها، كيف تستطيع أن تمركز هذا الاطمئنان؟ ثم سيفرض عليها طول النفس الطويل، "كم تقدرون يعني طول هذا النفس بتاع هذا النضال؟" ثم ما هو الحل الذي تتصورونه لحل مشكلة الثورة الفلسطينية؟
ج - أبو السعيد:
أولًا ليس صحيحًا بأن عملنا العسكري من سوريا قليل.
س- الأخبار التي تأتينا لا تفيد بوجود عمل عسكري هناك.
ج - أبو السعيد:
لنترك الأخبار لأنه ليس من الضروري أن يذاع كل شيء، عملنا من الحدود السورية أو الحدود اللبنانية أو الحدود الأردنية، ومن الداخل هو عمل متكامل وموجود ضمن إستراتيجية معينة، والصاعقة فيما يتصل بالمجال العسكري، الصاعقة ترفع شعارات حركة التحرير الوطني، ولم تكن الصاعقة في هذا المجال عملًا مخربًا فيما يتصل بالحدود السورية، ولا حتى بالمنطقة الأردنية، في هذا المجال في العمل العسكري كانت ملتزمة التزامًا كاملًا في الموضوع بخط اللجنة المركزية، ولذلك يعني الاستنتاج الذي بنيته على أسس عدم وضوح المعلومات، يجعل هذه الأسس غير صحيحة وبالتالي الاستنتاج غير صحيح، أما نحن فمشكلتنا كثورة فلسطينية مع القوى العربية بشكل عام فصحيح، وهذا ناتج عن أوضاع المنطقة العربية والتناقضات العربية في المنطقة، وهذا كلام صحيح وهذا مع الأسف هو الميزة التي تمتاز بها الثورة الفلسطينية عن كل ثورات العالم، ولهذا السبب نحن لا نستطيع أن ننسخ أي ثورة ولهذا السبب نحن نسمي ثورتنا ثورة "بساط الريح" و"ثورة المستحيل"؛ لأنها تناضل من جو غير جوها ومن أرض غير أرضها بالمعنى الوطني المحدد، والتناقضات العربية هي مشاكلنا، فليست مشكلتنا في الأرض الأردنية أو الشعب الأردني، فمشكلتنا هي محصلة الواقع العربي والتناقضات العربية، وبمقدار ما تنمو الثورة الفلسطينية من الكفاح المرير الذي تعيشه بمقدار ما نتغلب على هذه التناقضات لصالح الثورة الفلسطينية.
ج- أبو عمار:
أنت لم تكن مطالبًا الثورة التونسية أن تتنازل عن جزء من التراب التونسي، نحن ما يقدم الآن لإنشاء الدولة الفلسطينية المسخ، يقدم أمام ثمن باهظ وهو أن يوقع هذا الجيل وأن توقع الثورة الفلسطينية، وأن توقع الدول العربية بأن بقية الأرض ليست أرضًا عربية إنما هي أرض إسرائيلية، هذا هو الثمن المفروض لقاء هذه الأرض، من يستطيع أن يرتكب هذا الجرم.
س- حديثنا عن المرحلية ليس معناه قبول أو رضى بالضفة الغربية، هنا المرحلية كمبدأ فقط لا نسأل في الرضى أو الحاجة.
ج- أبو عمار:
في السياسة أو الحرب ليست هناك شعارات ترفع، ولكن "في هناك ممارسة وفي هناك قواعد ثابتة" لا تستطيع الثورة بالذات أن تتخلى عنها، "وفي نقطة هامة جدًا" يجب على هذا الجيل أن يظل أناس فيه تقول: لن نتنازل عن جزء واحد من هذه الأرض، هذا الجيل، هذا الطرف، هو الطرف الفلسطيني، ربما لا يكون من حظ هذا الجيل أن يحرر كل التراب الفلسطيني، ربما، ولكن من الجريمة أن هذا الجيل يرتكب جريمتين، الجريمة الأولى أنه غير قادر على التحرير، والجريمة الثانية أنه يقضي على عدم التحرير للأجيال المقبلة، أظن إذا كان "احنا"، هذا الجيل مش قادر يحرر فلا يوقع بالنيابة عن الأجيال المقبلة، فليدع للأجيال المقبلة فرصة التحرير.
س- نحن كنا دائمًا نرفض المرحلية التي تؤدي إلى الطريق المسدود.
ج- أبو عمار:
وبالتالي إذن فالواجب أن توافقنا على رفض المرحلية التي تؤدي إلى الطريق المسدود.
(كلمة السيد محمد المصمودي وزير الشؤون الخارجية)
أنا أريد أن أقول فقط على أساس مبدأ "أهل مكة أدری بشعابها"، نعتقد أن الإخوان الفلسطينيين أدرى منا بخطتهم وبنجاعة خطتهم وبخطهم، إلا إنه قد وقع الحديث عن المرحلية وقد وقع التعرض لبدأ "خذ وطالب" وسياسة المراحل، والمعروف أن الإخوان بالشرق عندما يتحدثون عن كفاح تونس، دائمًا يقرنوا سياسة المرحلية وسياسة "خذ وطالب" وسياسة ما يسمونه بالخطة المرحلية البورقيبية، يقرن الكفاح التونسي بهذه السياسة، في هذا تحريف وتشويه، أريد فقط أن أقول إنه نحن حاولنا أن نعتبر ما هو كان سائر في جميع البلدان المكافحة للاستعمار إذ ذاك، وكنا إلى جانب العمل الفيتنامي المسلح الذي كان يعتمد قبل كل شيء على الشدة والصمود في الكفاح والتفتح ومرونة في الناحية السياسية الدبلوماسية، الشيء "اللي" أدى بالمغفور له هوشي مينه بأن كان يقول بضرورة إدخال الفييتنام في الوحدة الفرنسية، "وقت اللي إحنا كنا رفضنا الوحدة الفرنسية"، وينادي بأن تقول البنادق كلمتها في الواجهة، يعمل ويقاتل في الواجهة ثم ينادي ويعمل ويقاتل في الواجهة الفرنسية اعتبارًا منه، واعتبارًا منا كذلك في نفس الوقت، بأن المتناقضات لا يمكن أن يكون الخصم يستعملها هو وحده ولا يكون العدوان يكون وحده الفاعلية والنجاعة في استغلال التناقضات، قال الإخوان الفلسطينيون وأبو عمار هنا بالخصوص وقاله قبله كثير: إن العالم العربي والمنطقة كلها متناقضات، وإن العالم العربي ومتناقضاته والمنطقة ومتناقضاتها كانت عندها ذيول وانعكاسات ومتناقضات أيضًا في الثورة الفلسطينية، مما جعل العدو والخصم يستغل المتناقضات ضد العالم العربي وضد القضية الفلسطينية، "عندنا خصوم نحن كمان أيام كفاحنا للاستعمار كما أن للحركة الفلسطينية في خصوم وفي أعداء"، والخصوم والأعداء هم بشر وعندهم متناقضات أيضًا، يا هل ترى يصح أن تستغل المتناقضات من الناحية السياسية والدبلوماسية، وهذا ما عملناه وهذا ما نادينا به وهذا ما وفقنا فيه بتونس، "لا في سياسة خذ وطالب، ايه اللي احنا أخذنا وايه اللي طالبنا، استقلينا استقلال ذاتي وبعد بضعة أشهر استقلال حقيقي"، وكان دائمًا الكفاح متواصلًا إلا أنه وقع في جميع المراحل استغلال المتناقضات الموجودة عند الخصم وعند العدو، كما أنه وقع في جميع مراحل الكفاح الفيتنامي الاستغلال المتناقضات الموجودة عند الخصم والعدو، ونؤمن بالطبع بهذه التجارب، لا يمكن أن تقارن كلها وتؤمن بأن هذا المبدأ "اللي يؤمن بيه كل من هو يؤمن بمبدأ الثورة"، هذا أيضًا قد ينفع الإخوان الفلسطينيين (أنهم صمدوا في المعركة وداخل الأرض المحتلة بالخصوص وتفتحوا ودخلوا واستغلوا المتناقضات عند العدو والخصم في الخارج)، واعتقادي من هذا الانطباع عند الإخوان الفلسطينيين خاصة الإخوان "اللي كانوا حولنا "فتح" واللي كانت منظمة جماهيرية كما قال الأخ أبو السعيد"، منظمة جماهيرية قبل أن تكون منظمة مركزة على شخص أو بعض اشخاص، وفي اعتقادي أن حركة (فتح)، "اللي تمثل بصدق الشعور الفلسطيني وشعور المرونة ومن القدرة ومن الطاقة على استغلال المتناقضات ما أظهرتش حركات أخرى مسابقة وربما في هذا ثمة تجربة تتكامل مع التجربة التونسية ما تتمثلش بالتجربة التونسية".
( كلمة الأخ أبو عمار)
"في الحقيقة في كلمة أحب أقولها: لا شك أن تجارب الشعوب وتجارب الثورات تغذي بعضها البعض، ولكن لا نستطيع أن نجيب ثورة ثم نضع نسخة تحتها ونطلع ثورة ثانية، فلكل ثورة ظروفها الموضوعية ولكل ثورة أجواؤها التي تقاتل من أجلها، وإن كان ما في ثورة في التاريخ وعلى وجه هذه الأرض إلا وتستفيد بطريقة أو بأخرى من الثورات التي سبقتها، هذا فقط اللي قلناه في النقاش، وبما أنك أعطيتني الكلمة حتى أنهي بها الجلسة الطيبة، اللي نحن نشكركم إنكم أتحتوها لنا كي نلتقي بهؤلاء الإخوة، ونتناقش هذا النقاش المنفتح العقل والمنفتح القلب والوجدان بما فيه خير القضية الفلسطينية وخير أمتنا العربية، أنا أشكركم مرة أخرى باسم ثورتنا الفلسطينية وأشكركم كأشخاص وبشكركم كشعب شقيق يعيش معنا، ويتألم لألمنا ويفرح لفرحنا وينتصر لانتصارنا كذلك، وأنا أقول إنه في هذا الوقت أنا أسجل بإعجاب كل ما تصنعه تونس من أجل الحفاظ على مسيرة الثورة الفلسطينية، ووجود الأخ الباهي الادغم الآن في عمان هو جزء من هذه المشاركة الوجدانية، التي يقفها الشعب التونسي، وعندما دعا الرئيس بورقيبة مؤتمر القمة عندما رأى الدم يسيل في عمان، كان جزءًا من هذه المشاركة القلبية الوجدانية للحفاظ على مسيرة الثورة الفلسطينية، أنا أقول شيئًا آخر إننا نحن ورغم كل هذه الصعاب فإننا نعاهد شعبنا في تونس ونعاهد أمتنا العربية أننا سنحافظ على هذه المسيرة الثورية، سنحافظ عليها وسنستمر فيها ونعاهدكم أننا لن نلقي السلاح إلا بإحدى الحسنيين إما الشهادة وإما النصر إن شاء الله".
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص992، 993، 994، 995، 996، 997، 998.
الثورة الفلسطينية، العدد ۲۱، دمشق، كانون الثاني\يناير-۱۹۷۱، ص 5.