حديث السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول تسوية الأزمة اللبنانية-الفلسطينية
حديث السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول تسوية الأزمة اللبنانية-الفلسطينية
القاهرة
س- في أذهان الجماهير هذه الأيام سؤال ملح وهو: ماذا تم في لقاء القاهرة مع الوفد اللبناني؟
ج– الحقيقة أن هذا سؤال "أنا بعتبره مهم"، ويعتبر من واجبي إزاء الثورة بأن الحقيقة من حق الجماهير.
"احنا" أهم شيء عملناه في القاهرة-في رأيي-هو أننا وقفنا إطلاق الرصاص، المؤامرة كانت كبيرة، ليست فقط مؤامرة لطعن الثورة من الخلف، ولكن كان هنالك محاولة "علشان الثورة هذه تغير طريقها وتصفى الثورة بايد عربية وتحاول أن تقتل بأيد عربية"، وللأسف أنها تمت العملية والمتآمرون استطاعوا أن يدفعوا الجيش اللبناني، هذا الجيش "اللي كان مفروض انه انا ورفاقي نبقى احنا واياه في خندق واحد تقاتل هذا العدو المشترك"، وعندما تعرضت الثورة للخطر في ٢٣ نيسان (إبريل) في لبنان وخرجت الجماهير اللبنانية والفلسطينية تدافع عنها، واضطرت الثورة أن تدافع عن نفسها واختلط الدم الفلسطيني، في تلك الأيام "احنا"، كما تذكرون، حاولنا محاولة كبيرة في لبنان محاولة لرأب الصدع، وكان العدو الصهيوني مدعومًا بالإمبريالية الأمريكية، والاستعمار الغربي ظل يخطط لتصل المؤامرة إلى ما يراد لها، فمن ضرب مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بالقنابل الصاروخية إلى البيان الأمريكي إلى الإشاعات إلى المقالات، ثم إلى مذبحة مجدل سلم، التي قتل فيها رفاقنا وهم في طريقهم لتأدية عملهم داخل أرضنا المحتلة.
ثم تطورت الأمور وتصاعدت وكان هنالك محاولة لإنهاء الثورة في تلك المنطقة، فلذلك كان لا بد من واجبنا أن نمارس حق الدفاع عن ثورتنا، وهبت الجماهير العربية غاضبة، ومع ذلك الجماهير العربية في لبنان هبت غاضبة، ونحن ثوارنا اضطروا مجبرين على أن يحملوا السلاح ليحموا ثورتهم، كنا نشعر بالألم لما حدث، وكان واجبنا وواجب كل القوى الوطنية أن تعمل على إيقاف إطلاق النار، ولكن كان موضوع في أذهاننا نقطة هامة وهي عدم المساس بحقوق الثورة أو وضع قيود عليها؛ لأن هذا شيء لا يمكن أن نتهاون فيه، بأي حال من الأحوال.
"احنا أبدينا حسن نية كاملة وانفتاح كامل" ونشعر شعورًا كاملًا أن ما وصلنا إليه من خلال المباحثات، مع إخواننا اللبنانيين لن تظهر آثاره من خلال ورقة، "ولكن أنا بقول انه العمل العسكري والعمل العسكري وحده هو اللي حيعطي الإجابة لكل ما حدث في خلال مباحثات القاهرة".
س- هناك من يحاول أن يصور ما حدث في لبنان بأنه عبارة عن موضوع كسب أو خسارة، فما رأيكم في هذا الذي يقال؟
ج- "الحقيقة مفيش واحد ممكن يكسب من أخوه"، إذا كان المقصود هو الكسب أو الخسارة بين الثورة الفلسطينية ولبنان، فهذا السؤال مرفوض من الأساس؛ لأن الثورة الفلسطينية تدعمها الجماهير اللبنانية بقلوبها وسواعدها، دعمًا كاملًا، "احنا لا يمكن أن ننسى كيف استقبلت الجماهير اللبنانية، بكل طوائفها بكل ميولها، جثمان رفيقنا الشهيد الجمل"، أما إذا كان المقصود بالسؤال الكسب أو الخسارة بين الثورة الفلسطينية وبين القوى المضادة للثورة المتحركة، كجزء من المؤامرة الاستعمارية الكبرى لتصفية الثورة الفلسطينية، فالجواب على ذلك هو أن الثورة الفلسطينية والجماهير اللبنانية حققت كسبًا كبيرًا في تثبيت أركان الثورة الفلسطينية وإرادة الجماهير الفلسطينية واللبنانية خاصة، والجماهير العربية عامة، ضاربة بذلك المؤامرة الاستعمارية الكبرى التي حاولت أن تطعن الثورة الفلسطينية من الخلف.
الحقيقة كان هناك خلاف في المفاهيم بين السيادة اللبنانية والثورة الفلسطينية، "أنا بقول إن الثورة الفلسطينية هي حامية السيادة اللبنانية ما دمنا احنا مؤمنين انه عندما نقاتل في الأرض المحتلة إنما نقاتل عدوًا مشتركًا، هذا العدو ما بيفرق إطلاقًا بين بيروت وبين القدس، بين تل أبيب وبين القاهرة، بين يافا وبين عمان، بين غزة وبين دمشق، بين نابلس وبين بغداد، بين جنين وبين الجزائر"، إذا فهمنا هذه النقطة، وإذا عرفنا أن هذا العدو يدعو إلى إقامة دولة كبرى في أرضنا العربية، وهذه العبارة "اللي بتقول": «هذه أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات»-وطبعًا لبنان واقع ضمن هذه الأرض-لعرفنا أن الثورة الفلسطينية هي حامية للسيادة اللبنانية، ونحن انطلاقًا من هذا في المناطق "اللي دخلناها والمناطق الموجودين فيها"، رفعنا العلم اللبناني وما زلنا نرفعه، وكنا نؤدي له التحية العسكرية.
س- هل هناك محاولات للدس والوقيعة والتشويش على الثورة الفلسطينية بعد اللقاء الأخير الذي تم في القاهرة، بين قادة الثورة الفلسطينية والوفد اللبناني؟
ج - الحقيقة أنا وصلني هذا التشويش على الثورة الفلسطينية، وسمعته وحتى قرأته في بعض الجرائد المشبوهة، في نقطة هامة جدًا، "اللي محملش سلاحه للدفاع عن الثورة ساعة الأزمة" لما هنالك من حاول طعن هذه الثورة من الخلف، لا يحق له أن يتكلم الآن، هذه الأفواه لن تسكت، هذه طبيعة الثورات، "واحنا اذا فهمنا طبيعة المعركة اللي احنا بنخوضها وطبيعة العدو اللي احنا امامنا اللي هو متمثل بالصهيونية العالمية والاستعمار الأمريكي والاستعمار الغربي كله، نقدر نفهم طبيعة العدو اللي احنا بنحاربه، هؤلاء لن يكفوا عن التشويش على الثورة في مثل مصري بيقول: «ما لقوش في الورد عيب، قالوا له يا أحمر الخدين»".
الثورة الفلسطينية تؤمن إيمانا كاملًا بأن الجماهير هي مادتها الأساسية، وهذه الجماهير "هي اللي بيهمها وهي اللي بيهمنا أمرها". أما هؤلاء المندسين "واللي بيشوشوا فلا مجال لهم بين الثوار الحقيقيين وبين الجماهير الشريفة، هذا الموقف الحقيقة أنا بقول إنه كان موقف جماهيرنا العربية في كل أقطارنا العربية كان موقفًا رائدًا، وهذه الجماهير الي جسدت إرادتها في طليعتها الثورية الفلسطينية، واللي إرادة الثورة من إرادتها، هذه الإرادة المجتمعة كفيلة برد عناصر التشوييش وعناصر الدس وإيقافها عند حدها.
س- هناك من يسأل بقلق هل انتهت الأزمات عند هذا الحد بين الثورة وأعداء الثورة؟
ج - الحقيقة السؤال هذا لا يمكن أن يسأل هكذا بهذه السهولة، لأنه إحنا متأكدين أن المؤامرات لن تقف طالما هنالك ثورة وطالما هنالك ثوار حيحاولوا كما حاولوا في الماضي الطعن من الخلف، حيحاولوا يعرقلوا مسيرة الثورة، حيحاولوا يطعنوا الثورة. ولكن الثورة الفلسطينية اللي هي جزء من الأمة العربية وانتصارها هو انتصار للمصلحة الحقيقية لجماهيرنا العربية؛ لأن القضاء على الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة هو القضاء على الخطر الأساسي، الذي يهدد الأمة العربية وجودًا ومصيرًا، هذا الخطر السرطاني العدواني، الذي يستهدف وجودنا وحضارتنا، لذلك فإن أعداء الجماهير اللبنانية، أعداء الشعب الفلسطيني. هؤلاء الأعداء يبحثون باستمرار عن الوسائل لضرب الثورة الفلسطينية؛ لأن الصراع بين الثورة الفلسطينية وأعداءها لن يقف كما قلت، ومن ناحية أخرى، فإن إرادة الثورة الفلسطينية من إرادة الجماهير العربية التي لا تعرف إلا البذل والتضحية والفداء، لذلك سيستمر نضالها حتى يتحقق النصر النهائي إن شاء الله.
س- في سؤال بتسأله الجماهير أيضًا، وهو يتعلق بالضمانات التي تعتقدون أنها كفيلة بتأمين مسيرة الثورة ومطالب الجماهير.
ج- الضمانة الوحيدة شيئان: جماهيرنا العربية من المحيط إلى الخليج، وإيماننا المطلق بأن السياسة لا تنبع إلا من ماسورة البندقية، طالما الجماهير تلتف حول هذه الثورة، تؤيدها وتحميها وتدعمها، وطالما هنالك ثوار يحملون بنادقهم ويرابطون في كل مكان وفي كل بقعة من أرضنا المحتلة، طالما أنه هذا موجود فهو الضمانة الوحيدة لكل شيء.
"احنا في ٤٨ يا إخواننا غلطنا غلطة كبيرة، هذه الغلطة إنه إحنا بحق وبغير حق، بإرادتنا وبغير إرادتنا، بالتآمر وبغير التآمر، تركنا السلاح، إحنا لن نغلط هذه الغلطة هذه الأيام، وضمانتنا الوحيدة هي معركة للنصر، ضمانتنا أمام هذا الاستفزاز الصهيوني وهذه الغزوة الصهيونية هي بنادقنا وبنادقنا فقط وسواعدنا.
س- في ناس بيتساءلون بالحاح شديد عن مصير الناس اللي اعتقلوا من الجماهير الشعبية في لبنان، الجماهير الفلسطينية واللبنانية، فماذا رأيكم؟
ج - والله شوف، لا يمكن الثوار بأي حال من الأحوال أن يتهاونوا في أمر هؤلاء، أهم شيء أمامنا كان لما كان في مباحثات بيننا وبين إخواننا اللبنانيين، أول شيء كنا نبحثه هو مصير هؤلاء الأبطال الذين خرجوا وهبوا، خرجوا من ديارهم دفاعًا عن الثورة وهبوا لنجدة إخوانهم الثوار، همنا الرئيس هو إطلاق سراح هؤلاء، سواء هنالك حسن نية من أي طرف من الأطراف، إلا إذا أخرج هؤلاء الأبطال من السجون وأوقفت ملاحقتهم.
س– هل هناك من كلمة توجهونها إلى هذه الجماهير العربية بشكل عام، والجماهير اللبنانية بشكل خاص؟
ج– إن الثورة الفلسطينية، كما تقول دائمًا، في حاجة مستمرة إلى الجماهير، إن الثورة تؤمن إيمانًا كاملًا، بأنها دون هذه الجماهير لن تستمر، فواجب الثورة تجاه هذه الجماهير أن نحافظ في عهد الشرف الذي قطعناه على أنفسنا، وهو عهد التزمنا به خلال شعارنا الدائم: ثورة حتى النصر.
إنا نعاهد الجماهير، كل الجماهير الفلسطينية واللبنانية والجماهير العربية كلها، على إعطائها الحقيقة باستمرار ولا شك أن الجماهير ستكون وفية لهدفها وللثورة الفلسطينية، ولكن لا بد من إشارة إلى أن الثورة الفلسطينية، تمثل نضالًا طويلًا وطويلًا جدًا، هذه نقطة هامة يجب أن نعيها، نحتاج إلى نضال طويل مرير مليء بالتضحيات، ولا بد أن نعد أنفسنا جميعًا لهذا النضال؛ لنثبت للتاريخ أننا أمة لا تعيش إلا في ظل الكرامة والحرية، ونقطة أخرى أحب أن أسجلها هنا عن واجب الجماهير تجاه ثورتها، هذا الواجب هو واجب تلقائي تمارسه هذه الجماهير، طالما بقيت الثورة على عهدها والتزمنا بأهدافها، إننا نعرف وندرك أن الجماهير لا تعرف الغش والخداع، وأنها لا تعرف إلا الحقيقة، ولا تعرف إلا النضال المستمر من أجل النصر، لا تعرف إلا طريقًا واحدًا (طريق الالتفاف وحماية الثورة)، ولي كلمة أخيرة أحب أن أقولها، وهي: تحية إكبار وإعزاز لكل الجماهير في لبنان، لبنانية وفلسطينية بكل طوائفها، مسيحييها ومسلميها، التي وقفت بكل عزم لصدي ودحر هذه المؤامرة التي خطط لها الاستعمار الأمريكي لضرب الثورة الفلسطينية، والثورة الفلسطينية التي استطاعت أن تقف موقفًا صلبًا حول ما حاول الاستعمار وأذنابه من فرضه من خلال ما أسماه بالطائفية، إننا لا نعترف لا بالطائفية ولا بمشاكل الطائفية، نحن نعرف فقط جماهير عربية من المحيط إلى الخليج، وتحية، تحية أخرى، تحية فخار إلى شعبنا الصامد في أرضنا المحتلة في فلسطيننا المغتصبة.
هذه الجماهير التي خرجت غاضبة في أرضنا المحتلة رغم الاحتلال ورغم القهر ورغم الاضطهاد؛ لتدافع عن حقها ولتحمي ثورتها الفلسطينية، ولن أنسى في هذا المجال، لن أنسى موقف الجماهير العربية، موقف جماهيرنا العربية التي وقفت في كل مكان تدافع وتؤيد وتدعم وتساند الثورة الفلسطينية، وسنقاتل حتى النصر.
المراجع:
الوثائق العربية الفلسطينية، 1969، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 469، 470.
السياسة، الكويت، 11/11/1969.