الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث خاص للسيد عبد المحسن أبو ميزر، الناطق الرسمي باسم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول مناقشة القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي

حديث خاص للسيد عبد المحسن أبو ميزر، الناطق الرسمي باسم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول مناقشة القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي

بیروت، 15/2/1976      

س- يردد البعض أن ذهاب منظمة التحرير الفلسطينية لمجلس الأمن كان سابقًا لأوانه، لماذا ذهبت إذا منظمة التحرير الفلسطينية إلى مجلس الأمن؟

ج- إن منظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن حققت هدفًا إستراتيجيًا أساسيًا، وهو تمثيلها الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لا تستطيع إلا ان تنهض بمسؤولياتها للدفاع عن قضية فلسطين، وثورة شعبنا العادلة، في جميع المجالات، وعلى جميع المستويات، شعبيًا وعربيًا ودوليًا.

ومنظمة التحرير الفلسطينية قد ذهبت إلى مجلس الأمن الدولي، نتيجة لمبادرة الشقيقة سوريا، حين ربطت تجديد مهمة قوات المراقبة الدولية في جبهة الجولان، بإعادة بحث قضية الشرق الأوسط وقضية فلسطين، ولذلك كان من الطبيعي أن تذهب منظمة التحرير الفلسطينية إلى مجلس الأمن وتطرح وجهة نظر الثورة الفلسطينية، وقضية فلسطين من جذورها.

س- ما هو الأساس الذي اعتمده وفد منظمة التحرير الفلسطينية، في مناقشة قضية فلسطين أمام مجلس الأمن؟

ج- إن الوفد الفلسطيني قد حرص على الإفادة من هذه الفرصة الهامة، ليسجل مزيدًا من وعي الرأي العام الدولي على قضية شعبنا العادلة؛ ولذلك كانت كلمة منظمة التحرير الفلسطينية، التي افتتح بها الأخ فاروق القدومي، رئيس الدائرة السياسية، مناقشات المجلس، شاملة لجميع أبعاد قضية فلسطين، منذ بداية الغزوة الصهيونية لترابنا الوطن، وقد أوضحنا موقف منظمة التحرير الفلسطينية تجاه جميع المؤامرات الإمبريالية والصهيونية والدولية، التي دبرت ونفذت ضد الشعب الفلسطيني، بدءًا من وعد بلفور، ومرورًا بالانتداب البريطاني على فلسطين وسياسته الموالية للصهيونية، ومؤامرة قرار التقسيم، وإنشاء الكيان العنصري الصهيوني، والسياسة التوسعية التي قام بها هذا الكيان في محاولته المستمرة لتشريد شعبنا واغتصاب وطننا، وانتهاء بقراري مجلس الأمن رقم ٢٤٢ و۳۳۸ اللذين رفضهما شعبنا الفلسطيني ولا يزال.

كما أوضحنا للمجلس ظروف ميلاد كفاحنا المسلح وتصميم شعبنا على مواصلة ثورته المسلحة، حتى يحقق أهدافه في العودة والتحرير والسيادة والاستقلال.

س- ما هي-في رأيكم-المكتسبات التي حققتها مناقشة القضية؟

ج- إن مناقشة مجلس الأمن لقضية فلسطين وقضية الشرق الأوسط، في الشهر الماضي، قد حققت فوائد عديدة ومكاسب سياسية وإعلامية كثيرة، يمكن إجمالها بما يلي:

أولًا: إن المناقشة قد صححت الطرح الخاطئ السابق لقضية فلسطين بالنسبة لعلاقتها بقضية الشرق الأوسط؛ فبعد أن كان العالم ينظر لقضية فلسطين كجزء من قضية الشرق الأوسط، أصبح ينظر إليها كأساس قضية الشرق الأوسط.

ثانيًا: لقد كشفت المناقشة، من خلال كلمات الدول التي ساهمت فيها، وهي كثيرة شملت مختلف الكتل الدولية والقارات، عن أن قضية فلسطين هي قضية شعب ووطن، وهي قضية تحرر وطني، وليست قضية لاجئين.

ثالثًا: لقد كشفت المناقشات عن شبه إجماع عالمي على أن السلام في الشرق الأوسط يدور، وجودًا وعدمًا، مع الحل العادل لقضية فلسطين، وتحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين.

رابعًا: لقد سجلت المناقشات تناميًا وعمقًا في وعي الرأي العام الدولي على مشروعية الكفاح الفلسطيني المسلح، وعلى عدم صلاحية قراري مجلس الأمن رقم ٢٤٢ و٣٣٨، وعدم سلامتهما كأساس لحل أزمة السلم والحرب في المنطقة.

خامسًا: لقد تمكن الوفد الفلسطيني من إفشال اقتراح بريطاني، بدعوة مجلس الأمن إلى تثبيت قراري ٢٤٢ و۳۳۸، ونتيجة لفشل الاقتراح البريطاني ورفض المجلس إعادة تثبيت القرارين المذكورين، فقد القراران رقم ٢٤٢، ٣٣٨ كل وزن أو اعتبار أدبي وعملي وقانوني لهما، وهذا إنجاز هام تحقق من خلال المناقشات الأخيرة في مجلس الأمن؛ لأنه يعني سقوط معادلة التسوية التي أفرزتها هزيمة حزيران عام ١٩٦٧.

سادسًا: إن مناقشة قضية فلسطين، أمام مجلس الأمن، قد تمت لأول مرة بعد نكبة عام ١٩٤٨، كما إن منظمة التحرير الفلسطينية قد قامت-لأول مرة-بصفتها ممثلة الشعب الفلسطيني، بطرح القضية على المجلس، عملًا بأحكام المادة ٣٧ وليس بمقتضى المادة ٣٩، وهذا يعني إقرارًا من المجلس بأن قضية فلسطين أصبحت قضية عالمية من الدرجة الأولى، تتعلق بقضية الحرب والسلم في العالم، وإقرارًا من المجلس أيضًا بأن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل شعبًا له كيان سياسي، وقضية وطنية، وكفاح مشروع.

س- هل تقدم الوفد الفلسطيني بمشروع قرار خاص به؟

ج- نحن، كما سبق وذكرت، لم نطرح قضية فلسطين على مجلس الأمن، ولذلك حرصنا منذ البداية، على ألا نتقدم بمشروع قرار لوعينا أن مصلحة قضيتنا تقتضي في هذه المرحلة تعميق وعي الرأي العام الدولي، على عدالة كفاحنا وحقوقنا الثابتة والوطنية في فلسطين، وحيث إننا نعرض المراحل التي تمر بها صياغة القرارات والاعتبارات التي تؤخذ بالحساب في مجلس الأمن، بصفته يختلف في تركيبه ونوعية قراراته عن الجمعية العامة، فإننا قد أعلنا منذ البداية، للمجموعة العربية و مجموعة دول عدم الانحياز وأعضاء مجلس الأمن، بأن موقفنا من أي قرار، أو مشروع قرار، يتحدد في ضوء انسجامه مع موقفنا المبدئي والثابت، الذي عبرت عنه كلمتنا، التي ترتكز على التزامنا بمقررات المجلس الوطني الفلسطيني، القائمة على رفض قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، ورفض الاعتراف بالعدوان والاغتصاب لحقوقنا الثابتة والوطنية في فلسطين.

وحينما تقدمت ست دول من أعضاء المجلس بمشروع قرار، أعلنا تحفظنا واعتراضنا على بعض بنوده، وسجلنا ذلك إعلاميًا، ومن خلال اتصالاتنا مع مختلف الوفود، ولكن الدول الست، صاحبة المشروع، كانت حريصة على تقديمه للتصويت، لئلا تحقق «إسرائيل» كسبًا من وراء عدم تقديم مشروع قرار للمجلس، وكذلك بالنسبة لأمريكا التي حاولت ممارسة الضغوط من أجل ألا تتقدم هذه الدول بمشروع قرار لكي تتجنب فضيحة الفيتو، وبالفعل، تقدمت الدول الست وهي بنين، ورومانيا، وبنما، والباكستان، وتنزانيا، وغويانا، بمشروع قرارها، وجرى التصويت عليه، ونال تسعة أصوات، واستخدمت أمريكا الفيتو ضد القرار المذكور، بينما لم تشترك كل من الصين وليبيا في التصويت.

 وبعد التصويت على القرار أعلنا مرة أخرى أن المناقشة في مجلس الأمن قد سجلت كسبًا لقضيتنا، تجاوز في مضمونه ومداه مشروع القرار المقدم.

س- ما هي، في رأيكم، نتائج استخدام الفيتو الأمريكي؟

ج- إن أهم نتيجة للفيتو الأمريكي، هي كشف مدى العزلة السياسية التي تعاني منها كل من أمريكا و«إسرائيل»؛ فقد صوتت كل من اليابان وفرنسا ضد الموقف الأمريكي، وهذا كسب نسبي وتطور إيجابي لمصلحة القضية العربية، كما إن أمريكا وسياستها في المنطقة قد تعرت تمامًا، وهي سياسة معادية للأمة العربية والشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وإن هذه الحقيقة تفرض على القادة العرب، الذين ما زالوا تحت وهم تغيير السياسة الأمريكية، أن يراجعوا مواقفهم، وأن يتصدوا بحزم للسياسة الأمريكية القائمة على دعم العدوان والاغتصاب الصهيوني لأرضنا وحقوقنا.

س- ما هو أثر مناقشات مجلس الأمن على التسوية الأمريكية المطروحة في المنطقة؟

ج- إن منظمة التحرير الفلسطينية رفضت منذ البداية وما زالت، التسوية الأمريكية المطروحة في المنطقة، وقد تصدت عمليًا، وبمختلف الوسائل، وعلى جميع الأصعدة، لهذه التسوية؛ لأنها تكرس العدوان والاغتصاب لحقوقنا، وقد سجلنا في هذا السبيل خطوات هامة وأساسية في قمتي الجزائر والرباط، وفي الأمم المتحدة، ولقد أسفرت مناقشات مجلس الأمن الأخيرة عن سقوط عملي لهذه التسوية، حينما رفض مجلس الأمن إعادة تثبيت قراري ٢٤٢، ۳۳٨، وبذلك، فلا هذه التسوية ومنطقها ومعادلتها وإطارها أصبحت واردة، ولا تتمتع بتأييد دولي، وهذا يعتبر نصرًا جديدًا في مجال النضال السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

س- هل تعتقدون بجدوى القرارات الدولية لحل قضية فلسطين حلًا عادلًا ينسجم مع أماني الشعب الفلسطيني؟

ج- نحن، في هذا المجال، ليست لدينا أية أوهام: فنحن نؤمن أن القرارات الدولية والنضال السياسي وحده لا يحرر الأوطان، ولا يسترد الحقوق؛ ولكن في الوقت نفسه نؤمن أن تحقيق أكبر عزلة دولية على العدو وحلفائه، وتوسيع قاعدة الأصدقاء لكفاحنا العادل، يوفران مناخًا أفضل وتفهمًا أعمق لثورتنا المسلحة.

 إن الصهيونية تتناقض، عقيدة وممارسة ووجودًا، مع الشرعية الدولية، وهي لم تلتزم بقرار دولي واحد، ولكن النضال السياسي، المرتكز على الرؤية الثورية الواعية، يدعم الكفاح المسلح ويكشف حقيقة العدو الصهيوني أمام الرأي العالمي، ويفقده ساحات هامة كان يمارس فيها تضليله ومناوراته ضد شعبنا وأمتنا.

س- كيف كان موقف الدول الاشتراكية والصديقة في مجلس الأمن؟

ج- إن الدول الصديقة، وفي مقدمتها دول المنظومة الاشتراكية والدول غير المنحازة، قد لعبت دورًا بارزًا في إظهار مركزية قضية فلسطين في صراع الشرق الأوسط، وقد لعب الاتحاد السوفياتي دورًا إيجابيًا ومؤثرًا في فضح المناورات والممارسات، التي قامت بها كل من أمريكا وبريطانيا، وإن إجماع المراقبين كان واضحًا في أن مناقشات مجلس الأمن قد حققت مكاسب سياسية وإعلامية بعيدة المدى لقضيتنا، ولا شك أنها ستنعكس على سلوك ومواقف هذه الدول في المستقبل، بما يوفر مزيدًا من الدعم والتأييد لقضية فلسطين والقضية العربية.

س- ما هو منظور منظمة التحرير الفلسطينية لآفاق المستقبل، بعد مناقشة مجلس الأمن الأخيرة؟

ج- إن منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال التزامها بميثاقها وبمقررات المجلس الوطني الفلسطيني، تعمل على تعميق الوحدة الوطنية وتصعيد الكفاح المسلح والجماهيري في داخل الوطن المحتل، واستمرار النضال ضد محاولات وسياسات القوى الإمبريالية، التي تستهدف تصفية قضية فلسطين لمصلحة العدو الصهيوني، وهي تناضل بجميع الوسائل لتحقيق أهداف شعبنا، لا يمكن أن تعتبر النضال السياسي بديلًا عن الكفاح المسلح، وستعمل على الإفادة من جميع وسائل النضال السياسي والدبلوماسي لتوفير الدعم والمشروعية الواسعة لثورتنا المسلحة المستمرة.

إن الثورة الفلسطينية، بعد أن نجحت في إفشال المؤامرة على وجودها في لبنان، وبعد أن أثبتت تصميمها على التصدي لجميع المخططات التي تستهدف تحجيمها وإضعافها والنيل من إرادتها، سوف توسع من نضالاتها في داخل الوطن المحتل، وسوف تتصدى لأي محاولات تستهدف الالتفاف على مكاسبها ومنجزاتها، مهما كان مصدر هذه المحاولات والمخططات.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1976، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1978، ص33، 34، 35.

وفا، النشرة الأولى، بيروت، 15/2/1976 ص ٥.