الرئيسية » تصريحات وبيانات »

حديث صحفي خاص للسيد أبو الحسن، أحد قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول موقف الحركة من بعض المسائل الراهنة

حديث صحفي خاص للسيد أبو الحسن، أحد قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، حول موقف الحركة من بعض المسائل الراهنة

الشعب، الجزائر، 1/1/1970

س – كان من المعروف أن الثورة المسلحة الفلسطينية بقيادة (فتح) ترفض المؤتمرات والتجمعات، وتعتبر أن البديل الوحيد والأجدى هو الكفاح المسلح، فلماذا حضرتم مؤتمر القمة العربي الخامس بالرباط؟

ج – إن جدول أعمال المؤتمر الخامس، كان كله يتعلق بالقضية الفلسطينية والثورة الفلسطينية، ولا يمكن أن تبحث هذه القضية، في غياب أهلها وثورتها، خاصة بعد أن تمكن الشعب الفلسطيني من فرض كيانه الثوري، واستعاد زمام المبادرة في شؤون قضيته على المستويات الجماهيرية، والدولية، وكان لا بد من تكريس ذلك، على المستويات العربية الرسمية، بمؤتمر القمة العربي، لأننا لا يمكن أن نقبل البحث في أي شأن يتصل بقضيتنا وشعبنا وثورتنا ووطننا، في غيابنا، لا بد أن تكون لنا الكلمة النهائية في كل ذلك.

س – فما هي النتائج التي حصلتم عليها من المؤتمر إذن؟

ج – إن النتائج الأساسية التي تحققها الثورة الفلسطينية هي تلك التي يتم تحقيقها في ميدان القتال، ومن خلال فوهات البنادق، والكفاح المسلح والنضال، أما المؤتمرات فإنها تشمل بعض الأمور السياسية والمالية، فبالنسبة للنواحي السياسية فقد أثبتت الثورة الفلسطينية وجودها السياسي الثوري في مؤتمر القمة، خصوصًا أن هذا هو أول مؤتمر قمة تحضره الثورة الفلسطينية، أما الأمور المالية فإنها ستكون نتيجة طبيعية لنضالنا الشامل المتفاعل؛ من أجل دعم وحماية الثورة على كافة المستويات فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا، ومتلاحمًا بالجماهير؛ فالنضال كفيل بتأمين الاحتياجات المالية، ومع كل هذا فإن أهم نتيجة خرجنا بها هي المزيد من الثقة في حرب التحرير الشعبية، وأفكار ومبادئ وطريقة عمل الثورة الفلسطينية.

س – مرت الثورة المسلحة الفلسطينية، بقيادة (فتح)، بعدة مراحل، فما هي الآفاق الإعلامية والعسكرية والسياسية والأيديولوجية في خط الحركة الآن، وفي سنتها الجديدة؟

ج – إن نجاح الثورة الفلسطينية، في إثبات وجودها النضالي في الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي، رتب على هذه الثورة مسؤوليات سياسية وإعلامية واسعة النطاق، وعلى كافة المستويات العربية والدولية.

إن العصر الذي نعيش فيه لا يحترم الضعفاء ولو كان الحق معهم، إن الحق-حتى يسمع ويحترم-لا بد أن يقرن بالبندقية، هذا هو مع الأسف واقع الأمور، إن بروز الشخصية الفلسطينية الثورية من خلال نضالها وكفاحها المسلح والإرادة العنيدة التي مارسها الشعب الفلسطيني، وثورته في هذا النضال؛ من أجل تحرير وطنه قد فرض على آذان العالم أن تسمع كلامنا وتنتبه إلى الظلم الواقع علينا، والحق الطبيعي الذي يناضل شعبنا من أجله، وهذا بالطبع ينقلنا سياسيًا وإعلاميًا إلى ممارسة مسؤوليات كبيرة؛ للتحرك على كافة المستويات لتحقيق التحول السياسي والإعلامي، إلى صالح أهداف شعبنا في تحرير فلسطين من الوجود الإسرائيلي، خصوصًا أن الشعوب تؤيد الحق بطبيعتها إذا نقل إليها بصراحة وموضوعية.

 إن الثورة الفلسطينية ووجودها القوي الذي يقوى باستمرار، قد خلق مناخًا صالحًا للتحرك السياسي والإعلامي، وبدأت تظهر بوادر كثيرة في اتجاهات الشعوب لصالح الشعب الفلسطيني وحقه في وطنه المحرر، وعلينا أن نوجد هذه المسؤوليات لنمارس دورنا الطبيعي كحركة تحرر وطني واضحة الأهداف، أما في الأمور العسكرية، فكل ما يمكن قوله هو إن الثورة الفلسطينية، ستظل عاملة على زيادة وتمتين إمكاناتها من أجل توسيع وتعميق فعاليات الإمكانات المتوفرة لديها؛ لزيادة فعالية عملها كمًَا ونوعًا، والانتقال بنضالنا العسكري إلى مرحلة أكثر تطورًا وفق إستراتيجية حرب التحرير الشعبية الطويلة المدى، حتى النصر النهائي، وفيما يختص بالأمور الأيديولوجية، فإنها ستبقى ضمن القواعد الفكرية والعلمية المتصلة بمرحلة التحرر الوطني وضمن نظرية الثورة الفلسطينية، التي أعلنتها (فتح) قولًا وممارسة على كافة المستويات:

أ – الدولة الفلسطينية الديمقراطية الخالية من أي تمييز عنصري، أو ديني، التي يتمتع فيها المواطن الفلسطيني (المسلم والمسيحي واليهودي)، بحقوق المواطنية على أساس العدل والمساواة أمام القانون.

ب – إن الأرض لم يحررها.

ج – المباشرة في إيجاد إطارات شعبية فلسطينية إنتاجية، يكون كل إنتاجها للثورة الفلسطينية لخلق التفكير العملي القائم على العدل الاجتماعي والمشاركة الاجتماعية من أجل الثورة تحت شعار:

  • كل شيء من أجل الثورة.
  • الثورة من أجل الشعب.
  • الشعب والثورة من أجل تحرير فلسطين.

س – إلى أين وصلت محاولات توحيد قطاعات الثورة المسلحة الفلسطينية، وما مدى الصعوبات التي تواجه ذلك؟

ج – إن الظروف التي تعيشها الشعوب المستعمرة، وتعدد التناقضات المسيطرة عليها، تؤدي إلى قيام عدة جهات ثورية مختلفة الحجوم تناضل بمنطلقات مختلفة، فبعد أن حققت حركتنا بقيامها إيجاد التنظيم الشعبي الطلائعي الفعال، القادر على تنظيم الجماهير وتشكيل المحور الأساسي والعمود الفقري لنضال الشعب الفلسطيني، اتخذت قرارًا بالبدء بتوحيد أداة الثورة الفلسطينية حتى لا يزداد عدد الجهات والمنظمات العاملة في الساحة، فعملنا على المساهمة في تكوين مجلس وطني فلسطيني يمثل جميع الجهات العاملة في الساحة الفلسطينية، وأخذنا قرارات بتجسيد وحدة أداة الثورة على ثلاثة مستويات:

1 – قيادة سياسية واحدة تمثل الجميع، وهي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

2 – قيادة تجسد وحدة الأداة العسكرية، في التخطيط والإعداد والمجابهة، وهي قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني.

3 – دائرة تعمل على توحيد الجباية المالية.

إن المخطط الذي وضعته حركتنا يعتبر من الناحية النظرية حلًا مثاليًا، خاصة أننا حتى نشعر الآخرين بمشاركتهم لنا ومشاركتنا لهم العمل الثوري للتحرير، حرصنا دائمًا على ألا نمثل بأكثر من ثلث الأصوات والمقاعد، إلا إن هناك صعوبات برزت حتى الآن في الطريق شدت العمل الثوري ولم تعطه الحرية، والمجال للقفز السريع إلى الأمام، وهذه الصعوبات منشؤها التناقضات القائمة بين المنظمات والجبهات التابعة في واقع الأمر إلى دول عربية، وهو حال معظم الجبهات.

إن حركتنا (فتح)، قادرة بحكم كونها غير خاضعة وغير تابعة وغير موجهة من أحد، على التعاون مع الجميع، إلا إن قيادة الكفاح المسلح قد حققت حتى الآن حدًا أدنى من التعاون، فقضت على كثير من السبيات التي كان بالإمكان أن تؤدي إلى كوارث لو سمح لها بالاستمرار أو الامتداد.

إننا نحاول الآن أن ننظم الجبهة الشعبية التابعة لجورج حبش في قيادة الكفاح المسلح، ونأمل أن تتمكن كافة الجهات العاملة في الساحة الفلسطينية أن تدرك أن مرحلة التحرر الوطني تفرض علينا أن نواجه جميعًا، التناقض الأساسي وهو الاستعمار والصهيونية، وأن نجمد كل المشاكل التي تؤدي إلى قسم الجبهة الداخلية، وأن نؤجل طرح ما لم يحن وقته بعد، إلا إننا واثقون من أننا سنكون في السنة القادمة، قادرين على تطوير قيادة الكفاح المسلح، وجعلها قادرة على تجسيد وحدة المناضلين.

س – ما موقفكم من الأحكام التي صدرت في حق الفدائيين الفلسطينيين، بسويسرا؟

ج – إن هذا الحكم، ظالم غير عادل وغير إنساني، لقد كان هناك تمييز واضح في نوعية الحكم الذي صدر على الصهيوني رحاميم مردخاي، الذي قتل أحد الفدائيين غيلة وغدرًا، كان هذا الفدائي قد ألقى سلاحه وسلم نفسه للبوليس السويسري، كما شهد بذلك كل الشهود الذين أدلوا بشهاداتهم وشاهدوا الحادث، لقد نظروا إلى مردخاي نظرة سياسية تعصبية، ونظروا إلى الفدائيين نظرة مدنية، والموقف الحقيقي، هو العكس تمامًا، إن هذه الأحكام التي صدرت بحق الفدائيين أنهت أسطورة الحياد السويسري وأبرزت مدى التغلغل الصهيوني في الأوساط السويسرية المسؤولة، وأكدت صحة كل مواقفنا الثورية القائمة على أن الكفاح المسلح هو الطريق الحتمي والوحيد لتحرير بلادنا.

س -  ما هي النتائج التي ترتبت عن حوادث لبنان الأخيرة؟

ج - لا مصلحة للواقع العربي في ضرب الثورة الفلسطينية ولا مصلحة للثورة الفلسطينية في خوض معارك جانبية، إذا لم يقع التدخل في شؤونها، لقد أعادت الثورة الفلسطينية إلى الإنسان الفلسطيني كرامته وشعوره بوجوده العزيز، وحقه المطلق في النضال من أجل تحرير وطنه، كما حققت هذه الثورة التحام الجماهير الفلسطينية بثورتها، ولم يعد بإمكان أحد أن يفصل بين الثورة وبين جماهيرها، وإننا نؤكد أن من يقف مع الثورة فهو صديقها، ويجب التعاون معه، ومن يقف ضدها فهو عدوها ويجب صرعه، إننا لن نوجه رصاصنا لأحد، ولكنا لن نسمح لأحد بتوجيه رصاصه إلينا.

س –  سبق لأحد قادة (فتح) أن صرح قائلًا إن هذه الحركة ليست يسارًا ولا يمينًا، وإنها تخوض الكفاح المسلح ضد الصهيونية وقوى الإمبريالية العالمية التي وراءها، وإنها حركة تقدمية ثورية، فكيف تفسرون هذا الرأي؟

ج - من الواضح أن الشعب الفلسطيني هو اليوم في مرحلة تحرر وطني، أي مرحلة صراع مع الاستعمار والإقطاع (إن وجد)، وأسلوب مرحلة التحرر الوطني يدور حول كيفية جر أوسع قاعدة من الجماهير إلى ممارسة الكفاح المسلح، وصرع الاستعمار.

إن من المشاكل الأساسية في الوطن العربي هو عدم احترام المعنى الدقيق للكلمة، والضياع في شعارات وأفكار جانبية، لا تؤدي إلا إلى الدوران في حلقة مفرغة تؤدي إلى الإغماء، إن حركة (فتح) لا يمكن-بحسب ما تؤديه من دور-أن يقال عنها إنها فى صف اليسار العربي أو يمينه؛ لأنها حركة تخطت الواقع العربي بكل أفكاره ومؤسساته، أي إنها تخطت اليسار العربي التقليدي، ناهيك عن اليمين، ولذلك فإن (فتح) ليست اليسار العربي التقليدي في  الساحة الفلسطينية، إنها حركة التقدميين الجدد في الساحة الفلسطينية، إن حركتنا بتصديها لأكثف مؤسسة رجعية بدائية المبدأ في العالم الحديث (الصهيونية) حركة تمارس التصدي من أكثر المواقع التقدمية، بحيث أصبح اليسار العربي التقليدي في موقع متأخر كثيرًا من الساحة الفلسطينية.

 إن المتتبع لسير العمل الفلسطيني، ولبعض الجهات العاملة فيه، ولتاريخ الثورات، سوف يلاحظ أنه لم يكن في الثورات طريق للهروب من حل المشاكل المعقدة، إلا هروب يساري، ومن هنا كان لا بد لحركتنا من أن ترفض الهروب اليساري، حتى تضمن الانتقال إلى حالة جديدة من الوضع التقدمي للشعب الفلسطيني، ومن هنا كان لا بد من قيام حركتنا لتقود قطاعات الشعب الطيبة؛ لتمارس دورها في الثورة وتجمد كل التناقضات لصالح تفجير التناقض الأساسي، وهو التناقض بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني الإسرائيلي، ولا بد لكافة القوى الشعبية أن تضع طاقاتها لتحقيق النصر في مرحلة التحرير، وضمن إطار مرحلة التحرر الوطني.

 إن انتصار الثورة الفلسطينية بتحرير فلسطين هو انتصار تاريخي حاسم ضد الصهيونية العالمية والإمبريالية والاستعمار، بكافة صوره وأشكاله، إن مثل هذا الانتصار هو قطعًا انتصار إلى الأمام، وكذلك الثورة الفلسطينية، أداة النضال لتحقيق هذا الانتصار، فإنها لا يمكن إلا أن تكون قوة تقدمية لأنها تعمل لتحقيق هدف تقدمي، وعلى هذا الأساس فإن (فتح) ليست يمينًا ولا يسارًا بالمعنى التقليدي المتداول، وإنما هي قوة تحرر وطني، أي حركة تقدمية بأهداف تقدمية، وتستعمل الكفاح المسلح كطريق لتحقيق هذا الهدف، ولا نعتقد أن هناك تقدميًا أكثر تقدمية من ذلك الذي يقاتل ويستشهد من أجل تحقيق هدف تقدمي، ولا نعتقد أن هناك هدفًا تقدميًا أكثر من إعادة الوطن إلى الجماهير وإعادة الجماهير إلى وطنها، لتبني مجتمعها تحت شعار (فتح): الأرض لمن يحررها، إن كل حركة تحرر وطني بحاجة إلى طليعة ثورية تبدأ العمل وتمارسه، وليس بالضرورة أن تكون هذه الطليعة حزبًا سياسيًا.

 إن (فتح) ليست حزبًا، ولكنها طلائع ثورية، أدركت واقع الشعب الفلسطيني قبل غيرها، وأدركت الطريق الحقيقي لإنقاذ الشعب الفلسطيني من هذا الواقع، وضرورة توحيد جهوده للعمل المباشر من أجل قضيته قبل غيرها، ورفعت شعار الكفاح المسلح الشعبي قبل غيرها، وحولت كل إدراكها وأفكارها إلى عمل في 1/1/1965 قبل غيرها، لقد اتهمها الواقع العربي بكل التهم، واستهتر بها وبأفكارها وبنظرياتها الفكرية والسياسية والعملية، ثم وقعت هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) لتثبت صحة مواقف حركة (فتح) الفكرية والسياسية والعملية، إن (فتح) بذلك كله، هي الطليعة الثورية للشعب الفلسطيني، أي هي التي كانت أول من فكر بالتحدي، وأول من حولت الفكر إلى عمل بالتحدي، وأول من مارست العمل بتحد، وأول من عبرت فكرًا وعملًا عن المصالح الحقيقية للشعب الفلسطيني، وبتحد، وأول من نظرت إلى الشعب الفلسطيني من منظار الشخصية الفلسطينية الثورية، وهي أول من أعادت للشعب الفلسطيني شعوره بقدراته الذاتية، فخلقت التيار التحريري النضالي، وأعادت الشعب الفلسطيني إلى مناخ النضال وواقع الثورة الذي حرم منه من سنة ١٩٤٧ حتى سنة ١٩٦٥.

المراجع:

الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 4، 5، 6، 7.