حديث صحفي خاص للسيد غسان كنفاني حول وضع المقاومة الفلسطينية ما بعد أيلول ۱۹۷۰
حديث صحفي خاص للسيد غسان كنفاني حول وضع المقاومة الفلسطينية ما بعد أيلول ۱۹۷۰
شباط فبراير،1971
س - إن خير ما تعرف به الجبهة الشعبية في العالم غير العربي هو خطفها للطائرات في أيلول ۱۹۷۰، ظهرت انتقادات كثيرة لخطف الطائرات، بعضها انتقادات برجوازية، ولكن هناك انتقادان آخران أود أن أقف عندهما هنا، الأول: انتقاد من جماعة داخل المقاومة الفلسطينية مثل الناطق بلسان اللجنة المركزية، کمال عدوان، ومن جماعة خارجها، وهو أن خطف الطائرات أعطى الملك حسين مبررًا لمهاجمة المقاومة في وقت لولاه لما فعل ذلك، والثاني: انتقاد من جماعة خارج حركة المقاومة، وهو أن خطف الطائرات أعطى الجماهير الفلسطينية شعورًا وهميًا بالقوة والثقة متقدمًا على قوتهم التنظيمية والعسكرية الحقيقية، لذلك كان خطف الطائرات بديلًا من تنظيم الجماهير وحادثًا مسرحيًا شجع الخيال، وليس هذا إنكارًا لأثر الخطف الإيجابي، لإيجاد مستمعين لكم على شاشة التلفزيون تشرحون لهم غرض المقاومة الفلسطينية، هذه النقطة ليست موضع سؤال، ولكن هل تدافعون الآن عن خطف الطائرات؟
ج - أولًا، أقدر رفضك للأخلاقية البرجوازية ولطاعة القانون الدولي، فقد كانتا سبب مأساتنا، والآن أود أن أجيب عن أسئلتك، أريد أن أتكلم عمومًا عن هذا النوع من العمليات، طالما قلت إننا لا نخطف الطائرات لأننا نحب طائرة بوينغ ۷۰۷، بل لأسباب خاصة في وقت معين ضد عدو معين، سيكون من السخف أن نخطف طائرات في الفترة الحالية وننزلها في القاهرة مثلًا أو في الأردن، سيكون لا معنى لذلك الآن، لكن عليك أن تحلل الوضع السياسي الذي قمنا فيه بهذه العمليات، والأهداف التي أردنا تحقيقها، دعنا نستعد الوضع في 23 يوليو تموز قبل عبد الناصر مشروع روجرز، وبعد أسبوع قبلته الحكومة الأردنية أيضًا، وضع الفلسطينيون مرة أخرى على الرف، إذا قرأت الصحف العربية والدولية بين 23 تموز و6 أيلول ترى أن الشعب الفلسطيني عومل تمامًا كما عومل بين 1948 و1967.
بدأت الصحف العربية تتحدث عن بطولة الفلسطينيين، ولكن كم كانوا مشلولين، أيضا وإنه لا أمل لأولئك الأبطال، كانت معنويات شعبنا في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة هابطة جدًا، وفوق ذلك ذهب ولد عن قيادة حركة المقاومة الفلسطينية واللجنة المركزية إلى القاهرة للتفاوض مع عبد الناصر وحكومته، وأمضوا أيامًا وأيامًا يبحثون فيما إذا كانوا سيسمحون لنا بالبدء بإعادة البث من مصر مرة أخرى بعد إغلاق محطتنا في منتصف آب، ثم اشتكى الوفد إلى الجامعة العربية وحاول حملها على البحث في المسألة، قبل ٢٣ تموز كانت الصحف العربية تصور المقاومة الفلسطينية كأمل الشعب الفلسطيني الكبير، وفي الوقت نفسه كان العرب جميعًا يعتبرون جامعة الدول العربية ممثلة لأدنى أشكال السياسة، ولأكثر الهيئات السياسية شللًا في العالم العربي، والآن نحن الذين لدينا أعلى أشكال السياسة نتصل (بالملجأ القذر) للجامعة العربية، ويظهر هذا أن الثورة كانت مهددة بالتصفية، سواء أسحقها حسين ماديًا أم لا، كان الجميع ومن ضمنهم أولئك الذين انتقدوا عمليات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مقتنعين بأن تحطيم المقاومة جزء أساسي من مشروع روجرز.
س- أتوافق على أن عبد الناصر والنظام المصري بدأ ذلك؟
ج- كان النظام المصري بعيدًا خطوة واحدة عن الاشتراك المباشر في هذه التصفية؛ لأنه ليس له اتصال مباشر بالفلسطينيين، وذلك موقف أسلم، إن الطريقة الوحيدة التي يستطيع النظام المصري أن يساعد بها حسينًا كانت أن يبقى صامتًا، وقد فعل ذلك إلى حد أن استطاع مقاومة ضغط الجماهير العربية، خلال الأيام الثلاثة الأولى من القتال في أيلول، ظلت الحكومة المصرية وكل الحكومات العربية الأخرى صامتة؛ لأنها ظنت أن حركة المقاومة لن تصمد أكثر من ثلاثة أيام، ثم اضطرت إلى التحرك لأن الشعب في شوارع مصر وسوريا ولبنان أغضبته المجزرة، ولكن أول خمسة آلاف ضحية فلسطينية سقطت في عمان خلال الصمت، ولم يشتك أحد.
افترض مشروع روجرز تصفية حركتنا، وأوشك ذلك أن يتحقق في جو خنوع فلسطيني، لذلك كان لا بد من عمل شيء، أولًا: لنخبر العالم أننا لن نوضع على الرف مرة أخرى، وثانيًا: لنخبر العالم أن الأيام التي كان فيها الرجعيون العرب يملون على شعبنا قد ولت، ثم كانت هناك مسالة معنويات شعبنا وقدرته على القتال، فما كنا لنستطيع ترك الأمور كذلك والمجزرة جارية، حتى لو كنا قد جلسنا هادئين على أعتاب قصر جلالته وقبلنا يديه.
س- إذن لا تقبلون الفكرة القائلة إن حسينًا نفسه كان غير متأكد مما يفعل، بل أن الجيش اضطره إلى التحرك؟
ج- لا نقبل أبدًا، هذا هراء، لا ريب أن أقسامًا من حركة المقاومة لا تزال تظن أن بالإمكان جعل النظام الأردني حياديًا، ولكن ذلك سخف، أما فيما يتعلق بالحجة القائلة إن خطف الطائرات استفز حسينًا ومهد هجومه، بالجواب المختصر عنها هو: إن النظام الأردني سبق أن أوقف عمليات الفدائيين جنوبي البحر الميت، وحجز القوات المتجهة نحو إيلات، ومنع وحداتنا من الهجوم على سد نهارين في شمالي الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه وضع الجيش الأردني ألغامًا في معظم النقاط التي يقطع منها الفدائيون نهر الأردن، واضطرهم إلى العبور من ممرات معينة فيها مكامن، كانوا على كل حال يرسلوننا إلى القتل، كان كل هذا يحدث قبل مجزرة أيلول، كان مجزرة من نوع آخر.
هكذا كان الاصطدام الحقيقي يقع طوال الوقت، كانوا يمنعوننا من ممارسة حق الوجود، من شن غارات على إسرائيل، ويقمعون نشاطاتنا السياسية في المدن، لذلك لم تكن أعمالنا، ومن ضمنها الطائرات، استفزازًا، بل حركة ثورة تحاول التخلص من الطوق الذي حصرت فيه.
س- كيف كان عملكم سيفعل ذلك؟
ج- كانت نشاطاتنا جميعًا محاولة للتخلص من وضعنا، مثلًا، قمنا بتظاهرات في عمان هتفنا فيها "ليسقط ناصر، ولتسقط مصر!"، ربما كان ذلك خطأ، لكنه كان إحدى الطرق الكثيرة التي حاولنا بها كسر الطوق.
س- كان واضحًا أن حسينًا سيهاجم المقاومة حال قبوله مشروع روجرز، إذن كان لديكم خيار: إما أن تنتظروا حتى يهاجمكم أو أن تهاجموه أولًا، لكن يبدو في الحالين أنكم لم تقصدوا إسقاط حسين، ولم تتصوروا أبدًا أنكم تستطيعون، ألم يكن هدفكم أساسًا المحافظة على وضع المقاومة التنظيمي؟ ألم تكن هذه هي الفكرة وراء خطف الطائرات؟
ج- يجب ألا تفصل خطف الطائرات عن المجال السياسي الكلي، مثلًا، أرسلت "فتح " قاذفي صواريخ إلى غور الصافي جنوبي البحر الميت، ونسفت معامل البوتاس، كنا جميعًا نحاول الانطلاق وإعطاء الجماهير الفلسطينية مزيدًا من الأمل، والقول إن المعركة سائرة.
أردنا أن نضغط على الحكومة الأردنية كي تؤخر هجومها علينا، إن علاقتنا بالحكومة الأردنية ليست قائمة على عقائد مشتركة، بل على الضغط فقط، ليس بيننا أساس مشترك، كانت مسألة توازن قوى، كانت أعمالنا جميعًا، من الخطأ الكبير باللجوء إلى جامعة الدول العربية إلى خطف الطائرات نفسه (الذي كان أعلى أنواع الضغط)، أنواعًا من الضغط، ومن ناحية أخرى، كان هناك طبعًا أفراد ومنظمات داخل المقاومة يعتقدون إمكان خلع الملك، فكانوا مخطئين.
س - مع ذلك ألم تعتقدوا أنكم تستطيعون إسقاط الملك بالانتظار حتى يهاجمكم؟ كأن يظن أن الشعب سيتحد باتخاذ موقف دفاع مبدئي.
ج - هذه كانت مشكلتنا، كما في أزمة المقاومة والحكومات العربية العسكرية، كانت كلها في أزمة، هي ثمن مشروع روجرز، لو قررنا قتال حسين لاخترنا الوقت والمكان، ولكن حسينًا هاجمنا فلم يكن لنا خيار، بل كان علينا أن نحارب في الوقت والمكان اللذين اختارهما.
هكذا كان خطف الطائرات جزءًا من واقع شائك جدًا، كون منذ تموز۱۹۷۰ حتى الآن خريطة العرب والفلسطينيين، كنا في زاوية، وكان لدينا طريقان ممكنان للخروج منها، إما أن ندافع عن أنفسنا ضد حسين حتى النصر، أو "أن نخسر المعركة بربحها" إذا قمنا نحن بمهاجمة حسين، ولكن النتيجة لم نقررها وحدنا بل قررها أيضًا الجانب الآخر الذي كانت لديه خطط أكثر مما لدين، عليك أن تتذكر أن حسينًا أراد أن يثبت للأمريكيين أنه لا حاجة إلى خلق دولة فلسطينية، كان الأمريكيون يفكرون في المجيء بضابط من نوع سوهارتو يحل محل الملك حسين بانقلاب في عمان، وكان الإسرائيليون يبحثون في هذا أيضًا، فكان على حسين أن يستعيد هيبته، وقد فعل، فغير نيكسون رأيه، واعتقد الأمريكيون ثانية أن حسينًا قادر على معالجة الوضع.
وفيما يتعلق بخطف الطائرات فقد كانت أهميته السيكولوجية أعظم كثيرًا من أهميته العسكرية في هذه المرحلة من الثورة، فلو كنا في المرحلة النهائية من الثورة، أو في مراحلها الأولى المتقدمة، وخطفنا الطائرات، لكنت أول من يستنكر ذلك، لكن في المرحلة الإعدادية للثورة تكون للعمليات العسكرية أهميتها السيكولوجية.
س- ألهذا ما زلتم تظنون أنكم كنتم مصيبين في خطف الطائرات؟
ج- أظن، عمومًا، إن هذه العمليات كانت صحيحة، ربما ارتكبنا بعض الأخطاء التكتيكية، وربما كان علينا أن نشرك المقاومة الفلسطينية بأسرها في مسؤولية أكثر عنها، وعندها لو قررت بعد ساعتين إطلاق سراح الطائرات لربما كان علينا أن نطلقها، ربما كان علينا ألا نكون عنيدين، لكنك لا تستطيع أن تتصور ما عاناه كل ذلك للشعب في ذلك الوقت.
سألت إن كان خطف الطائرات قد خلق جوًا بين الجماهير الفلسطينية، لم تكن المقاومة قادرة على استيعابه وتنظيمه، ربما كانت الحالة كذلك، لكن لو إن صح هذا فقد حاربنا اثني عشر يومًا في أيلول، وأجبرنا الجيش الأردني على خوض أطول حرب في تاريخه بسبب ما فعلناه.
س- في أيلول اعتقد كثيرون من المعلقين أن المقاومة الفلسطينية لن تستطيع أن تنتصر حتى لو انقسم الجيش الأردني وانضم قطاع منه إلى المقاومة، أو تدخل نظام عربي خارجي-سوريا أو العراق–وساعد.
س- هل انتظرتم حدوث أي من ذلك؟
ج- أظن أن أيًا من الحالين لم يكن ليكسب المقاومة نصرًا، إن الأحوال في حرب العصابات مختلفة، والمهم هو هدف كل عمل محدد، كان هدف النظام الأردني القضاء التام على المقاومة، أما هدف المقاومة فلم يكن الإطاحة بهذا النظام بل مجرد الضغط عليه، لم ينجح أي من هذين الهدفين، ولذلك لم ينتصر أي من الفريقين، طبعًا كان علينا أن نتنازل عن بعض المراكز ونعمل سرًا ، لكن المعركة ما زالت دائرة، والارتداد إلى النشاط السري أو إلى الجبال ما هو إلا ناحية تكنيكية من تنظيم توازن القوى.
س- أتنكر أن كلًا من إمكان العمليات ضد إسرائيل من الأردن، ومجال مناورات المقاومة السياسية العسكرية داخل الأردن، قد أنقص كثيرًا بحوادث أيلول؟ ألا تواصل الملكية الهاشمية محاولة نزع سلاح الميليشيا في عمان، والفوز بسيطرة مباشرة على مخيمات اللاجئين والمواقع الأخرى القوية؟
ج- أعرف، لا أنكر أن النظام الأردني ربح بعض المناطق واضطرنا إلى التقهقر، لكن أود أن أشير إلى أمرين كي أضع حوادث أيلول في إطارها، نجح النظام الأردني تقريبًا في منعنا من القيام بأي غارات على إسرائيل قبل أيلول، فلم يكن ذلك نتيجة أيلول بل أحد العوامل التي أدت إليه.
كان علينا أن نخبر شعبنا أننا نفعل شيئًا، لم نستطع أن نقيم في عمان ولا أن نفعل شيئًا، والآن نحن في الجبال، في مرحلة إعدادية، وقد اتخذت الثورة شكلًا أكثر واقعية مما كانت عليه، حين ظن الشعب أنها في مرحلة متقدمة جدًا، أنا ضد القول إننا قد هزمنا؛ لأن قوتنا الحقيقية في الماضي كان مبالغًا فيها، والآن لنا حجم متناسب مع قوتنا، لم يكن لدينا أبدًا مجال للمناورة أمام شعبنا والرأي العام العالمي، ولم يكن لبعض القادة مثل هذا المجال حتى أمام المناضلين.
إن استرجاع توازن القوى السابق مع الحكومة الأردنية سيستغرق وقتًا طويلًا، وسنستمر في الانسحاب حتى يتوفر لنا فهم صحيح لقوتنا، هناك أمثلة كثيرة في التاريخ لشعب يحمل البنادق ويعيش في الجبال، فيكمن لشاحنة ويطلق النار على جندي ولا يحقق شيئًا آخر، هذه هي مشكلتنا، ويجري نقاش حولها داخل المقاومة، لا ريب أن الجبهة الشعبية متهمة برفضها تسليم سلاح الميليشيا، والواقع أنني أعتقد أن مناضلي "فتح" لن يسلموا سلاحهم.
س– إلى أي حد غيرت الجبهة الشعبية إستراتيجيتها منذ أيلول؟ روي أن جورج حبش قال إن الوقت قد حان للإطاحة بالمملكة الهاشمية، أهذا صحيح؟
ج– طالما أصرت الجبهة الشعبية على أن لنا أربعة أعداء متساوين: إسرائيل، والصهيونية العالمية، والإمبريالية العالمية تقودها الولايات المتحدة، والرجعية العربية، فإن إسقاط هذه الأنظمة الرجعية العربية جزء من إستراتيجيتنا، من تحرير فلسطين، ويجب أن يكون إسقاط النظام الأردني جزءًا من برنامج جبهة تحرير وطني فلسطينية، علينا أن نفعل ذلك، لكن ليس من الضروري غدًا، كنا نصر دومًا على الحاجة إلى فعل ذلك، لكن يجب أن يكون جزءًا من سياسة إستراتيجية عامة.
س– مضت على حوادث أيلول حتى الآن خمسة أشهر، ما هي، في رأيك، آثار ذلك في الشعب الفلسطيني؟
ج – من الطبيعي أن يترك بعضهم في فترات القتال الشديد، إن فترات الصراع المتقدمة تجذب الناس الذين ينضمون إليه لأنهم لا يدفعون ثمن الانضمام إلى الثورة. يظلون في بيوتهم، ويواصلون الذهاب إلى أعمالهم، وإذا كان أحدهم يدرس في جامعة دمشق مثلًا، يستطيع أن يأخذ إجازة سنة ليعمل مع المقاومة، ومن ناحية أخرى، تبلور صدمات كصدمة أيلول قوة الثورة، لأنهم اضطروها إلى اللجوء إلى الجبال.
هناك الآن فدائيون يعيشون في غابات عجلون في شمالي الأردن، إنهم يعيشون في كهوف على ماء وطعام محدودين، وذخيرة محدودة، في هذا الوضع لا نستطيع أن ننتظر من الألوف الذين انتشروا في عمان بالزي الخاكي حاملين الكلاشينكوف أن يحيوا هذا النوع من الحياة، إن التنظيم والتجنيد في المدن يختلفان عن ذلك، كان لنا مكتب معروف، وكنا نستطيع تجنيد الشبان وتدريبهم في المخيمات علنًا، الآن لنا علاقات مختلفة بالجماهير: لا نلبس الخاكي، ولا نسير في الشوارع، ولا نلقي خطابات في المخيمات، علينا أن نعمل بطريقة مختلفة، وهنا يصبح الحزب ضروريًا تمامًا، ومع أن الوضع صعب في الجبال إلا أنه أصعب في المدن، كثيرون لديهم الإحساس البورجوازي بالسرعة، ولكننا الآن في مرحلة تراجع، وليس هذا خطأ عسكريًا وسياسيًا، ولا خطرًا، ولكنه يشكل مشكلات سيكولوجية بسبب الحاجة إلى إبقاء الشعب معنا، بعض العناصر في الضفة الغربية يطالبون الآن بدولة فلسطينية، عرفنا أنهم كانوا يبحثون في هذه الخطة سرًا فيما بينهم طوال ثلاث سنين بعد حرب حزيران، وكانوا على اتصال بالإسرائيليين وبالعرب الرجعيين والإمبرياليين، ولم يجرؤوا على طرح هذا المشروع علنًا إلا بعد أن أجبرت حركة المقاومة على التقهقر.
وفي الوقت نفسه جعلت حوادث أيلول الجماهير في الضفة الغربية تدرك ما تعنيه عودة حسين، فقد كان رد فعل الشعب تحت الاحتلال ودون تنظيم ملائم القول: "كل شيء إلا عودة حسين"، إن دولة فلسطينية بالنسبة إلى الضفة الغربية خير من عودة نظام الملك حسين، لكن هذا رد فعل مؤقت ناتج عن صدمة نفسية.
أما غزة، فقصة مختلفة تمامًا، كانت المقاومة دفاعية في الضفتين الغربية والشرقية، ولكنها تصاعدت فجأة في غزة بطريقة رائعة، كان للجبهة الشعبية أكبر النفوذ في غزة، ولذلك أخذنا نعمل، دعني أذكر قضية واحدة معينة، هي قضية يوسف الخطيب، كان رئيس عمليات الجبهة الشعبية العسكرية في غزة، وقد قتل في أوائل تشرين الثاني، فاستمرت اضرابات الجماهير وتظاهراتها في المدينة ستة أيام، حتى عرف كل واحد أن الرجال ما زالوا يقاتلون، رفع ذلك مستوى القتال في غزة وإن كان قد زاد إصاباتنا أكثر مما كانت من قبل.
س- ما الذي سبب تعاظم روح النضال في غزة؟
ج- عدد سكان غزة 360000 نسمة، معظمهم فلسطينيون لاجئون، إن الناس في غزة خبراء بالسلاح، لقد دربهم عليه جيش التحرير الفلسطيني في زمن الحكم المصري، خلافًا للضفة الغربية، وهناك عامل آخر، وهو أن حركة القوميين العرب قمعها المصريون في غزة، لكن ليس إلى الحد الذي تم فيه قمعها في الضفة الغربية، وحين احتلت غزة كانت الحركة القوميين العرب خلايا فيها، بينما سلم حسين الضفة الغربية للإسرائيليين "نظيفة"، كما قال هو نفسه، فلم تكن فيها خلية واحدة، ولذلك كان لنا في غزة حد أدنى من الخلايا نبدأ به، وهناك أيضًا عامل نفسي، وهو أن غزة محاطة من الغرب بالبحر، ومن الجنوب بسيناء، ومن الشرق بالنقب، ومن الشمال بدولة إسرائيل، أي: إن الفلسطينيين فيها محاصرون نفسيًا وقد اعتادوا المشقة، أما في الضفة الغربية، والاتصالات كانت أسهل كثيرًا في الأشهر الأولى من الاحتلال، وكان إرسال المال والرجال والسلاح إلى المنطقة أبسط، إن الناس في الضفة الغربية اعتادوا الطرق الأسهل، ولم يكونوا قادرين على مقاومة الإجراءات الإسرائيلية المضادة، كانوا في غزة أصلب وأبرع، وعامل آخر، وهو أن النظام الأردني في عمان استمر في دفع رواتب المعلمين ورجال التحري وموظفي الدولة وأشباههم، وهي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها نظام رجعي المحافظة على ولاء هؤلاء الناس له، والإسرائيليون أيضًا دفعوا رواتب لهؤلاء الناس، ليس صحيحًا أن معظمهم كان ضد المقاومة، ولكنهم كانوا ولا شك لا يشعرون بضغط، بينما الناس في قطاع غزة كانوا تحت ضغط شديد.
أود الآن أن أقدم بعض التعليقات الأخرى العامة، في كل ثورة موجة حماسة أولية تهدأ بعد فترة لأن جذورها ليست عميقة، أظن أن أول موجاتنا وصلت ذروتها في الكرامة في آذار 1968، وبعدها بدأنا ننحط لأننا كنا نرجع إلى حجمنا الحقيقي، هناك دومًا في فترات الانتكاس هذه انقسامات، ومبالغات خيالية، ونزعات إلى الفردية وإلى تحويل الثورة إلى أسطورة، وما إلى ذلك، هذه أمراض العالم المتخلف، وهي تعبر عن نفسها في الفترة التي لا يكون المرء فيها منهمكًا في عمل ثوري حقيقي، ولكن مع ذلك يعتبر صانع ثورة، إذا لم تخرج الثورة من ذلك، وإذا لم تفعل شيئًا كمسيرة ماو الطويلة أو تكتسب مزيدًا من القوة من الخارج بتحرير دولة عربية، فإن الهزيمة تترك أثرًا خطرًا في معنويات الجماهير، إن فترة الانحطاط لم تبدأ في أيلول بل بعد معركة الكرامة.
س- أيمكن أن نأتي الآن إلى قضية إسرائيل نفسها؟
أتعتقد أن هناك شيئًا كالشعب الإسرائيلي؟ إن جماعة "متسبين" وجماعات أخرى داخل إسرائيل ترى أنه ربما لم يكن هنالك في الأصل شعب يهودي، ولكن المهاجرين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين كونوا مجتمعًا جديدًا يمكن أن يدعى الشعب الإسرائيلي.
ج- هذا هو حل مكسيم رودنسون أنه تسوية فكرية عجيبة، تعني أن أي جماعة من المستعمرين، تحتل منطقة وتقيم فيها فترة، تستطيع تبرير وجودها بالقول إنها تتحول إلى أمة.
س- إذن أنت لا تعتقد أن الإسرائيليين أمة؟
ج– لا، لا أعتقد، إنه وضع استعماري، جماعة من الناس أحضروا لعدة أسباب، لها وليس لها ما يبررها، إلى منطقة معينة من العالم، إنهم جميعًا يشتركون معًا في وضع استعماري، بينما هناك بينهم أيضًا علاقات استغلال، أوافق على أن العمال الإسرائيليين مستغلون، ولكن ليست هذه أول مرة يحدث شيء كهذا.
كان العرب في إسبانيا في الوضع نفسه، كنت بين العرب في إسبانيا طبقات، ولكن التناقض الأساسي كان بين العرب بصورة إجمالية وبين الشعب الإسباني.
س - إذن أنت ترى تناقضات بين سكان إسرائیل يمكن أن تفرقهم في المستقبل، وتزود المقاومة الفلسطينية بحلفاء داخل المجتمع الإسرائيلي؟
ج – طبعًا، ولكن هذا لن يحدث بسهولة، أولًا يجب أن نستمر في الثورة إلى المرحلة التي تهيئ لهم بديلًا؛ لأنها لم تكن حتى الآن كذلك، من السخف أن نبدأ الحديث عن "فلسطين ديمقراطية " في هذه المرحلة، إنه نظريًا يضع أساسًا جيدًا للمناقشات في المستقبل، ولكن هذه المناقشات لن تقع إلا حين تصبح المقاومة الفلسطينية بديلًا واقعيًا.
س - أتعني أن عليها أن تكون قادرة على توفير بديل للبروليتاريا الإسرائيلية؟
ج - نعم. ولكن صعب جدًا في هذه الفترة حمل الطبقة العاملة الإسرائيلية على الإصغاء إلى صوت المقاومة الفلسطينية، وهناك عدة عقبات في سبيل ذلك تضم الطبقة الحاكمة الإسرائيلية والطبقات الحاكمة العربية، إن الطبقات الحاكمة العربية لا تظهر للإسرائيليين أو العرب إمكان الديمقراطية، قد يسأل المرء: أين الديمقراطية في العالم العربي؟ واضح أن الطبقة الحاكمة الإسرائيلية عقبة أيضًا، ولكن هناك عقبة ثالثة حقيقية وإن كانت صغيرة، وهي أن البروليتاريا الإسرائيلية مستمدة من وضعها الاستعماري داخل إسرائيل، ذلك بأن وضع العمال الإسرائيليين ليس استعماريًا فحسب، بل إنهم يربحون أيضًا من كون إسرائيل ككل قد جندت لتقوم بدور معين بالتحالف مع الإمبريالية.
تدعو الحاجة إلى نوعين من الحركة لإزالة هذه الحواجز؛ كي يكون في المستقبل اتصال بين البروليتاريا الإسرائيلية المعادية للصهيونية، وبين حركة المقاومة العربية، وهما حركة المقاومة من جهة وحركة المعارضة من جهة أخرى داخل إسرائيل نفسها، لكن ليس هناك دليل حقيقي على اتجاه كهذا بعد، لأنه على الرغم من وجود "متسبين" من الضروري وجود حركة جماهير عمالية.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية، 1971، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 168، 170، 171، 172.
نبولفت ريفيو ، العدد ٦٧ ، لندن، أيار/مايو، ۱۹۷۱، ص 47.