حديث صحفي خاص للسيد كمال ناصر، المتحدث الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية، حول الدورة التاسعة المقبلة للمجلس الوطني الفلسطيني
حديث صحفي خاص للسيد كمال ناصر، المتحدث الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية، حول الدورة التاسعة المقبلة للمجلس الوطني الفلسطيني
إن المقاومة الفلسطينية، رغم النكسات التي منيت بها والحصار الكبير المضروب حولها، تؤكد أنها تخطو دائمًا إلى الأمام من ضمن الواقع الذي نعيشه، ومن ضمن فهمها لهذا الواقع وقدرتها على الحركة في ظل أسوأ الظروف والاحتمالات.
والمجلس الوطني الجديد اتخذ عددًا من هذه الخطوات الجديدة إلى الأمام، فلقد انضمت فصائل أساسية كانت خارج الشكل التنظيمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وستناضل من داخل المجلس ومن ضمن الالتزام لإيجاد الصيغ العملية لتجسيد الوحدة الوطنية، بالممارسة والتنفيذ وتطبيق البرنامج التنظيمي والسياسي، الذي أقره المجلس الوطني السابق في دورته الثامنة.
ولست أزعم أننا سنحقق الوضع الأمثل في هذه المحاولة، فنحن أدرى بظروفنا ومشاكلنا وأوضاعنا، إلا إنه من
الواضح، وبعد سلسلة من الاجتماعات عقدتها اللجنة التنفيذية وعقدتها فصائل حركة المقاومة بعضها مع البعض الآخر، أن هناك توجهًا لتجاوز الكثير من السلبيات والعقبات الماضية، كما أن هناك شعورًا أكبر بالمسؤولية، وفهمًا أعمق لقوى الثورة المضادة التي عملت على ضرب حركة المقاومة وبعثرتها من الداخل والخارج، كل ذلك وضع المسؤولين في الثورة الفلسطينية أمام مسؤولياتهم، ودفعهم إلى التوجه إلى تجسيد الوحدة الوطنية بالممارسة على الصعيد السياسي والعسكري والإعلامي والمالي، والثورة تطمح في أن يتم كل ذلك في هذه الدورة.
إن المجلس الوطني الجديد لن يلتفت كثيرًا في دورته المقبلة إلى الماضي، بمعنى أنه لن يفرق في مناقشة الأخطاء
والسلبيات التي وقعت فيها الثورة في الماضي، إلا بقدر ما يعود ذلك بالفائدة على المستقبل، فقد حدث أن تم ذلك في كل المجالس الماضية، خاصة الأخير، كما كتب في ذلك من باب النقد الذاتي الكثير، إلى حد كانت تقع المقاومة في الخطأ الأساسي وتلتقي مع قوى الثورة المضادة، التي حاولت وما زالت وضع الأخطاء والسلبيات في مقابل التآمر على الثورة، والحصار البشع المكشوف في كل المستويات حول الثورة الفلسطينية.
إن المجلس الوطني الفلسطيني الجديد سيناقش المستقبل، ومن أبرز مهماته أن يخرج بقرارات سياسية في ضوء الوضع الراهن والخطير، الذي تمر به الأمة العربية بأسرها، ومن واجبات المجلس أن يقوم بصراحة وشجاعة بعملية فرز علنية، توضع فيها النقاط على الحروف، وتكشف أعداء الثورة من أصدقائها، إن الأنباء تشير إلى أن مؤتمر قمة عربيًا في سبيله إلى الانعقاد قريبًا؛ لبحث قضية فلسطين التي هي محور قضية الأمة العربية وانعتاقها وتحررها، ومن هنا فإن المجلس الوطني الفلسطيني مدعو إلى المساهمة في وضع جدول أعمال هذا المؤتمر العتيد، الذي يأتي في هذه الظروف الخطيرة، والأمة العربية بأسرها مهددة ليس فقط في استقلالها وإنما في وجودها ومصيرها، إذن هذا المجلس سيتخذ طابعًا سياسيًا، ولن يكون برلمانًا كلاسيكيًا لإقرار صيغ سياسية وتنظيمية فقط؛ فالمجلس مجلس الثورة وأعضاؤه من الثوار الملتزمين، والقضية كانت وستبقى قضيتهم، وهم كطليعة فلسطينية عرفوا في الماضي، ويؤكدون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن وجه ثورتهم فلسطيني وعمقها عربي، ومن هنا كان من حقهم أن يخاطبوا جماهير أمتهم وقادتها باسم المقاومة واسم الثورة أن يتجمع الناس في معركة المصير الواحد، ضد أعداء الأمة العربية، كما أن من حقهم أن يطالبوا المسؤولين العرب من الذين احتلت أراضيهم أو لم تحتل، بالمزيد من الوضوح وتحديد كل المفاهيم بمعنى الحلول المطروحة هنا وهناك، أو التسويات المقترحة، لتتبين الجدية حول قضيتنا المصيرية، بعدما كثرت الاجتهادات والتعليلات، فأصبحت حتى الوطنية والدفاع عن الأرض وجهة نظر، وأصبح ذبح الفدائيين المناضلين مستساغًا في بعض الأوساط، والصلح والتسويات الهزيلة في مصلحة الأمة العربية.
ثمة أشياء كثيرة على المجلس الوطني الفلسطيني أن يعلنها، وقد انتهت مرحلة التمنيات، وثبت بالتحليل النهائي أن العدو الصهيوني الإمبريالي لن يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء، وأن الجغرافيا له والأرض أهم من السلام؛ لأن الحرب والتوسع من صميم الحركة الصهيونية، فما هو المطلوب إذن؟ المطلوب من المقاومة الفلسطينية، وهي تعرف كل ذلك بالتحليل والممارسة، أن تقول ذلك للعرب، ولكل العرب، وأعني بذلك لكل القيادات العربية دون استثناء، فإما أن تصل معهم إلى قناعات موحدة حول ذلك أو مع بعضهم، أو أن يكون لها شرف الموت والاستشهاد وحدها مع جماهيرها الفلسطينية والعربية التي تناضل في صفوفها، كما يحصل الآن في أكثر من ساحة وأكثر من مكان.
إن من واجب المجلس الوطنى أن يقول ذلك وكل ذلك، وأن يتخذ به قرارات سياسية ليعلنها على الملأ، وفي ضوئها تحدد المقاومة الفلسطينية موقفها؛ لأنها نظريًا كانت وستبقى امتدادًا للثورة العربية، وقد تصبح امتدادًا لأي قطر عربي أو نظام يتبنى الثورة والتحرير بمفهومه الحقيقي الشامل، وإلا فمن حقها أن تقول كما قالت في الماضي إنه ليس من حق أي نظام أن يزعم أنه يتحدث باسم الشعب الفلسطيني، فالثورة هي الشرعية انتزعتها بالقتال والنضال وما زالت تدافع عن منجزاتها، كما أن الثورة في الوقت ذاته، وفي ضوء كل ما يجري، ليست امتدادًا لأي نظام عربي ولا جزءًا من أي محور لا يتبنى القتال من أجل شرف الأمة العربية، المهددة من المحيط إلى الخليج، وخاصة بعدما حاولت الأنظمة أن تدفع الثمن الكبير من أجل السلام، فلم تحصل حتى على ذلك.
إن الثورة مستمرة وستتجدد باستمرار، ويخطئ من يظن أن الشعب العربي أو طلائعه الفلسطينية يمكن أن تستسلم أو تركع، وهي رغم كل التحديات والظروف الصعبة التي ندركها ونعيها عازمة على المضي، تقاتل في أكثر من جبهة لحماية نفسها وتحرير الأرض المغتصبة وتقرير حق الشعب الفلسطيني في الحياة والعودة.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية،1971، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص 534، 535.
صحيفة النهار، بيروت، 4/7/1971.