حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول بعض المسائل
حديث صحفي خاص للسيد ياسر عرفات، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول بعض المسائل
إن العديدين الذين خيم عليهم اليأس بعد أحداث الأردن، كان من دوافعهم أن السلطة في الأردن التي لم تنجح في الإجهاز على الثورة الفلسطينية، أمدتها الدعاية التي خططت في الغرب بصور تخالف الواقع، في الوقت الذي كانت الثورة الفلسطينية مشغولة بإعادة تقييم خطواتها وخططها التكتيكية.
ولقد حققت الثورة الفلسطينية خلال هذه المرحلة وحدة كاملة بين فصائلها، وانعكس ذلك على عملها وقياداتها، فقد اختير قادة للمحاور بصرف النظر عن انتماءاتهم التنظيمية، وأصبح مثلًا قائد منطقة جرش تخضع له بشكل مباشر كافة قوات الثورة في هذه المنطقة، وبهذا أنجزنا أحد الأهداف التي سعينا طويلًا لتحقيقها، كما حققنا وحدة الجباية. وعندما أصدرت أوامري بإغلاق كافة مكاتب المنظمات في لبنان، والاكتفاء بالعمل تحت الثورة الفلسطينية، تحقق ما طلبت وأغلقت المكاتب، وأصبح يقود المقاومة الآن مكتب تنفيذي من خمسة أعضاء اخترتهم لقيادة هذه المرحلة.
وبهذا حققنا وحدة البنادق من خلال وحدة التسليح والتموين، وتحققت لأول مرة وحدة البلاغات، فتصدر بلاغاتنا العسكرية باسم حركة المقاومة لا باسم العاصفة أو الصاعقة.
وفى رأيي هذا يشكل إنجازًا كبيرًا.
وصحيح أن الذخائر والعتاد الحربي فقدته السلطة في الأردن، لكن سارعت الولايات المتحدة الأمريكية في تعويضه، في الوقت الذي لم نجد فيه من يعوضنا عن كل ما فقدناه من أسلحة وذخائر، ولكن العديد من الشباب في كافة الأقطار العربية قد أقبل ليقدم نفسه متطوعًا في صفوف حركة المقاومة.
وكانت أكبر المكاسب التي حققناها إعادة تقييم المرحلة الماضية واستخلاص الدروس المستفادة، لكي نحقق من التجربة قفزة نوعية جديدة، وقد حاولنا في جريدة (فتح) أن نقدم هذا النقد الذاتي وما زلنا نحاول، وبناء على هذا التقييم وعلى نتائج المعركة تتم تغييرات في القيادات، فعضو اللجنة المركزية الذي انهار، لا مكان له في القيادة، والقائد العسكري الذي لم يثبت في موقعه سقط كقائد عسكري، وفي نفس الوقت يجب أن تأخذ العناصر التي أثبتت صمودها وقدرتها دورها القيادي والطبيعي، وفي نفس الوقت نعيد تقييم تحالفاتنا وارتباطاتنا في ضوء تجربة أحداث الأردن، ولعل بعض ذلك لا يتم بالسرعة المطلوبة نتيجة التعقيدات التي تمر بها القضية الفلسطينية، فنريد أن ننجز هذه التغييرات بأقل قدر من الألم وأقل قدر من الخسائر، ولذلك لا بد أن نكون مسلحين بأكبر قدر من الحرص والحكمة والجسارة.
ومن ناحية أخرى فعلى النطاق العسكري كانت تجربة فريدة امتحنت خلالها قدرتنا العسكرية ومستوى تدريبنا، في قتال استمر متواصلًا مدة ١٢ يومًا ومتقطعًا لمدة ٣٢ يومًا، قاتلنا خلالها كافة أشكال القتال: قتال مواقع، وحرب عصابات، وحرب مدن، وحرب جبال، وكانت القوتان غير متكافئتين عددًا وعدة، وأعتقد أن ما حدث في عمان سيثري فكر حرب العصابات.
ومن أعظم الدروس التي استوعبها مقاتلونا، هذه الصلة العضوية والالتحام بين الثورة والجماهير، هذا الالتحام المصيري الذي انبثق من المعركة، فقد برزت أساطير من الشجاعة المعنوية لجماهير شعبنا ساهمت في تحقيق النصر.
ولقد أكدت أحداث الأردن إحدى الحقائق الهامة الأساسية في الشرق الأوسط، وهي أن المقاومة الفلسطينية أحد العوامل الثابتة المؤثرة في الشرق الأوسط.
كما سقطت في هذه المعركة العديد من الشعارات التي طرحت، والتي كان هدفها المزايدة دون النظرة الموضوعية إلى معطيات الأمور ومقوماتها في أرض المعركة، من حيث التركيب الطبقي والقبلي وارتباط هذه القيمة الموضوعية بالمعسكر الغربي المعادي.
والغريب أن الذين رفعوا شعار "كل السلطة للمقاومة" لم يتحركوا ولم يفعلوا أي عمل لتنفيذ هذا الشعار، وإنما رفعوه للمزايدة به في الساحة الفلسطينية، وقد حان الوقت لسقوط سياسة المزايدات الحزبية بالشعارات.
أما نحن في الأردن فلن نقاتل إلا دفاعًا عن حقنا في خوض معركتنا العادلة ضد العدو الصهيوني، ومن أجل تحرير أراضينا وقرانا.
نحن حريصون من جانبنا على تنفيذ الاتفاق الذي وقع في القاهرة، وفي أرض محايدة في السفارة التونسية في عمان، ولكن كثيرًا ما نرى بعض العناصر التي تماطل في تنفيذه، فحتى الآن يوجد ما يزيد عن خمسمئة معتقل في سجون الأردن من كافة التنظيمات، والسلطة ما زالت تسوف وتماطل في الإفراج عنهم، وحرصت على أن ألتقي بالعديد من الصحفيين في عمان بعد حظر التجول، ونحن نعرف أن حكومة وصفي التل قد قامت لتنفيذ مغامرة ما؛ فنحن نعرف أن وصفي التل مسؤول عن المذابح التي جرت في الأردن تخطيطًا وتنفيذًا، ومن أجل ذلك رفضت مقابلته، وما زلنا في نفس الوقت ملتزمين بالشعار الذي رفعناه منذ اللحظة الأولى لانطلاقنا، وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، إلا إذا شكلت تهديدًا للثورة الفلسطينية.
وما زلنا نوازن بين الاعتبارات العملية والاعتبارات الأيديولوجية.
ليس صحيحًا ما قيل حول إن حركة المقاومة كانت محل خلاف في دمشق؛ فالجميع يؤيدونها ويدعمونها، وكنت في دمشق قبل حضوري للقاهرة، وما يقال حول وجود خلافات حادة في دمشق بجانب الحقيقة، وقد أكد الجميع تأييدهم للثورة الفلسطينية ودعمهم الكامل لها.
وبالنسبة للعراق، فلقد التقطنا محادثة باللاسلكي، أثناء الأحداث الدامية، بين حردان التكريتي الذي كان في المفرق وبين الملك حسين، يقول فيها التكريتي للملك: "ألم أضمن لك عدم تحرك الجيش العراقي إلى جانب الفدائيين؟ لقد جئت بنفسي لكي أضمن تصرفات صغار الضباط وأمنعهم من أي مشاركة طائشة"، وقد كان هذا الحديث أحد أسباب تنحية التكريتي عن السلطة.
أما القوات العراقية-فعلى حد علمي-ما زالت موجودة في الأردن، ولا يوجد ما يشير إلى عزمها على الانسحاب. لقد جاء إلى عمان عدد من شخصيات الضفة الغربية، ليعرضوا علي الموافقة على عقد مؤتمر في الأرض المحتلة، يعلنون فيه فصل الضفة الغربية عن الأردن بعد الأحداث الأخيرة، وبعد تصورهم أن السلطة قد نجحت في الإجهاز علينا، وسألتهم: وأين يعقد هذا المؤتمر؟
أجابوا: في الأرض المحتلة.
قلت: أي بموافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي؟
أجابوا: نعم.
قلت: "علينا أن نفكر ما هي مصلحة السلطات الإسرائيلية في عقد هذا المؤتمر، وإلى أي حد يخدم مخططاتهم، ولماذا يسمحون بعقده".
أجابوا: "لقد كان دافعنا المذبحة التي جرت لإخواننا، التي عبأت أبناء الضفة الغربية ضد السلطات الأردنية".
قالوا: وماذا لو ارتفعت بعض الرؤوس مطالبة بذلك؟
قلت: بلغوا أهالي الضفة الغربية أنه إذا ارتفع رأس مطالب بالدولة المسخ فسنقطعه، فالقضية أكثر من ردود فعل آنية وحماس ينسينا مسار معركتنا الرئيسة، إن دلالة هذا الذي حدث واضحة، ولا تحتاج إلى تعليق، لقد أعطتنا أحداث الأردن تجربة غنية مهما كانت قسوتها؛ فنحن نسعى إلى الاستفادة منها، ولقد بدأنا سلسلة من العمليات العسكرية نرجو أن تتصاعد باستمرار، وأن تكون كافة الأطراف مقدرة لمسؤوليتها التاريخية.
المراجع:
الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1970، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص 964، 965، 966.
المحرر، بيروت، 13/11/1970.